السودان.. جذور الخلاف بين الشمال والجنوب

بقلم: فيصل علوش

بدأ ملايين السودانيين الجنوبيين، في جنوب البلاد وشمالها، كما في بعض الدول المجاورة، عملية تصويت تستمر أسبوعا كاملا، وذلك في إطار الاستفتاء التاريخي لتقرير مصيرهم، وغلب الطابع الاحتفالي على الاستفتاء، وأقبل المشاركون به على مراكز الاقتراع بكثافة، بوصفه يتوّج، بالنسبة إليهم، «مسيرة طويلة وشاقة نحو الحرية». وبلغ عدد المسجلين للمشاركة في الاستفتاء نحو أربعة ملايين، بينهم ثلاثة ملايين و750 ألفا في جنوب السودان. ويقدر عدد الجنوبيين بحوالي 8.26 ملايين، من أصل عدد سكان السودان البالغ نحو 40 مليونا. كما تقدر مساحة جنوب السودان بنحو 620 ألف كلم مربع، أي نحو ربع مساحة السودان الإجمالية.

وهذا الاستفتاء نص عليه اتفاق نيفاشا للسلام الشامل في السودان، الموقع عليه منذ مطلع عام 2005، بين حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم و«الحركة الشعبية لتحرير السودان»، وهو يخيّر أبناء الجنوب بين البقاء في ظل الوحدة القائمة، أم الانفصال وبناء دولة مستقلة في الجنوب. وجاء الاتفاق، أساسا، بعد عقود طويلة من الحروب الأهلية الدموية بين الشمال الذي يغلب عليه الطابع الإسلامي ـ العروبي، والجنوب الذي تغلب فيه القبائل الإفريقية، والمعتقدات الأرواحية الخاصة إلى جانب المسيحية، وأزهقت خلالها أرواح ملايين السودانيين، فضلا عن كلفتها الاقتصادية الباهظة وإنفاق بلايين الدولارات.

وبدأت تلك الحروب منذ العام 1955، أي قبل عام من استقلال السودان، الذي كان في حينه تحت سيطرة إنكليزية ـ مصرية مشتركة، وازدادت حدتها في مطلع الستينات من القرن الماضي، قبل أن تشهد مرحلة هدوء في السبعينات، بعد توقيع اتفاق أديس أبابا بين حكومة النميري والمتمردين الجنوبيين عام 1972، الذي منح الجنوب قدرا من الحكم الذاتي، كما نص على كفالة حرية الأديان لجميع السودانيين. واستمر حتى العام 1983، حين حل نظام النميري الحكومة الإقليمية في الجنوب، ونقض اتفاق السلام بإعلانه تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على إمتداد البلاد كلها، وتجددت الحرب الأهلية مرة أخرى، وامتدت هذه المرة على مدى 22 عاما، وحصدت وحدها أرواح نحو مليوني سوداني، معظمهم من الجنوب، فضلا عن تشريد ملايين آخرين في الدول المجاورة.

جذور الخلاف

ويرجع محللون وسياسيون سودانيون جذور الخلاف بين شمال السودان وجنوبه، وكذلك بعض الصراعات الناشبة في أقاليم أخرى، إلى عدد من الأسباب والعوامل، يعتبرون أن أهمها يكمن في:

1ـ التنوع الثقافي الموروث بين الشمال المستند إلى الإسلام والعروبة، وبين أقاليم يغيب عنها أو يضعف فيها هذان المكونان، ربطا بفشل النظام السياسي والثقافي السوداني عموما في استيعاب هذه الحقيقة والاعتراف بها وأخذها بنظر الاعتبار، حيث درجت الحكومات المتعاقبة على اعتبار أن الثقافة العربية ـ الإسلامية يمكن ويجب أن تشكل محورا جاذبا ومذّوبا لسائر الثقافات الأخرى.

ويعتبر البعض أن نظام الجنرال إبراهيم عبود، الذي وصل إلى الحكم في أواخر عام 1958 عبر انقلاب عسكري، كان أول من مهد الطريق الذي سارت عليه الحكومات المتعاقبة في الخرطوم، عبر السعي لتشكيل هوية «عربية ـ إسلامية» لعموم السودان، دون الأخذ بنظر الاعتبار الهوية العربية ـ الإفريقية للسودان من جهة، ومدى التنوع العرقي والثقافي والديني الذي يعيشه هذا البلد من جهة ثانية.

والأمر يعود في أساسه إلى طبيعة «التركة» الثقيلة التي خلفها الاستعمار، والحدود العشوائية التي رسمتها القوى الاستعمارية بين دول المنطقة، حيث تبين مع مرور الزمن مدى التباين والفجوة التي تفصل بين الشمال العربي ـ المسلم، والجنوب الإفريقي بطابعه المسيحي ـ الوثني في السودان. ومن ثم المآل الكارثي الذي انتهت إليه عملية الانصهار القسري بين الجانبين، وخصوصا في ظل حكومات متعاقبة عجزت عن بناء دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على مبدأ المواطنة والتعددية وإطلاق الحريات، وتمثل ذلك جليا في عجزها عن إدارة التنوع والتعدد القائمين، وإخفاقها في بناء وحدة وطنية تقوم على الاعتراف بحقيقة هذه التنوع والتعدد، في المبدأ كما في الممارسة، وهو ما يتطلب تحقيق مساواة تامة بين المواطنين، بعيدا من أي تمييز ديني أو عرقي أو ثقافي، وفق نصوص دستورية واضحة، وممارسة عملية تكفل للجميع حقهم في الحرية والكرامة، وتوفر لهم الشعور الكامل بالانتماء إلى وطن واحد، لا تمييز ولا استعلاء فيه لأحد على أحد.

