أي دور للفضائيات الدينية (5)

إعداد - محمد الحمامصي

لا يزال استطلاع "ميدل إيست أونلاين" حول دور وتأثير القنوات الفضائية الدينية إسلامية كانت أو مسيحية في إشعال نار الفتنة ليس بين المسلمين والمسيحيين فقط بل بين أبناء الدين الواحد، وتظل حالة مصر في اللحظة الراهنة شاهدا قويا على ما أدت إليه هذه القنوات من تحريض ودعوة للفتنة والتناحر.

آراء المثقفين هذه المرة تشير بأصابع الاتهام إلى "المال النفطي" و"الفكر الوهابي" باعتبارهما المؤسس الحقيقي لهذه القنوات وما تبثه من أفكار وآراء، مطالبة المستنيرين من العلماء والكتاب والمفكرين بالتدخل وعدم الاكتفاء بالندب والعويل عند كل مصيبة تقع.

عزة عزت: عودة إلى السبعينات

تكشف الباحثة وأستاذ الإعلام المصرية د.عزة عزت أن مشكلة الاحتقان الإسلامي المسيحي في مصر غـُرست أولى بذورها منذ بدايات عقد السبعينيات بتقوية التيار الإسلامي من قبل الرئيس المصري السابق، وتواكب مع ذلك بدايات الهجرة إلى دول النفط وعلى رأسها السعودية، التي زاد تأثيرها أكثر، ليس بفضل من عاشوا فيها من المصريين وعادوا متطبعين بتقاليدها الجافة، ولكن بسبب هيمنة المال النفطي والسعودي بالذات ونشاطه في مجال تأسيس القنوات الفضائية ذات الطابع الديني السلفي التي كرَّست قيم ومفاهيم لا تتسق بحال مع طبيعة الشعب المصري السمحة، وقدرته على التعايش مع شتى الديانات؛ بدليل أن اليهود والمسيحيون كانوا ينعمون فيها بمساحة رحبة من الأمان عبر عقود، بينما الحال اليوم كما نرى يرسى له من السوء، ولا يحتمل مزيد من التعليق.

وأضافت د.عزة "نتيجة لما أحدثته كل هذه الظروف من تهيئة عقول المصريين خاصة من أنصاف المثقفين والبسطاء ممن لا قضية لهم، والذين جعلوا من التدين المتشدد قضية عمرهم، وكأنهم بتشددهم وإرهابهم الفكري للآخرين يقومون بدور جهادي سيثابون عليه، كما نشطوا في محاولات أسلمة الشباب المسيحي، والتهليل لتخلي البعض عن دينهم مهما كانت تفاهتهم الشخصية ورخص دوافعهم لاعتناق الإسلام، التي تبعد تماما عن فكرة الاقتناع العقلي به كدين حق، ولكن لأسباب دنيوية بحتة، الأمر الذي أثار الأخوة المسيحيون وأدى إلى نشاط تنصيري بالمقابل سعى للتبشير، ونجح إلى حد ما في استقطاب بعض الشباب المسلم الطامح في بعض المطامع الدنيوية، بعيدا عن فكرة القناعة الفكرية بالمسيحية كدين سمح، والفرق أن من أسلمن صرخ ذويهم رافضين، بينما كتم ذوو من تنصرن غيظهم خوفا من الفضيحة في مجتمع إسلامي، ويراقبن ما يدور حولهم من خلال أخبار الصحف وحوارات الفضائيات التي تتناول برامجها التشكيك في الديانتين خاصة بعد أن كثرت بالمقابل الفضائيات التبشيرية، والتي تسئ إلى الدين الإسلامي بشكل فج، والبادي أظلم!! فالتشكيك في دينهم يمارسه شيوخ الفضائيات الإسلامية بفجاجة أشد، ويضيع مساكين يُغرر بهم ويخدعوا، وتدمَّر أسرهم بسبب تنافس زكريا بطرس والشيخ حسان وأخوانه".

