الموسوي العماني يتأهل للجولة الثانية من 'أمير الشعراء'

الشعر والكلمة الراقية وشعراء الحلقة 3

أبوظبي ـ أضيء مسرح "شاطئ الراحة" ليلة الأربعاء 5 يناير/كانون الثاني 2011 بالشعر والكلمة الراقية وذلك في الأمسية الثالثة من مسابقة أمير الشعراء في موسمها الرابع التي تنتجها وتدعمها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، حيث غصّ المسرح بالجمهور الذي جاء ساعياً وراء الكلمة المبدعة والمعنى العميق، إضافة للملايين من عشاق الشعر الذين تابعوا الحلقة على الهواء مباشرة عبر قناة أبوظبي الفضائية.

بداية رحب الفنان المتألق باسم ياخور بأعضاء لجنة التحكيم التي تضم في عضويتها هذه السنة كلاً من د. علي بن تميم (الإمارات)، د. صلاح فضل (مصر)، د. عبد الملك مرتاض (الجزائر)، ومن ثم بالشعراء الذين جاءوا من دول يحدها البحر من جهة، والشعر من جهة أخرى، وكما هي بلدانهم تطل على شطآن البحار، كذلك كانوا هم يطلون على جميل الكلمات، وهم محمد غبريس (لبنان)، مجدي بن عيسى (تونس)، نجاح مهدي العرسان (العراق)، منتظر الموسوي (سلطنة عمان).

لجنة التحكيم
• الزراعي والخضور يستمران.. وصباح تغادر

في بداية الحلقة عُرضت مقتطفات من الأمسية الثانية من المسابقة التي حصل فيها الشاعر علي النحوي على بطاقة التأهل من قبل لجنة التحكيم، فيما ظل الشعراء الثلاثة ينتظرون أسبوعاً كاملاً بكثير من القلق والوجل نتائج تصويت الجمهور التي أضيفت إليها درجات لجنة التحكيم، ليتأهل كل من الشاعر عبدالعزيز الزراعي من اليمن بنتيجة إجمالية 72%، والشاعر محمد علي الخضور من سوريا بنتيجة إجمالية 51%، ولتودّع بذلك الشاعرة المغربية صباح الدبي المسابقة، والتي كانت سعيدة رغم ذلك معتبرة أن الجميل في الأمر هو حضورها ذلك الاحتفال الشعري الهام، متمنية لزملائها التوفيق في عوالم الكلمة والشعر.

وقبل أن تنطلق المنافسة عُرض تقرير عن زيارة المتنافسين الأربعة الجدد لجامع الشيخ زايد الكبير بأبوظبي، وقيامهم بجولة في رحاب المسجد الذي يأتي رابعاً على مستوى مساجد العالم من حيث المساحة، فيما تعد قبته الأكبر بين قباب المساجد في كل دول العالم، والذي يحتضن أول مكتبة في مئذنته، وبعد انتهاء الجولة أدوا صلاة الجمعة فيه.

• مجدي.. المسكون بأطياف الأسلاف

انطلقت رحلة التنافس في الحلقة الثالثة مع صوت شعري جاء من تونس الخضراء، وهو صوت الشاعر مجدي بن عيسى الذي ألقى قصيدة بعنوان "مواجيد الفقر"، فقال له د. صلاح فضل أنه مسكون بأطياف الأسلاف من الشعراء، الأمر الذي يذكرنا بنظائرنا في التراث الشعري، ولعل ذلك مأزق القصيدة العمودية التي لا يمكن أن تتبرأ من تأثير ذلك التراث، أو من شبح قصائده، وأضاف فيما يتعلق بعنوان القصيدة: "لكن لا نعرف عن أي نوع من الفقر تتكلم، الفقر المتعلق بالمال؟ أم بالفكر؟، أم بالحب؟ ثم إنك في الشطر الأخير الذي تقول فيه "آنست حق الحب في حلل الرضا/ ووجدت عذب العشق في الإملاق" لم تختم به القصيدة، كما أن القافية فتنتك وأسكرتك".

من جهته قال د. علي بن تميم: "يسعى مجدي في هذا النص أن يكون صوفياً، لأن الفقير هنا هو الصوفي، ويستطيع القارئ أن يرد تكدس المفردات إلى المعجم الصوفي، غير أن القصيدة كانت تفتقر إلى الابتكار، كما كانت محدودة اللغة لدرجة أن القوافي بدأت تتكرر، وقد كانت القصيدة تحاول استعادة عصر ابن الفارض، لكنها خلت من رموز الصوفية، ومن شحطاتها الفكرية، فكنتَ ـ والكلام موجه للمتسابق ـ تمشي على دروب الآخرين، وتلك أزمة فكرنا المعاصر، عصر الاستنساخ من دون ابتكار، فالجميل في الصوفية هو الصفاء، لكنك لم تأخذ منها إلا الصوف الخشن".

