التجربة التفاوضية الفلسطينية من منظور التجارب العالمية

بقلم: ماجد كيالي

تفيد التجارب التفاوضية التاريخية، في العالم، بأن التسويات لا تتحقق بالتوسلات والمناشدات، وإنما هي تتطلب تواجد عدة ظروف، أو شروط، من مثل قيام نوع من التكافؤ ولو النسبي في موازين القوى بين الأطراف المعنية (وهذه لاتشمل فقط القوة العسكرية)، وتوفّر عوامل دولية وإقليمية ضاغطة، تأخذ على عاتقها احتضان عملية التسوية وفرضها على الأطراف المعنية. كما يتطلب ذلك تخليق حالة مجتمعية، عند الأطراف المعنية، لها مصلحة في التسوية وتدفع إليها، لاعتبارات عديدة، منها ارتفاع كلفة حال العداء أو الاحتلال (من النواحي الأخلاقية والاقتصادية والسياسية وليس البشرية فقط)، أو لاقتناع مجتمع المعتدين أو المستعمِرين بضرورة التحرّر من علاقات الاحتلال، إن لتطور في الثقافة السياسية والأخلاقية عندهم، أو بسبب ارتداد تداعياته عليهم.

هكذا، حصلت تسويات الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتسويات الحرب الباردة، وهكذا انتهت النظم الاستعمارية في آسيا وإفريقيا، وهكذا تمت تصفية نظام التمييز العنصري "الأبارثايد" في جنوب إفريقيا.

الآن، إذا حاولنا ترجمة كل ماتقدم على واقع التجربة التفاوضية الفلسطينية ـ الإسرائيلية، سنجد ببساطة أن هذه المفاوضات خلت من أي عامل من العوامل المذكورة آنفا. وكما نشهد، فليس ثمة أي تكافؤ في موازين القوى بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وليس ثمة عوامل دولية وإقليمية (وعربية) تعمل للضغط على إسرائيل، من اجل حضّها على عملية التسوية؛ ولو وفق قرارات الشرعية الدولية (برغم الاجحافات المتضمنة فيها بالنسبة لحقوق الفلسطينيين). وقد تبيّن لنا مؤخرا بأن الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الراعية المفترضة لعملية السلام، والضامنة لأمن إسرائيل وتفوقها النوعي في المنطقة، لم تنجح حتى في حض إسرائيل على تجميد مؤقت لأنشطتها الاستيطانية في الضفة الغربية، برغم كل التقديم والتشجيع التي وعدتها بها (الأمنية والسياسية والاقتصادية)، فكيف سيكون الأمر إذن بشأن إحقاق حقوق الفلسطينيين الشرعية؟

أما بما يتعلق بقبول المجتمعين المعنيين للتسوية، فمن الواضح أن القيادة الفلسطينية (في ظل الزعامة التاريخية لياسر عرفات) استطاعت ان تجعل برنامج التسوية برنامجا مقبولا من قبل قطاعات واسعة من الفلسطينيين. وفوق ذلك فإن الحركة الوطنية الفلسطينية، وبنتيجة تحولها من حركة تحرر إلى سلطة، استطاعت أن تخلق واقعا من الاحتلال المريح لإسرائيل (بوهم التسوية)، ماجعل هذا الاحتلال ارخص احتلال عرفه التاريخ (بحسب تصريح الرئيس محمود عباس!)؛ بحيث أن إسرائيل بقيت قوة احتلال مع تحررها من أعباء الاحتلال.

مقابل ذلك من الواضح أن المجتمع الإسرائيلي (بتياراته السياسية) لم يتجاوب إلى الدرجة المناسبة مع هذا الواقع، الذي يعد فرصة استثنائية له، لتشريع وجود إسرائيل في المنطقة، وإنما على العكس، فقد سار هذا المجتمع باتجاه التشدد والتطرف. هكذا بتنا نشهد كيف أن الإسرائيليين يصرون على استمرار الاستيطان في الضفة وينتهجون ممارسات مغرقة في عنصريتها ضد الفلسطينيين (حتى من مواطني إسرائيل)، بدعوى الحفاظ على يهودية إسرائيل.

ومعنى ذلك أن واقع الاحتلال المريح، وتوجه الفلسطينيين نحو التسوية، لم يخلق التداعيات اللازمة لخلق ثقافة تسوية (ولو نسبية) عند غالبية الإسرائيليين، بل إنه شجع هؤلاء على المزيد من التشدد، القومي والديني، لإنفاذ السياسات الاستعمارية والعنصرية والقهرية ضد الفلسطينيين. لماذا؟ لأنه ليس ثمة اكلاف للاحتلال، ولأنه ليس ثمة ضغط دولي وإقليمي وعربي لإنهاء الاحتلال فعلا، ولأن الفلسطينيين في غاية الضعف والتفكك والتنازع فيما بينهم، ولأنهم أيضا باتوا رهن واقع السلطة، والعلاقات المترتبة عليها (في الضفة وغزة).

في هذا الإطار، أيضا، حتى العامل الديمغرافي، الذي بدا لمرحلة وكأنه يضغط على إسرائيل، باتت هذه وكأنها لاتضعه في حسبانها، فهي تخلصت من مليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة، عبر الانسحاب الأحادي منه (2005)، وهي تلوح بإمكان القيام بإجراءات حدودية في الضفة الغربية، لتحديد حدودها مع الفلسطينيين (بشكل أحادي)، وترك الفلسطينيين يتدبرون أمرهم خلف الجدار، مع احتفاظها بالسيطرة الأمنية والاقتصادية عليهم؛ من دون أن ننسى إجراءاتها للتضييق على مواطنيها من الفلسطينيين؛ لدرجة إخراجهم من نطاق المواطنة.

القصد مما تقدم أن عملية المفاوضات من أساسها، ومنذ بدايتها، لم تكن تجري على أسس صلبة وصحيحة، كما أوضحنا، وكان من الخطأ المراهنة عليها وحدها. فهذه العملية كانت بمثابة نوع من استمرار الأمر الواقع بطريقة أخرى، أي بطريقة مريحة لإسرائيل، وهو ما أتاحه تخليق السلطة، التي باتت اليوم بمثابة سلطتين تتنازعان السلطة على الشعب الفلسطيني، مع الأسف، بدل التنازع مع الاحتلال! والمعنى أن الوضع الفلسطيني بات يتطلب معادلات وخيارات أخرى.

ماجد كيالي