ورأت د.عزة أن هذا قد تواكب وتوازى مع ما تقوم به الفضائيات خلال العقد الماضي ظهور حرب مماثلة، وربما أشد منها بين أصحاب الديانتين في الفضاء الافتراضي على شبكة الإنترنت، في مواقع تـشرِّح كلا الدينين بأسلوب أشد بذاءة، وبطريقة تثير حفيظة أي متدين معتدل، كما تثيره ضد أصحاب الدين الأخر بشكل أعنف؛ نظراً لتداخل جنسيات مختلفة في الأمر، وأصحاب توجهات لا تهمهم مصلحة هذه الأمة، بل لعلها المصدر الأساسي لكل ما نرى من تشدد وإرهاب، لا يمكن تجنبه أو منعه أو تجنب أثره.. بعد أن بدأت تخرج عن نطاق الحرب الكلامية إلى التخطيط لأحداث إرهابية بشعة؛ بسبب ما تمارسه هذه المنابر الإعلامية من غسيل دماغ لجمهور الشباب المتعامل مع هذه المواقع بالذات، وتفاقم أثرها بعد خروج الأخوة المسيحيين عن تسامحهم المعهود واستقوائهم بالخارج صاحب المصلحة الأولى في تدمير هذه الأمة.

نذير جعفر: الدين حل محل القومية والأيدلوجية الحزبية

ومن جانب آخر أكدت رؤية الروائي والناقد السوري نذير جعفر على أن انحسار المدّ القومي العربي، واهتزاز اليقينيات الإيديولوجية السياسية الكبرى في العالم، ومصادرة الحياة الحزبية والديمقراطية، "دفع الأديان بحكم استقرارها الطويل في وعي ولاوعي الشعوب البديل الوحيد لسد الفراغ الذي حدث، ومن هنا بدأنا نشهد صعود موجات جديدة من التعصّب الديني والمذهبي، واصطفافات من حولها تقسم المجتمع وتذرّره بحسب عشائره وقبائله وطوائفه!".

وأضاف "جاءت فورة الفضائيات الدينية لتعزّز هذا المنحى، وتعمل على التجييش الديني والطائفي تحت رايات وبرامج وذرائع مختلفة ما بين متشدّدة ومتسامحة، والمشكلة ليست في المحتوى الديني إنما في الأسلوب التحريضي والانتقائي والدعائي الذي تبث من خلاله، سواء أكانت متسامحة في ظاهرها أم متطرفة. فهي في الحالتين تسهم في تسييس وتجييش الدين لا في نشره، ومن هنا لا بدّ من أن تشرف الجهات المعنية مثل: الأزهر، وسواه من المؤسسات الدينية على ضبط هذه الفوضى ووضع حدّ للمنغمسين في أتونها، ولاسيما أن الفتنة أشد من القتل، وكثيرا ما أضرمت هذه الفضائيات نارها التي تحصد أرواح الأبرياء من الأطراف كلها".

سلام الكواكبي: سموم على خلفية فقر مدقع

أما الباحث السوري سلام الكواكبي فرأى أن الأخطر من النوعين الدينيين ـ الإسلام والمسيحية ـ هو البرامج العادية في الأقنية العامة والتي تبعث برسائل طائفية أو تحريضية، فعلى سبيل المثال، التركيز على حدث معين في بلد غير مسلم بطريقة غوغائية يحرك لدى ضعيفي الوعي بعض المشاعر الدفينة والعدائية تجاه أتباع المذاهب الأخرى، ويمكن لخبر مصاغ بطريقة عدائية في الأخبار من أن يلعب هذا الدور أو سؤال تحريضي في برنامج حواري سطحي المعالجة أن يسهم في ذلك أيضا.

وأكدت الكواكبي أن ما يبث من سموم عبر الأقنية الدينية في ظل فقر مدقع للإبداع على الساحة العربية يقع على عقول هي بالأساس مستعدة لتلقف هذا الخطاب، "إنني أخشى، وكما ذكرت تماما في صيغة سؤالك، ممن يقدمون أنفسهم كمعتدلين أو يُقدمون كذلك وهم بالمحصلة حاملو فكر ظلامي في لباس أكثر تهذيبا من أصحاب الدعوات الصريحة للعنف والتقوقع".

