رسائل لها ما بعدها: تونس ومصر

بقلم: د. أشرف عبدالغفار

اليوم اقف امام مشهد رسم في خيالي منذ زمن بعيد وكنت أكاد اجزم ان المشهد واقعاً لا محاله، وها انا ذا اجده تحقق ولعل البداية لم تكن في الحسبان.

ان ما بحدث في المغرب العربي وخاصة تونس يوحي بما حدث قبلاً باوروبا الشرقية يوم ان سقطت البلدة تلوا البلدة ويعيد رسم ملامح منطقتنا من جديد.

ولعل الموقف يجعلني ابعث برسائل قصيرة، وحتماً لكل رسالة قصيرة ما بعدها من تفصيلً وتعميق.

الرسالة الأولى:

الى الرئيس حسني مبارك، ترى ياعزيزي هل كنت تتخيل يوماً ان يقف الرئيس التونسي هذا الموقف؟ هل تراه اليوم وهو يقف مهزوزاً متردداً مدافعاً عن نفسه قائلا ان الأمور التي كانت تجرى ما كانت على هواه وانها كانت تجري من خلف ظهره وانه لم يكن يعلم بها (ويا للسخرية، فاين كان طيلة 23 سنة).

تذكر ياعزيزي كيف كان يقف مزهواً بنفسه قبلاً، وراجع اشرطة لقاءاته قبل الأزمة –فلو كان مصرياً لقلت فرعون- ثم ينحدر المنحنى بعنف هذه المرة حتى تراه اليوم 13/01/2011 وهو يستجدي ان يصدقه الناس، مستعداً لدفع الثمن ممن حوله حتى ولو انتهوا جميعاً مقابل إيقاف غضبةً

لن تقف إنشاء الله حتى يسترد الشعب التونسي حقه كاملاً.

لقد هرب الرئيس ويبحث له عن مأوي! ولله في خلقه شئون.

اما رسالتي اليك، فيا هل ترى حينما ترى زميلك على هذا الحال.

فهل تتخيل نفسك مكانه وشعبك قد اعلن غضبته الكبرى؟ ام ان بطانتك ما زالت تطمئنك ان كل شيء على خير حال، وان مصر غير تونس، وانهم غير رجال بن علي؟

ولكن اذكرك "اتق شر الحليم إذا غضب" فأن استمرأت حلمه وظننته لا يغضب ابداً وسوف تراه.

وأذكرك كذلك ان قوى الدنيا العظمى والدول امثال اميركا وفرنسا والمانيا وايطاليا والتي كانت تفتح لك ولبن علي ذراعيها والابواب على مصرعيها اضحت الان تبدي قلقها العميق من تصرفات بن علي تجاه شعبه والعنف الغير متوازن في تونس رافضةً بطش بن علي لشعبه مطالبة بحق الشعب التونسي في الحياة وهو الشعب الذي باعته سنين عدة ولم تأبه بالالامه واناته.

اذكرك يا سيادة الرئيس ان هذه القوى هي نفسها التي تحتمي بها الان من شعبك ومن الله سبحانه وتعالى (وحاشي لله ان يستطيع احد ان يحتمي منه سبحانه وتعالى). فهذه القوى التي باعت رفيق دربك في لحظة واحده ستبيعك ايضاً في اقل من لحظه، وتذكر شاه ايران وغيره.

هذه رسالتي الأولى وان تكون الأخيرة ايها الرئيس.

الرسالة الثانية:

رسالة الى وزير الداخلية المصري واعوانه ومستشاري الرئيس. هل رأيتم من يقومون بأدواركم في تونس؟

وكيف ضحى بهم سيادة الرئيس وهم من خدموه سنيناً عديدة؟

هل فكرتم ان رئيسكم سيضحي بكم في يومً لعله قريب كذلك؟ هل تذكرتم المقولة "انا ومن بعدي الطوفان"؟.

إن الرئيس التونسي قد اقال مستشاريه واقرب المقربين اليه في لحظةً بل وأقال وزير داخليته وحارسه الأمين من دون تردد بل سيقدمه للمحاكمة جراء جرائم قد ارتكبها في حقه شعبه العظيم (ويا للعجب!).

