ما الذي تعنيه عودة مقتدى الصدر بالنسبة للأميركان؟

بقلم: مهند حبيب السماوي

منذ أن عاد زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر إلى العراق الأسبوع الفائت والصحف الغربية لم تفتأ تتحدث عن هذا الحدث المهم ودلالات هذه العودة وما يمكن أن يترتب عليها من نتائج تُلقي بضلالها على المشهد السياسي العراقي وعلى المشاريع المستقبلية للإدارة الأميركية في العراق خصوصاً أن قواتها في العراق سوف تنسحب في نهاية هذه السنة طبقاً للاتفاقية العراقية الأميركية التي نصّت على هذا الأمر.

ومن المقالات المهمة التي تحدثت عن عودة مقتدى الصدر كانت للكاتب البريطاني مايكل بويلي الذي كتب في صحيفة الغارديان البريطانية في 11-1-2011 مقالا تحدث فيه عما تعنيه عودة الصدر للعراق من وجهة نظر الإدارة الأميركية وكيف ترى الأخيرة هذا الرجوع وأثرها على مستقبلها في العراق.

أدناه نص المقال يعقبها بعض الملاحظات التقويمية التي تتعلق به.

يقول الكاتب...

عندما غادر مقتدى الصدر العراق عام 2007، اعتقد الكثير من المسؤولين في الإدارة الأميركية بان المغادرة سوف تؤدي إلى تضاءل نفوذ التيار الصدري الذي شن هجمات مسلحة ضد القوات الأميركية منذ عام 2004، في وقت بدأت الحكومة العراقية بأخذ زمام المبادرة والسيطرة على البلاد واستعادته من أيدي المسلحين... حيث كانت مغادرة الصدر السريعة للعراق قد جاءت بعد حملة عراقية - أميركية لمواجهة ميليشياته المسلحة أي جيش المهدي وإرجاع أجزاء من بغداد كانت تحت سيطرتهم.

ومن غير أي إعلان رسمي للصدر غادر الأخير إلى إيران للهرب من الحملة العسكرية مغضبا الكثير من إتباعه الذي كانوا يريدون منه أن يستمر في مقاومة القوات الأميركية والحكومة العراقية.

أن عودة الصدر إلى الحياة السياسية في العراق الأسبوع الماضي قد أثبتت بان قراره الرحيل إلى إيران في أوج الهجوم الأميركي عليه لم يكن إلا انسحابا تكتيكيا، لكنه أصبح بعد ذلك نصرا استراتيجيا. فالصدر استفاد من الوقت لتعزيز سلطته الدينية بواسطة الدراسة في إيران بينما قامت حركته بإعادة اندماجها تدريجيا في الحكومة العراقية وحصلت على 39 مقعدا في البرلمان في الانتخابات الأخيرة.

ونتيجة ذلك أصبح الصدر وإتباعه أكثر قوة من أي وقت مضى، وبينما كان الصدر يعتبر من الأعداء الذين لا سبيل إلى إصلاحهم بالنسبة للحكومة العراقية، فانه وجد نفسه الآن لاعبا لدور صانع الملوك لضمان بقاءهم. وفي تشرين الأول الماضي قام الصدر بتسوية سياسية أعادت نوري المالكي إلى السلطة عبر دعمه ائتلاف دولة القانون لتشكيل الائتلاف الحكومي.

أن نشوة الحشود التي حيّـت الصدر برجوعه تؤشر إلى انه قد تم دفع الحساب، فدعمه للحكومة كان حاسما وحتى الآن يستطيع الصدر كشخص خارج عن الحكومة أن يستخدم منبر الوعظ للضغط على رئيس الوزراء. وإذا أراد الصدر فهو قادر على تغيير مسار السياسة العراقية. وفي سخرية أليمة نرى أن المالكي الآن يعتمد على مشايخ الدين من اجل بقاءه السياسي بينما مناصرو الصدر قد أوضحوا بان دعمهم للمالكي مشروط في قدرة المالكي على الاستمرار في القيام بأشياء يوافق عليها التيار الصدري.

عودة الصدر للبروز في المشهد السياسي العراقي هو أمر غير مرحب به من قبل أميركا وبريطانيا على الرغم من الدعم المدروس الذي قدمه الصدر للحكومة في خطابه. فهنالك مذكرة اعتقال قائمة ضد الصدر بتورطه في مقتل رجل الدين الشيعي عبد المجيد الخوئي، والحكومة العراقية التي سمحت له بالعودة بدون أن تحقق في هذه القضية فإنها لا تحترم قواعد القانون. أن زيادة تأثير حركته السياسية المستمرة بالرغم من هذا التهم هو دلالة واضحة على الضعف الحكومي واعتمادها على من دفعوا العراق نحو الحرب الأهلية.