د. عبدالملك مرتاض أشار إلى الأفعال التي أخطأ فيها المتسابق، مثل "خُملتُ" و"قَنِعتُ"، كما أشار إلى البيت الذي يقول فيه بن عيسى: "مكنت للعشاق في أرض المحبة/ والهوى وقَنِعتُ بالأشواق"، وهنا قال د. مرتاض: "يمثل هذا البيت صورة فنية جميلة، تجسد نبل الشخصية الشعرية ويأسها، لكن في النص ذاتية مفرطة".

* غبريس .. وغرام الأقلام

على المسرح أطل ثانياً الشاعر محمد غبريس من لبنان، ليقرأ أمام الجمهور قصيدة "غرام الأقلام"، وعلى الرغم من الإلقاء الجميل للمتسابق؛ إلا أن د. صلاح فضل اعتبر أول القصيدة كفر، التي كانت بدايتها: "هجرتُ عيونَ أوطاني/ وكلّ الغيم أكفاني/ فجئت إليكِ تواقاً/ غداً إنْ طالَ هجراني"، وتساءل د. فضل: "من يجرؤ على ذلك؟"، وأضاف: "لا شك أنك تشغّل أجهزة الخيال لتبقى العبارة صادقة، وتفجر الشعرية، وهذا يحسب لك، وفي النص القلم يناشدك كي يكون ملهمك، كما أنك تعدد كثيراً، وتجعل القلم معشوقاً، ذلك النص الذي أراك فيه مغرم بالإيقاعات الراقصة، ولكن يبقى أن تبقى مغرماً بقواميس الشعراء".

الخضور السوري إلى المرحلة الثانية

د. علي بن تميم أشاد بإلقاء غبريس، فقد كان متألقاً ومدهشاً، لكن د. تميم لاحظ وجود تنافر بين الإيقاع الراقص وموضوع القصيدة الذي يحتاج إلى تأمل، ثم أضاف: "القصيدة من البحر الوافر السريع، وهذا البحر يحتاج استبطاناً، خصوصاً وأنه مرتبط بالإنسان وبالقرآن وبالصوفية"، وختم رأيه بالقول: "إن العلاقة بينك وبين القلم علاقة حب، لكن أتمنى ألا تكون من طرف واحد".

من جانبه علق د. عبدالملك مرتاض على اختيار المتسابق للنص، ورأى أنه على الرغم من إلقائه المبهر إلا أن النص كان خفيفاً، أما لغته المعجمية فقد كانت جميلة وسليمة، والتركيب "ينزُّ دماً" قليل الاستعمال، متمنياً من المتسابق تقديم نص مثقل بالفكر والفلسفة والثقافة، تلك المسائل التي تجعل الشعر قضايا إنسانية، وأضاف د. مرتاض أن الصدر "أنا مازلتُ مرتعشاً" لا يتناسب مع العجز "وإنْ ألهبتِ شرياني".

• الموسوي.. يعيد إنتاج المتنبي

من سلطنة عمان قدم المتسابق الثالث وهو الشاعر منتظر الموسوي، الذي ألقى قصيدة بعنوان "موعد آخر لموت مؤجل" التي قال فيها د. صلاح فضل، "تغرف من نهر الأساطير، وتعيش فيها بقوة وعنفوان، وتمثل الروح العمانية الأصيلة، ليصبح التاريخ لديك نبوءة تنتظر طوفاناً آخر، لكن يبدو لي أنك اختزلت هذه القصيدة من قصيدة أطول، لأن فيها إشارات مكثفة، فعندما قلت: "إني تركت لهذا العمر أمنية/ بيضاء، يخجلها ما كان يخجلني"، فإننا لا نعرف ما هي هذه الأمنية، وعندما قلت "كل الخيالات أحلام مؤجلة/ وذلك الحلم المنسي يشبهني" فلا نعرف هذه الأحلام، ولا ندري شيئاً عنها، لكن في شعرك إشارات قوية على القراء أن يركضوا وراءها ليدركوا شعريتها، وأرى أنك تملك بصيرة شعرية".