أيها السادة راجعوا انفسكم.

هل رئيسكم لا يدري الحقائق كرئيس تونس؟

هل تتغولون على الشعب من وراء ظهره؟

هل يطالبكم بخدمة الشعب ورعايته ويأتمنكم على راحته وانتم الذين تخونون الأمانة؟

ام انه هو الذي امركم بكل ذلك؟ ويعلم كل صغيرة وكبيرة ويعلم جرائمكم بحق شعبنا العظيم.

وانه هو الذي سيخون امانتكم في اول عاصفة ليقدمكم قرباناً لشعب غاضب لعله يعفوا.

هل فكرتم ان التغيير قادم لا محالة؟

وانه لا مكان لكم وانكم يا رفاق الأمس واليوم سيسعى كلً منكم غداً ليقدم الأخر قرباناً فداءً لنفسه ومصالحه؟

وهذه رسالتي الأولى ولن تكون الأخيره حتى اجدكم خارج المشهد.

الرسالة الثالثة:

الى رجال الأمن كباراً وصغاراً. هل رأيتم المشهد في تونس؟ ورجال امنهم كانوا أعتى واثبت منكم.

هل تفكرون متى يأتي ذلك اليوم اليكم؟

فإذا كان قادتكم لا ثمن لهم عند الرئيس فما ثمنكم؟

ومن سيحميكم ومن سيحافظ عليكم؟ او يحفظ لكم ودكم من هؤلاء الكبار الذين من أجل راحتهم قتلتم الشعب وذبحتموه في كل يوم، ولفقتم التهم وشردتم الأسر، ولم تقدروا طفلاً او امرأة او شيخاً؟

فيومها، يوم ان يضحي بكم الكبار لن يبكي عليكم شعباً طالما اكتوى بناركم وقاسى من ظلمكم وبشاعتكم فالشعب لن ينسى خالد سعيد وسيد بلال وكثيراً نعرفهم وأكثر لا نعرفهم.

و لكن حذاري ان تستمروا في غيكم فتقفوا امام الشعب يوم غضبته إرضاءً لسادتكم الذين سيبيعونكم بلا ثمن في سوق النخاسة.

اياكم ثم ايكم ان تقفوا في وجهه اهلكم يوم غضبتهم، بل ارجعوا الى رشدكم وتوبوا الى ربكم والتحموا مع شعبكم فلعل الله يغفر لكم ولعل الشعب يسامحكم.

وايضاً هذه رسالتي الأولى ولن تكون الأخيرة.

الرسالة الرابعة:

الى قوى المعارضة التي لم تجد مماثلاً لها في المشهد التونسي.

فلقد قامت الدنيا ولم تقعد في تونس بدون امثالكم وأخشى ما أخشاه ان تقوم الدنيا ولا تقعد عندنا بدونكم كذلك.

الخوف في تونس – ونسأل الله ان يحفظ شعبها ويدله على الطريق الصحيح – انه ليس هناك قيادة ظاهرة توجه هذا التيار الهادر.

والخوف عندنا كذلك إن ظللتم على حالكم، لا تتحدون فيما بينكم ولا تلتحمون بهذا الشعب العظيم الذي سيحرك المياه الهادرة ويفتح لها الطريق،

فأنه بكم او بدونكم سيفعل ذلك. ولن ينظر خلفه بحثاً عن قيادةً بترددها اصبحت خلفه وليست امامه.

حاولوا ان تدركوا الوقت قبل ان يضيع، والتحموا بشعبكم العظيم وتلاحموا فيما بينكم وتخلوا عن اي اجندة خاصة،

واعلموا ان الوقت وقتكم ان ادركتم ذلك. وتذكروا قول رسولنا (ص): ان سيد الشهداء حمزة، ورجلً قام الى حاكم جائر، فأمره ونهاه فقتله.

ولكن العجيب فيكم انكم لا تقتربون من حمى الحاكم ابدا؟

. فتذكروا ان غضب هذا الشعب قادم لا محالة، فاما ان يكون تياراً راشداً ينقذ البلاد بكم او بغيركم

واما سيكون طوفاناً لا يعرف متى يقف ولا اين يحط رحاله.

