معرض عن الاستشراق: اطروحة ادوارد سعيد عفا عليها الزمن

بروكسل
سحر الشرق وهيمنته على الثقافة الغربية

يواصل معرض كبير عن الاستشراق تجواله في اوروبا، بعدما نظمه المتحف الملكي للفنون الجملية في بروكسل، مركزا في تبويب لوحاته على إظهار "تنوع" مصادر الهام الفنانين المستشرقين ودوافعهم، خلافا لمقولات كتاب "الاستشراق" لادوارد سعيد التي "عفى عليها الزمن" بحسب منظم المعرض.

واختتم المتحف الملكي للفنون الجميلة في العاصمة البلجيكية معرض الاستشراق يوم الأحد، بعدما استضافه لثلاثة أشهر متواصلة، حقق خلالها رقما "كبيرا" لناحية عدد الزوار، قياسا بالمعارض الاخرى في بلجيكا، إذ يقدر المنظمون زواره بحوالى 45 ألف زائر.

وستكون مدينة ميونخ الالمانية المحطة الثانية للمعرض، ابتداء من اواخر الشهر الجاري وحتى الأول من أيار/مايو المقبل، لينتقل بعدها إلى مدينة مرسيليا الفرنسية ويمكث فيها حتى أواخر آب/اغسطس.

ويضم المعرض 160 عملا فنيا، آتية من متاحف ومجموعات شخصية من أنحاء العالم، غالبيتها العظمى لوحات، إضافة إلى بعض المنحوتات. وهي تغطي الفترة التاريخية الممتدة من 1798 وحتى 1914.

ديفي دوبالشان، الباحث البلجيكي المختص بالاستشراق، عمل حوالى السنة ونصف السنة وهو يختار مواد المعرض، ليصل أخيرا الى تقديم اللوحات عبر سلسلة محاور لافتة، تركز على "تنوع دوافع ومصادر إلهام الفنانين".

يقول دوبالشان انه عمل على "عرض الاستشراق كظاهرة عالمية"، ويضيف "لذلك رتبنا المعرض وفق محاور تكشف الخصائص المميزة والمتنوعة للاستشراق".

وتجاهل المعرض النظرة الشائعة، التي تصم الاستشراق وتجمله بتقديم نظرة سطحية ونمطية عن الشرق، واضعا ثلاثة عشر محورا تنضوي فيها الأعمال الفنية المعروضة.

من تلك المحاور، عرضت أعمال تشير الى "الاغواء" الذي مثله "سحر الشرق" وهيمنته على الثقافة الغربية، ومنها ما يشير ايضا الى الدور الذي أداه نشر كتاب "ألف ليلة وليلة" في تغذية النظرة الشعبية للشرق على أنه بيت الحكمة القائم على المتعة الحسية والشهوانية، ويظهر ذلك في بعض لوحات العري واللهو التي صورت الجواري وسيدات الحريم.

ويلفت منظمو المعرض الى أن معظم من رسم تلك اللوحات هم فنانون لم يزوروا الشرق، بل استسلموا لتهويماتهم عنه، لكنهم يؤكدون أن هذا التقييم لا يشمل كل أعمال الاستشراق.

فالمحاور الأخرى تأخذ في الاعتبار الوضع الاجتماعي والسياسي، وتشير الى الفنانين الذين التحقوا بالمشروع الاستعماري وشكلت أعمالهم امتدادا له، وخصوصا الالمان والفرنسيين والبريطانيين، وتميزهم عن فنانين بلدان أخرى لم تتعرض أعمالهم لتلك التأثيرات السياسية.

ويصنف المعرض مجموعة من أعماله تحت عناوين أخرى، معرجا على فنانين استخدموا الشرق ليشتغلوا الرسم التاريخي للكتاب المقدس، كما يلتفت الى "السحر" الذي مارسته على بعض الفنانين آثار الثقافة العربية في اسبانيا، إضافة إلى سحر آخر عاشه الفنانون الذي تجولوا في البلاد العربية، وعاشوا "اليوميات الغرائبية" لعالم جديد كان بمثابة "هجوم على أحاسيسهم" على مستوى الروائح والألوان وغيرها.

وكان لافتا حضور اعمال لبعض رواد الحداثة الغربية، بوصفها تنتمي لظاهرة الاستشراق.

في الجناح الاخير من المعرض وضعت عدة لوحات لفنانين معروفين، منها لوحة "ارتجال 3" للتجريدي الروسي الشهير فاسيلي كاندنسكي (1866-1944)، ولوحة "ليلة عربية" للانطباعي الفرنسي بول اوغست رينوار (1841-1919).

وفي هذا المحور الذي سموه "نظرة معاصرة" يشير منظمو المعرض الى جاذبية مواضيع شكلت تحديا للفنانين كالصحراء والاضاءة القوية، في جنوب المتوسط، لتكون مختبرا جعل "بعض الفنانين التقدميين يراجعون تقنيات الرسم العادية والايقونية" للمضي في مشروع الحداثة الفنية الغربية، حسبما ورد في نص التقديم للمعرض.

ويقول الباحث دوبالشان أن أهم مشكلة بالنسبة للاسشراق، وللنظرة إليه، هي جعله "مطابقا للاكزوتيكية (الغرائبية)"، معتبرا أن أعمال المستشرقين "لم تكن سلبية دائما" تجاه الشرق، وأنه ينبغي التخلي عن أطروحة المفكر ادوار سعيد في كتابه "الاستشراق"، والتي لقيت رواجا كبيرا، واعتبرت برأيه أن خطاب الغرب عن الشرق خلال التاريخ مستلهم من الاستعمار.

ويرى الباحث البلجيكي أن أطروحة سعيد "صحيحة نسبيا" إذا تم النظر عبرها إلى جزء من الفن الاستشراقي، لكنها في الوقت نفسه "لا تصح على معظم الفنانين" المستشرقين، والذين يمكن عبر لوحاتهم برأيه رؤية "أنها مرسومة باحترام عميق وباعجاب بهذه الثقافة الغريبة والمختلفة" التي عاينوها في الشرق.

ويقول دوبالشان بنبرة واثقة "بهذا المعنى، فان قصة ادوارد سعيد المشهورة عفى عليها الزمن"، ويضيف "لأن قضية الاستشراق أوسع بكثير وساهمت فيها دوافع متنوعة، شخصية ووطنية وغيرها".

يبدي الرسام البلجيكي من اصل جزائري حمسي ابو بكر (1952) خلال تجواله بين لوحات المعرض تقديرا متفاوتا لرسوم المستشرقين، فهو يثمن بعض ايجابياتها لكنه لا يخفي ما يراه فيها من سلبيات.

ويقول ابوبكر "عندما وصلت إلى بلجيكا قادما من الجزائر كان الناس لا يزالون يفكرون أني كنت أعيش في خيمة بالصحراء"، مشيرا الى دور رسوم المستشرقين في ترويج هذه النظرة "النمطية".

لكن بالمقابل، يعتبر هذا الفنان أن الفن الاستشرافي "ساعد في الانفتاح على الشرق"، وأن رسوم الفنانين الغربيين تشكل "وثائق مهمة عن المنطقة العربية في وقت لم توجد فيه وسائط توثيق بصرية أخرى".

وتأتي رسوم المعرض ومنحوتاته لاشخاص ومناظر من اسبانيا والمغرب والجزائر ومصر والسودان وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق وتركيا واليونان والبلقان.