الجواهري في مدن البلاد العراقية وعنها

بقلم: رواء الجصاني
عجيبات ليالينا

دعونا نسوح مع قصيد الجواهري في مدن البلاد العراقية وعنها، بل حتى عن أريافها وبلداتها في بعض الأحيان، وطوال عقود مديدة. وإذ نوثق هنا لنماذج وحسب، نزعم أن مزيداً من القراءة للديوان العامر، سيوفر لقطات أخرى عديدة، في إطار ما نحن بصدد الحديث عنه.

لقد تنوعت فرائد الشاعر الخالد لتشمل وجدانيات ووصفاً حيناً، وتأرخة لأحداث ومناسبات، أحايين أخرى، ومن بين ذلك، وهذا كثير ومتعدد. فمن وحي سامراء التي كان الجواهري يقضي فيها فترات للراحة والصفاء وخاصة في أشهر الصيف، ولسنوات، كتب عام 1932 واحدة من مطولاته وجاء فيها:

حييت "سامرا" تحية معجب برواء متسِع الفِناء ظليلهِ

بلد تساوى الحسن فيه لا فليّله كنهاره وضحاؤه كأصيله

ثم يتعيّن الجواهري في مطالع شبابه، ولفترة من الوقت مدرساً بدار المعلمين الريفية في بلدة الرستمية، المحاذية لبغداد، فيكتب عنها عام 1933 رائية يسجل فيها بعض مشاهداته وانطباعاته الوصفية والحياتية:

هنا الطبيعة ناجتني معبرّة ** عن حسنها بأغاريد العصافيرِ

هنا الخيال كصافي الجو منطلق ** صافي المُلاءة ، ضحاكُ الأسارير

وفي عام 1935 يُنظم شباب الحلة حفلاً تكريمياً للجواهري فيرد لهم التحية بأجمل منها: قصيدة بأكثر من خمسين بيتاً، ومنها:

أبناءَ بابلَ للأشعار عندكم ** عمارة لم يشيد مثلها بانِ

ودولةٌ برجال الشعر زاهرةٌ ** معمورةٌ بمقاطيع وأوزانِ

ويُقام عام 1947 حفل افتتاح لبناية الثانوية الجعفرية الأهلية في قضاء الحي القريب من الكوت، فيدعى الجواهري للمشاركة في الاحتفاء بالمناسبة، مع نخبة من رجالات العراق السياسية والثقافية، ويلقي هناك دالية باهرة توثق وتنور في آن، وقد سمى المدرسة المحتفى بها، كناية: بنت رسطاليس. وبحسبما يرد في متن القصيدة:

يا بنت "رسطاليس" لحت بـ "واسط ٍ" فنزلت "حياً" بالصبابة حاشدا

أما بلدة علي الغربي، في لواء العمارة (محافظة ميسان حالياً، والتي قضى فيها الجواهري شهوراً عامي 1955-1956 "مزارعاً" هذه المرة، بعد النيابة والصحافة والسياسة) فقد كتب فيها، رائعته "يا أم عوف" التي جمعت بين الفلسفة والرؤى والمواقف:

يا أم عوف عجيبات ليالينا ** يُدنين أهواءنا القصوى، ويقصينا

يدفن شهد ابتسام في مراشفنا ** عذباً بعلقم دمع في مآقينا

ويقترحن علينا أن نجرّعه ** كالسم يجرعه "سقراطُ" توطينا

يا أم عوف وما يدريك ما خبأت ** لنا المقادير من عقبى ويُدرينا

لم ندرِ أنا دفنا تحت جاحمها ** مطالعٌ، يتملاها براكينا

ويحل ربيع العام 1971 لينعقد مهرجان المربد في البصرة، ويستقبل الجواهري استقبال الفاتحين عند محطة القطار القادم من بغداد، ثم لتحتشد الأوساط الشعبية، فضلاً عن النخب الرسمية والثقافية، للاستماع إلى الجواهري، رمزاً وطنياً، وقامة شعرية لا تبارى، وهو يلقي مختارات من قصائده في أمسية تاريخية، ومنها مقاطع من داليته الهادرة من مطلعها:

يا ابن الفراتين قد اصغى لك البلد ** زعماً بأنك فيه الصادح الغردُ

فقل مقالة صدق أنت صاحبها ** لا تستمن، ولا تخشى ولا تعد

لا تقترح جنس مولود وصورته ** ودعها حرة تاتي بما تلد

أما الموصل فقد ضجت هي الأخرى، حين حضر الجواهري إليها مشاركا في افتتاح الموسم الثقافي لجامعتها مطلع عام 1980، عشية هجرته الأخيرة من البلاد العراقية، وقد كتب عن المدينة وأهلها والمحتفين به لامية معبرة عن أحاسيس ومشاعر وهاجة، ومفتتحها:

أمَ الربيعين يا من فقت حسنهما ** بثالث من شباب مشرق خضل

يا موصل العرق من شرق تمد به ** للغرب حبلاً بعرقٍ منه متصل

وهكذا راحت قصائد الجواهري، وصفاً وحباً وتأرخة، لمدن البلاد، ودون حدود، وعلى مسار وخطى مزاعمه التي صدح بها عام 1957:

أنا العراق لساني قلبه ودمي ** فراته وكياني منه أشطارُ

أما بشأن قصائد وكتابات ومواقف الجواهري المتميزة عن بغداد "دارة المجد" وكردستان "موطن الأبطال" والنجف، منبع الأدب والتراث والعلم، فلنا عنها كتابات خاصة في قريب قادم، كما نتمنى.