علاوة على ذلك، بينما نجد أن الصدر وافق بحذر على تشكيل الحكومة العراقية فانه يبقى عدوا كبيرا لأميركا وبريطانيا، مذكرا أتباعه في خطابه بعد عودته بان أميركا وبريطانيا وإسرائيل هم العدو المشترك للشعب العراقي. وقد دعا أتباعه الى مقاومة أميركا ولو انه كان مبهما حول المعنى الذي يقصده من هذا اللفظ!.وهذه بالضبط هي النقطة...لفظ المقاومة في معناه التي يقصده غالبا ما يُعرف بمعارضته لما تريده أميركا أن يحدث في العراق. وعودة الصدر للظهور كطليعة للمقاومة ربما تحطم الآمال الأميركية لكي تبقى في العراق من اجل الدعم بعد انسحابهم في نهاية السنة.

يلعب الصدر أحياناً دور السياسي البرغماتي لكنه ليس سياسي ديمقراطي حقيقي... ويرغب أن يلعب بأي كارت، ومن ضمنه العنف، لكي يحافظ على تأثيره، وبالرغم من نغمته الحذرة في خطابه الأخير.فمن المستبعد أن يصبح فجأة صوتا للتسامح والعقلانية.

ومن المحتمل أن يُرعب بروز الصدر السنة المعتدلين والأكراد، وإذا استمر في أثارة النزعات الطائفية فانه من الممكن أن يقوّض التسوية الهشة التي سمحت بتشكيل الحكومة العراقية. والأسوأ من ذلك أن شخصيته التي تميل لنموذج حزب الله والنمط شبه الديني وسيطرته حركته على عدد من الوزارات الرئيسية كالعمل والإسكان...يعني بان القليل سوف يقف في طريقه لتحقيق أهدافه، والخاسر الحقيقي في رجوع الصدر في العراق هم أولئك العراقيين الذين يرغبون أن يروا حكومتهم تعمل على أساس غير طائفي لان الحكومة من المحتمل أنها سوف تبحث عن تحويل الأولويات الدينية إلى سياسة حكومية.

أخيرا فان الصدر يحاول أن ينجز مستوى ما من التأثير لأنه مدعوم من إيران. وفقط تحت الضغط الإيراني قام بتسوية لدعم المالكي الذي يسعى في نفس الوقت لتدمير حركته كقائد للحكومة العراقية. أن عودة الصدر للسياسة العراقية سوف يقوّي يد إيران التي ستمتلك منذ الآن حليفا قويا قادر على ضمان جريان الأمور في العراق لصالحها.

إحدى السخريات المريرة للقرار الأميركي لغزو العراق هو محاولة خلق حكومة ليبرالية في المنطقة وترك عدوها القديم كوسيط قوي وأساسي في المنطقة.

وعلى الرغم من وجود هذه الأسباب التي تقلقنا من الصدر، فمن غير الواضح ما يمكن أن تقوم به أميركا للتأثير على الأحداث في العراق، بعد أن رجع الصدر للعراق. فالمالكي مصر على تطبيق الاتفاقية الأمنية التي بموجبها ستغادر القوات الأميركية العراق في كانون الأول 2011. وحتى الآن فان القوات الأميركية قد سحبت معظم قواتها الفاعلة في العراق وهي الآن تلعب دورا اقل محورية في السياسة العراقية وستخسر الكثير من نفوذها المتبقي في العراق، والسياسي المحلي العراقي كالصدر سوف لن يجد صعوبة في الوقوف ضد ما تريده أميركا مهما يكن معقولاً.

أن رجوع مقتدى الصدر قد عزّز من مشهد عودة العنف أو ظهور حكومة غير ليبرالية. لكن من الواضح الآن أن الإحداث في العراق قد انزلقت من يد الإدارة الأميركية التي تحولت الى متفرج على الأحداث أكثر من كونها صانعة لها، وفيما لو كان العراق سوف يستمر في تعزيز مكتسباته الهشة أو ينزلق للعنف أو لسلطة دكتاتورية فان المهم ان أدارة اوباما اصبحت بعيدة عن لعب دور الفاعل القوي في العراق.

انتهت المقالة...

أما الملاحظات التي تتعلق ببعض ما ورد في المقال فهي كالآتي بعد وضع عبارات الكاتب والرد عليها.

- الصدر من الأعداء الذين لا سبيل إلى إصلاحهم بالنسبة للحكومة العراقية

لا يعتبر الصدر عدوا مطلقا للحكومة العراقية بل انه، وعلى الرغم من المعارك التي حدثت بين تياره وبين الحكومة، يختلف معها بصورة نسبية وليست مطلقة، اما الآن فهو جزء من الحكومة وان كان يختلف معها في طريقة التعامل مع القوات الأجنبية على ارض العراق.

