المسيحيون والتركمان بين الحكومتين، المركزية العراقية والإقليمية الكردستانية

بقلم: عبدالغني علي يحيى

أقر الدستور المؤقت للعراق عام 1958 بشراكة الكرد للعرب في الوطن العراقي، ما يعني أن العراق يتكون من قوميتين رئيسيتين، العرب والكرد. وبعد تنامي الصراع الطائفي بين الشيعة والسنة، ظهر 3 شركاء رئيسيين، الشيعة والكرد والعرب السنة، وفي العراق أيضاً أقليتان قوميتان، التركمان والمسيحيون، ولما كان لكل مكون من المكونات الثلاث الكبرى إقليمه الخاص الذي ينتظم فيه، فأن الأقليتين لا تنتظمان في إقليم، ما أفقدهما أحد أهم شروط القومية: الأرض المشتركة. وهذا ضعف من الصعب تلافيه. وزاد من ضعفهما الانقسام الطائفي الحاد، سيما في الحالة التركمانية التي اتجهت فيها الأكثرية الشيعية إلى الإسلام السياسي الشيعي وذلك ككل الشيعة الذين يقدمون المذهب على القومية. فيما راحت الأقلية السنية لتنضوي تحت راية أحزاب قومية وبالأخص الجبهة التركمانية والتي انقسمت سياسياً عندما تحالف بعضها مع السنة العرب كالجبهة التركمانية التي تحالفت مع القائمة العراقية السنية في انتخابات آذار 2010 أما الأخرى منها فقد مالت إلى الكرد. في حين توزع المسيحيون بين الحركة الديمقراطية الآشورية والأحزاب الكلدانية، علماً ان للآشوريين 3 مقاعد في البرلمان العراقي وللكلدان مقعدان ولقد أدى الإرهاب الذي فتك بأرواح المئات منهم وحمل الآلاف على الهجرة إلى كردستان والغرب في إطار مخطط لتفريع العراق منهم إلى أضعافهم أكثر.

ومن قراءة التطورات في مشهد هاتين الأقليتين، أنهما أمام خيارين من أجل البقاء. إما الإنضمام إلى الحكومة المركزية العراقية أو الحكومة الإقليمية الكردستانية. وأمام هذين الخيارين تجدهما يترددان وينقسمان مما يضرهما. فقبل فترة دعا المجلس السياسي للمسيحيين إلى استحداث محافظة مسيحية في سهل نينوى ترتبط بالحكومة المركزية وإلى منطقة حكم ذاتي للمسيحيين في كردستان. وهنا الإشكال الذي لم ينتبه إليه المجلس: محافظة تتبع المركز وحكم ذاتي يتبع كردستان! عليه، على المسيحيين تجاوز الإزدواجية. إما الإنضمام إلى العراق أو إلى كردستان. بالرغم من أن كردستان ما زالت جزءاً من العراق، لكنها تختلف عنه في أمور عدة لا مجال لذكرها هنا. وقد يشير بعضهم إلى خيار ثالث، لا وطني، وهو حث المسيحيين على الهجرة الأمر الذي يرفضه الكل باستثناء الإرهاب، حتى وإن كان آلاف من المسيحيين وصلوا إلى تركيا وسوريا وغيرهما في مسعى للوصول إلى الغرب.

وبين الرغبة في الإنتماء إلى المركز أو الإقليم، تتقاطع الرغبات المسيحية – المسيحية، فالحركة الديمقراطية الآشورية والأوساط الكنائسية في الوسط والجنوب من العراق تريد الارتباط بالمركز، في حين يرفضهما محيطا المركز في الوسط والجنوب بقوة، بدليل نزوح الآلاف منهم إلى كردستان والغرب، وما برح الفرار يتواصل. دع جانباً القول عن المخطط الرامي إلى تطهير البلدان العربية من المسيحيين والذي لم يعد خافياً على أحد. بالمقابل ترحب كردستان دون أقطار المنطقة بإيوائهم إلى حد موافقتها على ايجاد منطقة حكم ذاتي لهم. جدير ذكره، أن رغبة مسيحيي كردستان تتعارض مع الرغبة في الانتماء إلى المركز.

ومع إلتقاء الاستعداد الكردي ومطلب المسيحيين، لكنهما في حالتي "الحكم الذاتي" و"المحافظة" يصطدمان بغياب شرط الأرض المشتركة كما نوهت من جهة، ووجود مكونات اجتماعية كبيرة في سهل نينوى غير مسيحية من جهة ثانية. فعلى سبيل المثال نجد "الشبك" في قضائي تلكيف والحمدانية (منطقة انتشار تقليدية للمسيحيين)، يفوق عددهم عدد المسيحيين أضف إلى ذلك مكونات أخرى كالإيزيدية والكاكائية والكرد المسلمين، إضافة إلى العرب والتركمان.

الحالة نفسها تلقاها بين التركمان، وبالأخص تركمان تلعفر الذين قتل منهم على يد الإرهاب منذ 2003 ما يقارب الـ 4000 نسمة وفوق هذا فأن وضعهم ما يزال بأفضل من وضع المسيحيين، غير أنهم منقسمون فيما بينهم أيضاً. فعلى مدى العامين الماضيين طالبت تظاهرات لهم بالإنضمام إلى كردستان وبقاء القوات الكردية هناك لحمايتهم. ويعتبر تركمان تلعفر كردستان المنفذ الوحيد لهم في الإطلالة على العالم الخارجي، حتى أن قضاء سنجار الكردي تلقى تهديدات من تنظيم "الجزيرة" لدولة العراق الاسلامية في غرب الموصل من مغبة استمرار سنجار، في مساعدة تركمان تلعفر. ثم نفذ تهديداته في شكل تفجيرات طالت عدداً من بلدات سنجار. هذا في وقت تطالب فيه نخبهم السائدة بتحويل تلعفر إلى محافظة شريطة ربطها بالحكومة المركزية. في وقت يستحيل فيه على تركمان تلعفر الشيعة التواصل مع إخواتهم في المذهب إلا عبر الإقليم الكردي.

لكي يتخلص المسيحيون والتركمان العراقيون من الإضطهاد المسلط عليهم، فان توحيد صفوفهم وكلمتهم ضروري من أجل أن يقفوا على أرضية صلبة في اختيار أحد الخيارين اللذين ذكرتهما.

عبدالغني علي يحيى

Al_botani2008@yahoo.com