الشاعر العماني منتظر الموسوي بعد تأهله بقرار لجنة التحكيم

فيما رأى د. علي بن تميم أن الموت يكون مؤجلاً حينما يكون مرتبطاً بشعرية كشعرية أبو الطيب المتنبي، وقال للمتسابق: "قصيدتك تتقنع صوت المتنبي، وتحاول أن ترسمه بكبريائه، وبروحه الوثابة، وبالسعي الدائم نحو التجدد، وحين قلت: أرقى إلى سكن النجمات مرتعشاً/ كأنني لم أجد في الأفق من سكن. يذكرني بالبيت: أي محل ارتقي أي عظيم أتقي. إن المتنبي نقطة لجذب الشعراء، وهذه النقطة قد تكون مضيئة وقد تكون قاتلة، وكانت هذه النقطة في القصيدة مضيئة إلى أبعد الحدود، فقد أعدت إنتاج المتنبي في سعيه وبحثه عن الأملاك، أعدته وأعدت إنتاج ذاتك دون أن تتراجع ولو للحظة، وكان المتنبي يحلق معك باستمرار، أحييك على النفس الشعري الخلاق، فقلد شنّفت آذاننا بنص رائع مسح ما علق فيها".

فيما اختتم د. عبدالملك مرتاض رأي لجنة التحكيم فقال: "يا منتظر، مازلت تنتظر حتى جاءك الشعر، فالقصيدة قاتمة، انطلاقاً من عنوانها "موعد آخر لموت مؤجل"، وصولاً إلى بنيتها اللغوية الإفرادية "الكفن، المواجع، الشجن، بلا وطن، طوفان، الدم، الأحزان"، إن هذا النص ينطق بالحزن القاتم، ولا أدري هل كان وراء إملاء هذه القصيدة حادثة معينة، أو مناسبة معينة، ثم أتوقف عند البيت: أحيل قلبي للأملاك،/ ليت دمي بحر يسافر بالأحزان للكفن. من حيث التصوير الدم يصير بحراً، والبحر يسافر إلى بعيد، والسفر يوقع كاهله بالأكفان والأحزان، فأي صورة شعرية هذه يا شاعر عمان".

• نجاح.. والصورة البودليرية القاتمة

كان آخر الفرسان الذين اعتلوا مسرح "شاطئ الراحة" ليلة أمس الشاعر نجاح مهدي العرسان من العراق، وقد ألقى العرسان نصه "عودة ابن زريق" الذي أشاد به د. صلاح فضل، فقال موجهاً حديثه للمتسابق: "أنت شاعر مجيد، لكن قصيدتك ليست (عودة ابن زريق)، إنما هي عودة أبي تمام، لأن في شعرك قوة وجزالة وصعوبة أبي تمام، وعندما تقول مثلاً: لم أتفق معك حين اختلفت معي/وصدق الدرب خطو كذب الأثرا. يحتاج القارئ إلى دقيقتين كي يفهم هذه التراكيب حتى يستطيع أن يستخلص المعنى، وإنك توظف قناع ابن زريق وكان يحتاج منك إلى من الشفافية، ولديك أبيات جميلة جداً مثل: أنقى من الزهر، من طهر الرحيق إذا/ مر النسيم على أنفاسها سكرا/ بعين طفل أضاع العيد تعذلني/ تهز سبابة الأيام سوف ترى. فلماذا لا يستقيم شعرك على هذا النمط والنسق الجميل الممتع، وأنت قادر على هذا".

ثم أضاف د. علي بن تميم فقال: "قصيدة ابن زريق فيها ألم، وفيها حزن يصل حد المأساة، لكن نجاح تجاوز ابن زريق، وغلف قصيدته بنوع من التشاؤم، وبالروح السلبية، وبغياب التحدي، وهذه القصيدة تتعطل بثنائية الفشل والنجاح، تلك الثنائية التي تلعب دوراً كبيراً في القصيدة، ولو أنك في النهاية ترفع الراية البيضاء، وكأنك لا تعلي من فكرة التحدي في المسابقة، إن أدواتك الشعرية كبيرة أيها الشاعر، فلماذا تعلن موت حصانك؟، وحينما تقول: وكلما قلت بيتاً جف نصف دمي/ وكلما جف نصف صفق الشعرا. الروح الفاشلة تعلق الهزيمة على مشجب الشعراء الآخرين، فلماذا تتخيل بأن الشعراء يصفقون لموتك، ولعلك لو قرأت مجموعة صلاح نيازي لربما انتشلت روحك من هذا التشاؤم، وأرى أن ابن زريق لم يعد في هذه القصيدة، ولم نره يتجلى فيها، وما أنت بصدده ليس إلا أضغاث أحلام بعودة ابن زريق، ويبدو لي أنه قد شُبِّه لك، لكنك تألقت".