- أن المالكي الآن يعتمد على مشايخ الدين من اجل بقاءه السياسي

المالكي لم يعتمد على المشايخ، بل اعتمد على قدرة سياسية بارعة على المناورات التفاوضية وكسب الأطراف الخارجية والداخلية التي جعلته مؤهلا لتولي منصب رئيس الوزراء.

- زيادة تأثير مقتدى دلالة واضحة على الضعف الحكومي واعتمادها على من دفعوا العراق نحو الحرب الاهلية

زيادة شعبية الصدر لها عدة عوامل بعضها تتعلق بكونه وريث والده التي كانت له شعبيه ساحقة بين شباب الشيعة، فضلا عن تواجد تيار مقتدى وحركته بالقرب من المناطق التي تتواجد فيها الطبقات الفقيرة التي تشكل أغلبية تياره وحركته.

- دفعوا العراق نحو الحرب الأهلية

لم يكن التيار الصدري، للأمانة الموضوعية والتاريخية، هم من دفع العراق للحرب الأهلية بل كان تنظيم القاعدة هو السبب الأساسي في الإحداث التي جرت في العراق عام 2006 وعام 2007 حينما كان ينفذ عمليات إرهابية تستهدف مراقد الشيعة ومناطق سكنية آمنة.

- الصدر يلعب بأي كارت، ومن ضمنه العنف، لكي يحافظ على تأثيره

ليس الأمر على هذا النحو..فالعنف وسيلة وضيعة للسياسي وهو حينما يستعملها لن يصبح سياسيا بل زعيم عصابات وإرهابيا، والصدر تبرأ من هؤلاء، وهو لا يحتاج للعنف لتقوية موقفه والانتخابات الأخيرة قد أثبتت ذلك.. إذ حصلوا بالسياسة على اكبر عدد من المقاعد البرلمانية التي يمكن أن يحصل عليها أي حزب.

- من المحتمل أن يُرعب بروز الصدر السنة المعتدلين والأكراد

الأمر المذكور غير صحيح فلم يرعب الصدر الأكراد، ولِم يقم بذلك؟ فضلا عن السنة المعتدلين... ربما يخيف الصدر التنظيمات الإرهابية من القاعدة وأمثالها من التنظيمات الشيعية المسلحة التي تختلف معه خصوصا عصائب الحق.

- أخيرا فان الصدر يحاول أن ينجز مستوى ما من التأثير لأنه مدعوم من إيران

الصدر مدعوم من قبل الفئات الشعبية الفقيرة ولا علاقة بانجازه بإيران..ونتائج تياره في الانتخابات مثال واضح على ذلك.

- يسعى المالكي في نفس الوقت لتدمير حركته

لا أظن ان المالكي يرغب بذلك في هذا الوقت خصوصا بعد الدعم الذي ناله من التيار.

- أن عودة الصدر للسياسة العراقية سوف يقوّي يد إيران

الربط بين الصدر وإيران بصورة مطلقة أمر غير صحيح وان يكن الصدر قد استقر في إيران لعدة سنوات، إلا أن هنالك اختلافا بينه وبينهم،ويرى البعض انه "بالرغم من خطابة المثير للمشاكل فمن الأفضل أن يكون الصدر في العراق من ان يكون في إيران لانه اذا كان في ايران فيمكن أن يُدار من قبلها" كما قال قائد عسكري أميركي لفوكس نيوز الأربعاء 12-1-2011.

- أن رجوع مقتدى الصدر قد عزّز من مشهد عودة العنف أو ظهور حكومة غير ليبرالية

هذا الرأي يتبناه البعض من المحللين الذي يرون في عودته احتمال لعودة العنف للشارع العراقي، ولكننا يجب ان لا ننسى أن هنالك رأيا أخرا يرى العكس من ذلك، فنرى مثلا الكاتب نزار لطيف يكتب في صحيفة ذي ناشونال السبت 9-1- 2011 بعنوان " الصدر يتبنى موقف أكثر اعتدالا "وهو عنوان واضح المضمون والدلالة.

وفي هذا الرأي صواب كبير اذ أن الصدر الآن ومن خلال السياسة الجديدة التي يتبعها هو وتياره قد حصل على مناصب حكومية مهمة و39 عضوا في البرلمان العراقي. واذا ما سار الأمر على هذا النحو واستمر التيار الصدري في مراجعة مواقفه وتصفية تياره من العناصر التي تسيء له فانه سوف يكون له منصب أخر كبير في الحكومة العراقية في الدورة المقبلة لعله يكون رئيس الوزراء.

مهند حبيب السماوي

alsemawee@gmail.com