يذكر هنا أنه طوال الفترة الاستعمارية، فإن البريطانيين حكموا السودان من الشمال، وأداروا الجزء الجنوبي منه، وكأنه كيان منفصل عن الشمال، أو كأن السودان منقسم إلى دولتين وكيانين مستقلين شمالا وجنوبا، فمنذ عام 1922 طالبت السلطات الاستعمارية بحصول كل من يرغب في عبور الحدود بين الشمال والجنوب على تصريح سفر مسبق، عملا بمبدأ «الحدود المقفلة» كما أطلق عليه آنئذٍ. وهو ما ساهم بإبقاء الجنوب مهمشا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا إلى حد كبير، بيد أنه بقي على هذه الحال بعد رحيل الاستعمار واستقلال السودان، فحتى اليوم لا توجد فيه أغلب الخدمات المناطة بالدولة من كهرباء ومياه نظيفة وتعليم وعناية وصحية.. الخ.

2ـ التباين الاقتصادي والاجتماعي بين الأقاليم، الذي أفضت إليه تنمية غير متوازنة، وإهمال وتهميش لبعض الأقاليم، تركها تغرق في لجة من الفقر والتخلف والحرمان. ويوضح هؤلاء أن نظام «الإنقاذ» الذي جاء إلى السلطة بانقلاب عام 1989، إنحدر بالإنتاج الزراعي والصناعي للبلاد بشكل مريع، واتبع سياسات خصخصة أدت إلى رفع يد الدولة عن كل الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة والدعم التمويني، وكان المتضرر الأكبر من ذلك المناطق الأقل نموا، وزاد في مفاقمة الوضع الفساد الذي استشرى وجعل السودان في قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم. كما أن استخراج النفط لم يفد، ولم يستخدم في دعم التنمية وجسر الفجوات التنموية في المناطق المهمشة.

3ـ القسمة غير العادلة في السلطة، وتنامي الإحساس والوعي السياسي لدى أبناء الأقاليم المهمشة بأن مشاركتهم في حياة البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تتناسب مع حجم مناطقهم السكاني والجغرافي.

4ـ النزاعات في الأقاليم التي ينتمي إليها السودان جيوسياسيا، وبخاصة القرن الإفريقي، ومنطقة البحيرات الكبرى، وشرق أفريقيا، وإقليم البحر المتوسط والنزاع العربي ـ الإسرائيلي. وكذلك قضية مياه النيل والنزاع حولها بين دول المنبع والمصب.

وعلى ذلك، فإن القضية المطروحة بين شمال السودان وجنوبه، لا تتعلق في جوهرها، بمؤامرات استعمارية غربية، أو «صليبية ـ يهودية»، تحاك ضد السودان لتفتيته أو تقسيمه «بوصفه بوابة العرب والمسلمين إلى إفريقيا»، بقدر ما تتعلق بحق تقرير مصير إقليم تقطنه مجموعة أو مجموعات بشرية تجد نفسها متمايزة وفي الوقت نفسه مغبونة ومضطهدة من قبل حكام البلد.

وعلى ذلك أيضا، فإن النتيجة المرجحة والمتوقعة للاستفتاء، هي نتاج طبيعي للعمل بمبدأ تقرير المصير من جهة، ولوحدة قسرية قامت على جثث الملايين من جهة أخرى. وإذا سارت الأمور بسلام، فإن الاستفتاء قد يشكل نهاية حضارية لأكثر من خمسة عقود من وحدة غلبت عليها النزاعات والحروب الأهلية الوحشية، غير الحضارية.

بيد أن السؤال المطروح الآن هو ماذا بعد الانفصال، سواء في الجنوب أم في الشمال؟ فالجنوب أمام تحد كبير في قدرته على إنشاء دولة ما زالت تفتقد إلى أبسط مقوماتها، بنى تحتية، خدمات، مرافق عامة...الخ، فضلا عن قدرته على إدارة تركيبة قبلية متنوعة، تحكمها توازنات هشة. كما أن حكومة الخرطوم وبدلا من أن تلتفت إلى معالجة المشاكل الداخلية الكثيرة التي يموج بها البلد، أو تلك التي سيخلفها الاستفتاء، راحت تعلن عن تمسكها وتشددها في تطبيق الشريعة، وهو الأمر الذي يظل، في نظر الكثير من المراقبين، محط خلاف وموضع رفض من قبل آخرين في شمال السودان، وليس في جنوبه فحسب، إذ أن كثيرا من المسلمين (بمن فيهم أئمة وعلماء دين وشيوخ طرق صوفية) لا يوافقون على نهج النظام في تطبيقه للشريعة، مستدلين إلى ذلك، مثلا، من خلال ردود الفعل المستاءة والمستهجنة لجلد فتاة في الخرطوم على أيدي رجال الشرطة أمام الملأ، كما ظهر في شريط فيديو جرى تسريبه للفضائيات ومواقع الانترنت، بسبب ما زعم عن ارتدائها لزي غير محتشم.

وفي تصريحاتهم، بدا بعض قادة الخرطوم، وكأنهم مبتهجون، لخيار الجنوبيين للانفصال، لأنه يبطل، على حد تعبيرهم، «حجة تنوع الثقافات والأعراق»، وذهبوا إلى حد التأكيد على الاستمرار في «تنفيذ الحدود (الإسلامية): جلد وقطع أيدي وقطع من خلاف، ما دام ذلك يغيظ الأعداء»!!.

فيصل علوش