في حين رأى د. عبدالملك مرتاض أن النص الذي ألقاه العرسان كان حزيناً وقاتماً، وقد وقع ذِكر ابن زريق البغدادي الذي توفي سنة 420 هـ، وهو الذي سافر من بغداد إلى المغرب العربي، وقيل أنه توفي في الأندلس، فهو شاعر يمثل العروبة كلها، وفي البيت الذي تقول فيه: تلوَّن الموت واخضرت حقائبه/ وحين أعجبني أسميته سفرا. إن صورة الموت هنا تتلون بشاعتها حتى تخضر حقائبها التي تعجب، ومع ذلك فإن الشخصيات الشعرية تجعل من السفر اسماً لها، وهذه صورة بودليرية قاتمة جنائزية، ولكنها من أجل ذلك فهي بديعة آسرة.

الشاعر اليمني عبدالعزيز الزراعي بعد تأهله

• مجاراة تليق بالشعر

عودنا "أمير الشعراء" في موسمه الرابع هذا، ومنذ بدايته على إطلاق العنان لشاعرين، أحدهما يكتب الشعر الفصيح، والآخر يجود بالشعر النبطي، وقد حفلت أمسية البارحة بلقاء جمع بين الشاعرين السعوديين محمد إبراهيم يعقوب الذي شارك في الموسم الثاني من "أمير الشعراء"، وخالد العتيبي الذي شارك أيضاً في "شاعر المليون"، فتألق كل واحد منهما بقصيديتين جاريا فيهما بعضهما البعض بإلقاء جميل وعذب.

وبعد انتهاء الفقرة تم تقديم تقرير مصور حول مهرجان الغربية الدولي الذي ينظمه نادي أبوظبي للسيارات والدراجات في تل مرعب بالمنطقة الغربية بإمارة أبوظبي، كما قُدم تقرير مصور آخر دارت قصته حول الطفلة سارة الجنيبي التي تهوى قراءة الشعر، وتحاول كتابته، وهي البرعم الموهوب الذي لابد من الاهتمام به، علّها تكون موهبة لافتة خلال السنوات القليلة القادمة.

• الموسوي يتأهل.. والآخرون على جمر الانتظار

قبل إسدال الستارة على الحلقة الثالثة من ليالي الشعر أعلن الفنان باسم ياخور نتائج لجنة التحكيم، التي منحت منتظر الموسوي 42% لينتقل للمرحلة القادمة، ثم تلاه نجاح العرسان الذي حصل على درجة 39%، وحل ثالثاً محمد غبريس بحصوله على 35%، ليأتي أخيراً مجدي بن عيسى بنتيجة بلغت 34%.

وقد تطابقت إلى حد كبير آراء اللجنة مع ذائقة الجهور الذي صوت للموسوي أولاً ومنحه 89%.

ومع أن بطاقة التأهل ذهبت للموسوي، إلا أن المتسابقين الثلاثة سيبقون على جمر الانتظار حتى بداية الحلقة الرابعة في الأسبوع القادم حتى تحسم النتيجة لصالح اثنين منهما لينتقلا للمرحلة الثانية.

وقبل أن يختم ياخور الحلقة أعلن عن أسماء المتسابقين الأربعة الذين سيتنافسون ليل الأربعاء القادم، وهم: الزبير دردوخ (الجزائر)، عبدالحميد اليوسف (قطر)، تركي الحجازي (الأردن)، هشام الجخ (مصر).

يذكر أن مسابقة "أمير الشعراء" للشعر الفصيح هي المسابقة الأولى من نوعها على مستوى الوطن العربي، وتعتبر قفزة نوعية في ساحة الشعر الفصيح ومسيرة الإعلام العربي. ويحصل الفائز بالمركز الأول على لقب "أمير الشعراء" وجائزة مالية قدرها مليون درهم إماراتي، إضافة إلى جائزة بردة الإمارة التي تمثل الإرث التاريخي للعرب، وخاتم الإمارة والذي يرمز للقب الإمارة، كما يحصل الفائزون بالمراكز الأربعة التالية على جوائز مادية قيمة، هذا إضافة إلى تكفل إدارة المهرجان بإصدار دواوين شعرية مقروءة ومسموعة لهم.