وهذه رسالتي لكم والرسائل تتوالى.

رسالتي الى شعب مصر العظيم:

ان شعباً كشعب تونس قد اثبت جدارته وقوته وعزته، فأنتفض على الة جبارة اعتى من التكم الجبارة.

ولم يكن في وسط المشهد، ولم تنتظر منه الشعوب ما تنتظره منكم – ليس تقليلاً من شأنهم – ولكن لأنكم وضعتم في وسط المشهد وقلبه.

ففلسطين المستباحة على حدودكم وأشد اعدائكم (اسرائيل) بالقرب منكم وتريد ان تكون في وسطكم، والسودان الذي يتمزق على حدودكم بعد ان كنتم جزءاً منه وكان جزءاً منكم، والقواعد العسكرية الغربية حولكم في كل مكان وعلى منابع نهركم العظيم يتربصون بكم.

وفوق كل هذا فالكل يعلم عددكم وقدمكم وحضارتكم. وكل اعدائكم يريدون النيل منكم حتى لا تقوم لكم قائمه ولا للعرب من حولكم، وذلك بالاتفاق مع من؟ مع حكامكم الذين يسيطرون على مقدراتكم.

و بهذه الصورة تصبح فريضتكم اولى من غيركم، وتصبح انتفاضتكم على الظلم لكم ولمن حولكم، ولكن تونس انتفضت فأين انتم؟

هل رأيتم مدي هشاشة الظلم وكيف ان الباطل زهوق.

قل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا

وهذه رسالتي الاولى لكم والرسائل لا تنتهي.

رسالتي الى شعب تونس العظيم:

اليوم اقول لكم انكم علمتم غيركم واخذتم زمام المبادرة التي حركت الماء الراكد وتفلت الغضب المكتوم وتعيد الأمور الى نصابها في كل ارضً عربية.

رسالتي لك ايها الشعب التونسي العظيم: اياك ثم اياك ثم اياك ان تصدق بن علي الذي حكمك بالحديد والنار ثلاثة وعشرين سنة وحاول ان يفقدك كرامتك وعزتك ونخوتك ولا تصدق أعوانه الذين شاركوه في ظلمكم فلك تحية والف تحية واحذرك من عدوين لدودين:

العدو الأول، اولئك الحكام واعوانهم الذين جربتموهم وتعرفونهم اكثر من غيركم.

فالمشكلة ليست في الحاكم الفرد فقط بل في النظام نفسه واعوانه الذين كانوا شركاء في كل حدث وكل مصيبة.

العدو الثاني، تلك القوى الدولية الكبرى التي اوصلت هؤلاء الحكام ليجثموا على صدوركم، وجعلوهم اداة تنفيذيةً بين ايديهم وضربوكم واذوكم بأيدي هؤلاء الحكام الوكلاء عنهم على بلادكم.

فاحذروا منهم جميعاً ولا تثقوا الا بأنفسكم واهليكم المخلصين من بني جلدتكم.

اياكم ان تتراجعوا، اياكم ان تقفوا. اكملوا مسيرتكم حتى النهاية فلن يقف امامكم شيئاً ولن يقف امامكم احد، وامنوا بالله وحده والله معكم ولن يتركم اعمالكم.

وهذه رسالتي الى الجيش والأمن التونسي:

كونوا مع شعبكم ولا تكونوا مع سدنة المعبد الذي كاد ان ينهدم فوق كل من يقف تحته، كونوا مع الشعب العظيم الذي سيبقى.

تذكر يا شعب تونس العظيم شاعركم ابو القاسم الشابي وكأنه بينكم اليوم يشهد انتفاضتكم وهو يقول لكم:

إذا الشعب يوماً اراد الحياة ... فلابد ان يستجيب القدر

ولا بد لليل ان ينجلي ... ولابد للقيد ان ينكسر

هنيئا لك يا شعب تونس فهلم أكملوا مسيرتكم حتى النهاية

وهذه ايضاً رسالة اولى لها ما بعدها حتى رسالة التهنئة بالنصر المبين الكامل لشعب تونس العظيم ان شاء الله.

د. أشرف عبدالغفار