وقال "أعود لأسباب انتشار مثل هذا الخطاب وأشدد على أن عقودا من التجهيل المنظم الذي قادته أنظمة تخشى من أن يكون الوعي عامل إضعاف لسطوتها وفسحها المجال أمام الفكر الغيبي الذي يلهي عموم الناس ساهمت وما زالت تساهم في رفد هذه الشريحة، هل سيخرج لنا متمول عربي مجنون بقناة تنويرية بعد أن أثبت الحكام بأنهم ضالعون في التجهيل وتحويل المجتمعات إلى ألعوبة بين الدين الفضائي والجنس الافتراضي؟ هل سيتجرأ أحدهم على إبراز النهضويين الذين ينشطون وينتجون فكرا تنويريا وهم مهمشون؟ هل سيخرج علينا يوما في هذا الفضاء المسيطر رجال كنصر حامد أبا زيد ومحمد أركون وعلي عبدالرازق؟"

"كلا، وللأسف، لأن هذا الأمر يحتاج إلى نخبة واعية ومتمكنة من وسائل التمويل وإلى هامش من الحرية لا تتيحه لا الأنظمة ولا المجتمعات التي تعيش في حالة سبات منذ عقود. إن التحريض على العنف منتشر في خطابات العديدن ممن يدعون الوسطية وأستذكر قول الكواكبي الجد رحمه الله عندما قال إن البلية فقدُنا الحرية، وما أدري ما الحرية، هي ما حرمنا معناه حتى نسيناه، وحرم علينا لفظه حتى استوحشناه، وقد عرف الحرية من عرفها: بأن يكون الإنسان مختاراً في قوله وفعله لا يعترضه مانع ظالم. ومن فروع الحرية: تساوي الحقوق ومحاسبة الحكام باعتبار أنهم وكلاء، وعدم الرهبة في المطالبة وبذل النصيحة. ومنها: حرية التعليم، وحرية الخطابة والمطبوعات، وحرية المباحثات العلمية، ومنها العدالة بأسرها".

أحمد أبوخنيجر: الفكر النفطي العائد من الخليج

وأكد الكاتب الروائي المصري أحمد أبوخنيجر على أن ما يظن البعض أنه لعب وسياسة لم يعد كذلك حين يطال رقاب الناس ويهدد أمنهم وحياتهم، وقال "ما يجرى في مصر الآن هو إعادة مكررة لما جرى في الثمانينات من القرن الماضي، حين قام من أطلق عليهم الجماعات الإسلامية وقتها بنهب وتدمير وقتل المسحيين في كافة أرجاء مصر، سرقة محلاتهم وقفل العديد منها".

وأضاف "كان الفكر الوهابي قد دخل الشارع المصري عبر العاملين فى الخليج العائدين بالأموال والكاسيتات والأشرطة والكتب والتي كانت توزع مجانا، حتى على مستوى المظهر تم هجر الجلباب المصري لصالح الخليجي الذي يتم صناعته في كوريا والصين، أقول أن هذا الفكر صاحب الصراع الطويل للسيطرة على العقل الإسلامي المصري - منذ أيام بن تيمية والحنابلة- حتى هيأت أموال النفط الفرصة له للانقضاض على العقل المصري المتسامح والمنفتح؛ وذلك لأسباب عديدة، لا داعي الآن لسردها"

ويشير أبو خنيجر إلى تلك الأموال النفطية ويرى أنها وراء إنشاء القنوات الفضائية كوسيلة جديدة وجيدة لأنصار هذا الفكر، وبالتالي جذب الكثير من الشباب له بعد تمهيد الأرض عبر السنوات السابقة، وهو ما لم نتنبه إليه، أضف لهذا الظروف الاجتماعية القاسية التي يحياها الشباب بلا أمل واضح في مستقبل مضمون، وبالتالي الحضن الأمن يكون الدين، الغيبي الذي لا يعطى مساحات للفكر ولا لقبول المختلف عندك عقائديا ولغويا ولونا، ولا أقول الآخر، هذا العداء هو ما يجعل الأرض خصبة للقتل وسفك الدماء وهو ما رأيناه بأعيننا قد جرى وقد يجرى مرة ثانية ويتكرر ما لم ننتبه له ولخطورته".

