روح الحضارة السومرية تنبعث في الفسيفساء السورية

حماه (سوريا) - من عيسى حمود
روعة التصميم الفني وبراعة الهندسة

تستمد حرفة صناعة الفسيفساء روحها من الحضارتين السومرية والبيزنطية وهي كما يراها الكثيرون من الفنون الجمالية رفيعة المستوى نظراً لروعة التصميم الفني وبراعة هندسته بطريقة تسمح بتطويع الحجارة والقطع الزجاجية لإخراج لوحات فنية تسحر الألباب وتنقل المشاهد إلى ما وراء التاريخ.

وفي محافظة حماة لا تزال هذه المهنة تحيا بخجل في أحد الأروقة على يدي الحرفي يوسف كشتو الذي عشقها فأبدع بها حتى زارت أعماله أهم المعارض وزينت بها أهم المقاصد السياحية بسورية.

ويقول كشتو "لا توجد بين الفن وبين صناعة الفسيفساء فواصل فالإبداع الفني يعتبر العنصر الرئيسي في إتقان هذه المهنة ولطالما أمتلكت هذا الإبداع وخاصة في مجال الرسم فكانت حرفة الفسيفساء هي الهدف المقصود التي أعبر من خلالها عن مشاعر وأحاسيس لا يمكن البوح بها".

وأوضح كشتو أن انطلاقته الأولى كانت في عام 1989 مستفيدا من مراجع خاصة بكيفية صناعة الفسيفساء نظراً لعدم وجود أي جهة تدرس هذه الحرفة حيث تعلم قواعد ومبادئء المهنة وبدأ هاوياً لتصبح اليوم مصدر رزقه.

ويضيف أن صناعة الفسيفساء تنقسم إلى نوعين القديمة الحجرية والزجاجية حيث تعتمد الحجرية على الحجر الموجود في الطبيعة الذي يمنح اللوحة روحانية خاصة ويتم رسم المناظر الطبيعية أو التراثية أو الشخصيات أو الرسوم الهندسية على قطعة قماش بيضاء ثم يجري البحث عن الأحجار التي تمتلك ألوانا تناسب التصميم حيث يمكن استخدام الحجارة البرازيلية والباكستانية والتركية والإيطالية والسورية طبقاً لحاجة الألوان ثم تقص بشكل أقلام طويلة ولكن بمقاسات وسماكات محددة.

ويتابع كشتو "يجري بعدها وضع الاحجار لتأخذ مكانها المخصص دون زيادة أو نقصان ثم تلصق بواسطة غراء نباتي أو حيواني أو حتى صناعي على اللوحة القماشية وتحاط بإطار حديدي وتدعم بمونة أسمنتية ملونة خاصة لملء الفراغات متناهية الصغر بين القطع الحجرية ومن ثم تترك لتجف وتبدأ عملية الشحذ لسطح اللوحة لإزالة ما علق بها من مونة لتظهر بمظهر جذاب".

وعن هندسة الفسيفسائية الزجاجية قال كشتو إنها تمر بمرحلة رسم الشكل المراد تصميمه بواسطة أقلام فحمية على قطعة من الورق أو الكرتون المقوى ثم توضع فوقه قطعة من النايلون الشفاف لحفظ الرسم حيث يستخدم القطع الزجاجية التي ترد من معامل الزجاج بالألوان المختلفة ويتم تثبيتها بالغراء وفق هندسة الشكل وتوضع على قطع رخامية أو خشبية بنفس مقاس اللوحة لزيادة تماسك اللوحة.

وعن أهم اللوحات التي صممها يقول كشتو انه صمم لوحة فسيفساء عملاقة بوزن 4ر1 طن تمثل بانوراما الحضارات التي تعاقبت على سورية ولوحة عملاقة موجودة بالرياض تصور نواعير البشريات بحماة وباقة من اللوحات اضافة الى أعداده دراسة لإنشاء بوابة مصممة من الفسيفساء لحماة بطول 25 متراً وارتفاع 15 متراً.

ونوه كشتو إلى أن بعض حرفيي المهنة ينجرون وراء تقليد الفسيفساء البيزنطية القديمة من ناحية الرسوم مشيرا إلى أن الإبداع يكمن في التجديد ومحاكاة ما هو عصري بهذه المهنة ولاسيما عناصر الحضارة السورية الحديثة والطبيعة الساحرة.

بدوره يقول إيليا زيدان رئيس اتحاد الجمعيات الحرفية بحماة إن حرفة صناعة الفسيفساء تعتبر من أعرق وأجمل الحرف الموجودة بالمحافظة وعلى الرغم من فتح المجال لحرفيها بأن يدخلوا ضمن سوق الحرف اليدوية بحماة الا انهم لا يتجاوزون الثلاثة بالمحافظة.

وأشار زيدان إلى أن الحرفة ترقى بالعهد إلى السومريين ثم الرومان وشهد العصر البيزنطي تطورا كبيرا في صناعتها لأنهم ادخلوا فيها صناعه الزجاج والمعادن واستخدموها بشكل مكثف في القرن الثالث والرابع الميلادي باللون الأبيض والأسود فبرعوا بتصوير حياة البحر والأسماك والحيوانات أما العرب صنعوا منها اشكالاً هندسية لاسيما الفسيفساء الإسلامية الموجودة بالجامع الأموي بدمشق.(سانا)