كتاب 'ضد الإسلام' لا يهدف إلى تكفير أحد

دين يدعو إلى إعمال العقل والفكر والتدبر

القاهرة ـ "لم يكن الإسلام يوما، ولن يكون دين الرأي الواحد، والاتجاه الواحد، والفكر الواحد، كما لم يعرف الإسلام (رجل الدين)، بمفهومه المُشين في الأديان الأخرى، وليس فى الإسلام كهنوتٌ ولا قرابينُ تُقدّم للإله، ولكن الإسلام النقىّ، الذى لم تخالطه شوائب المنتفعين منه والمتاجرين به، دين يدعو إلى إعمال العقل والفكر والتدبر، وليس إلى (ركنهم فى سلة المهملات)، والاكتفاء بما يُمليه علينا سدنته، وتقديسه تقديسا لا يقبل شكّا."

بهذه الكلمات يستهل الكاتب الصحفي مختار محمود، كتابه "ضد الإسلام"، مؤكدا أن الكتاب "لا يهدف إلى تكفير أحد، أو تسفيهه أو النيل منه، أو الحكم بإقصائه من ساحة الإسلام الواسعة، التي تسع كل ذي عقل وفكر، وتضيق حتما بصغار العقول وضعاف القلوب وأصحاب المصالح الضيقة، كما أنه لا يسير في مواكب المتنطعين المتشددين، الذين ينالون من الإسلام أكثر من خصومه المعلنين، ولا يتحدث باسمهم، ولا يحمل لواءهم، ولا يردد كلامهم، كما لا يجارى السفهاء في سفاهتهم، والذين يكرهون الإسلام بالسليقة، ويتربحون من الإساءة إليه، وينالون الأوسمة والتكريمات من أجل الطعن فيه."

الكتاب يرصد ظاهرة دأب عدد من الكتاب والمفكرين المسلمين على الطعن في الإسلام وتجريحه، بحثا عن شهرة زائفة، أو مغنم زائل، حيث يستعرض في 15 فصلا، 14 كاتبا ومفكرا مسلما، تفنن "12" منهم في الكتابة ضد الإسلام، أما المفكران الآخران فتحولا في خواتيم حياتهما إلى أبرز المدافعين عن الإسلام ضد منتقديه والطاعنين فيه، باعتبارهما نموذجين جديرين بالاحتذاء، ثم يختم المؤلف كتابه بالفصل الأخير، بعنوان "تحليل نفسي"، ناقش خلاله التحليل النفسي لهذه الشرذمة، التي تتكسب ماديا ومعنويا، من الإبحار ضد التيار أو "ضد الإسلام".

خصص المؤلف الفصل الأول من الكتاب للدكتور نصر حامد أبوزيد (1943 - 2010)، مشيرا إلى أن مشروع أبوزيد تمثل "في وضع التصورات الماركسية والمضامين المادية الجدلية وتفسيراتها للحياة والكون والإنسان والوحي والنبوة والغيب والعقيدة في المعنى القرآني فيصير القرآن ماركسياً ينطق باسم ماركس وفلاسفة المادية الجدلية والهرمنيوطيقا فيغير بذلك المفاهيم الرئيسية للقرآن ويلغي المعاني الحقيقية للسور والآيات ويطمس الحقائق الدينية التي رسخها القرآن وبينتها السنة النبوية ".

ويذكُر الكاتب بأن أبوزيد، قدَّم بحثا عنوانه "نقد الخطاب الديني" للحصول على لقب (أستاذ) من جامعة القاهرة، لكن لجنة الترقيات رفضته، واتهمته بمعاداة القرآن والسنة والهجوم على الصحابة وإنكار المصدر الإلهي للقرآن الكريم والدفاع عن الماركسية والعلمانية وعن سلمان رشدي وروايته (آيات شيطانية).

وقال الدكتور عبدالصبور شاهين يومئذ: "إن أبحاث أبوزيد جدلية تضرب في جدلية لتخرج بجدلية تلد جدلية تحمل في أحشائها جنينا جدليا متجادلا بذاته مع ذاته".

ويختتم الفصل بعبارة مهمة قالها اللبناني على حرب في حفل تأبين أبوزيد بالمسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية‮ وهي: إن أبو زيد لم يعمل يوما في خدمة العقيدة الإسلامية!