حمدي عابدين: الفضائيات بديلا للعقل

ويتساءل الشاعر المصري حمدي عابدين أين المشكلة؟، ويقول "إنها في الغياب المفزع لأي مناقشات حقيقية لأمورنا، ومشاكلنا، وهذا الغياب يشكل فرصة كبيرة للقنوات الدينية، وجميعها في اعتقادي يخرج مشاهدها من مناقشة قضاياه الحقيقية ويدخله عامدا في ساحة الغيبيات ومناقشة الأمور الفرعية التي يعرفها المشاهدين تماما، والمصدر هنا لمعرفتهم يأتي من دور العبادة، هذه القنوات تصدر لمشاهديها دينا غير الذي يجب أن يعيشوه، تدخلهم في ساحات قشرية، هي مثلا لا تناقش أبدا فكرة الديمقراطية بمعناها الذي نعرفه وتعرفه الأديان، هي لا تناقشهم في فكرة اختيار حكامهم، لكنها عندما تخاطبهم تدخلهم في دهاليز الخنوع الرضا بما قسم الحاكم لهم".

وأضاف عابدين "الحكاية أن هذه القنوات إمعانا منها في الجنوح والخروج عن دورها الحقيقي راحت تدخل في صراعات طائفية، عملت على تأجيجها تارة بالتلاسن، وتارة بتوجيه الاهانات، وهي والحال هذه تخوض صراعات لا تنتهي، كما أنها، وفي بلاد ترتفع فيها نسبتا الأمية والجهل ترسل شررا في عقول متلقي برامجها، هم لن يناقشوا ما يأتيهم، ولن يختبروه لانهم لا يملكون أي أرضية معرفية لمناقشته ووضعه موضع المساءلة، لكن ما الذي يجب ان يحدث والحال هكذا، لا بد من مناقشة المشكلات بوضوح وصراحة، ووضع كل شيء في حيزه الحقيقي، حتى لا تكون هناك فرصه تستغلها القنوات الدينية من هنا او هناك لتأجيج المشاعر الدينية بين أتباع الوطن الواحد، لابد من أن يشعر الجميع أنهم متساوون في الحقوق والواجبات، أمام القانون، لابد أن يدرك الجميع أن فرصهم واحدة للاستفادة بخيرات الوطن".

ويشير عابدين إلى وجود تساؤلات حقيقية ينبغي الالتفات إليها، و"إلا كيف يمكن تفسير ما طرحه الأنبا ابيشوي، وما قاله الدكتور العوا، والمعركة المجانية التي دارت بينهما على من الأولى بوطن بائس مثل مصر يعيش أكثر أيامه ترديا، وأكثر لحظاته تعاسة، هناك أوضاع مفزعة، تجاهلاها ودخلا معا في حوار غير مجد في اعتقادي، وكان الأجدر لهما معا أن يتناقشا في سبل بناء وطنهما ليجنيا معا خيرات بالتأكيد قادمة لو أنهما ركزا جهديهما في البحث عن وسائل لتنميته وحفز طاقاته لا تفتيتها وإهدارها في 'حروب داحسية' لا طائل من ورائها".

وخلص عابدين إلى أن خير المواطن والوطن معا يكمن في البحث وبصراحة عن سبل حل المشكلات القائمة والتفرغ لبناء وطن يصلح للعيش فيه على أرضية المصلحة المشتركة والمستقبل الآمن على أرضية أن هذه البلاد وخيراتها ملك للجميع ومن حق الجميع. وأخيرا على الأزهر الشريف كما على المؤسسات المسيحية دورا هاما هنا، وهو أن يضطلعا بمسئولياتهما الحقيقية في مناقشة أمور الناس، والدفاع عن حقوقهم. لا إلهائهم في أمور تضيع الحقوق جميعا.