أما الفصل الثاني فيتناول الكاتب سيد القمني (64عاما)، الذي أظهر في كتابه "النبي إبراهيم" تحليلات علمانية لقصص الأنبياء الأولين، وقال في كتابه "الحزب الهاشمي": "إن دين محمد مشروع طائفي، اخترعه عبدالمطلب الذي أسّس الجناح الديني للحزب الهاشمي على وفق النموذج اليهودي (الإسرائيلي)، لتسود به بنو هاشم غيرها من القبائل"، وفي كتابه "أهل الدين والديمقراطية" اتهم القمني الإسلام بالظلم؛ لعدم المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث.

وفي فصل آخر يتحدث الكتاب عن الشاعر السوري علي أحمد سعيد "أدونيس"، باعتباره المُروّج الأول لمذهب الحداثة في البلاد العربية، كما جلبت أطروحته "الثابت والمتحول" عليه اتهامات عديدة.

ومن النصوص التي ضمّنها "أدونيس" كتابه "الثابت والمتحول" عن عقيدته، تجاه الله ـ سبحانه وتعالى ـ والأنبياء: "الله والأنبياء والفضيلة والآخرة ألفاظ رتبتها الأجيال الغابرة، وهي قائمة بقوة الاستمرار لا بقوة الحقيقة والتمسك بهذه التقاليد موت، والمتمسكون بها أموات، وعلى كل من يريد التحرر منها أن يتحول إلى حفار قبور, لكي يدفن أولا هذه التقاليد كمقدمة ضرورية لتحرره!"

وأورد الكتاب شهادة الكاتب موسى السليماني عن أدونيس: "هو سليل إرث ثقافي ملحد قديم، كان يصرح بمعاداة الإسلام من خلال شعره".

ويخصص الكتاب فصلا للحديث عن الدكتور حسن حنفي، باعتباره من أشرس المدافعين عن العلمانية، مستندا إلى بعض من آرائه الشهيرة مثل: "العلمانية جوهر والدونية طارئة عليه"، فالدين من صنع التاريخ وبمعنى أوضح، فالقرآن والدين الإسلامي نتاج بشري من صنع التاريخ ووليد ظروف اجتماعية متخلفة، لأن الدين لا يظهر إلا في مجتمعات متخلفة توقفت عن التطور والعلمانية ترفض هذا الكهنوت - أي الدين - ثم بعد ذلك يقرر هذه الحتمية التاريخية التي لا يعرفها إلا حسن حنفي. العلمانية في تراثنا وواقعنا هي الأساس واتهامها باللادونية تبعية لفكر غريب وتراث مغاير وحضارة أخرى. فأي دونية يقصد حسن حنفي؟ ربما يقصد أن العلمانية هي الدين لأنها أساس الوحي حسب زعمه.

ويتوقف الكتاب عند الإعلامية والكاتبة السعودية الشابة "نادين البدير"، التي تبنت دعوة إلى إباحة تعدد الأزواج، حتى يمكن للمسلمة أن تتزوج مثنى وثلاث ورباع وتسعا، كما يعرج على أستاذتها وملهمتها الدكتورة نوال السعداوى، وكذلك الأميركية آمنة ودود التي خطبت الجمعة وأمّت جمعا من المصلين، وأفتت بأن تؤم المرأة الرجال في الصلاة، كما يتحدث الكتابة باستفاضة عن المصري رشاد خليفة، الذي ادعى أنه "خاتم المرسلين"، وكان يوقع خطاباته مع الملوك والرؤساء بهذا اللقب.

وبعد استعراض هذه النماذج المثيرة للجدل، يستعرض الكتاب تجربتين ثريتين للدكتور عبدالرحمن بدوي، والدكتور زكي نجيب محمود، لأنهما أنهيا حياتهما بالتحول إلى الدفاع عن الإسلام ضد منتقديه من الداخل والخارج عن بينة وبصيرة.

ويتوج الكاتب كتابه بالفصل الأبرز، الذي ناقش فيه التحليل النفسي لشخصياته، متسلحا بآراء لناقدين ومحللين وعلماء نفس، من بينهم الدكتور قدري حفني أستاذ علم النفس الذي يرى أن الخارجين عن الإجماع سواء كان هذا الإجماع أخلاقيا أو اجتماعيا أو دينيا يعانون غالبا من نقص في شخصياتهم ويحاولون من خلال الخروج عن القواعد العامة والأسس المجتمعية "إشباع هذا النقص والظهور بمظهر المنتصر حتى ولو كان انتصارهم على حساب صورتهم أمام الناس".