العراق دولة ممانعة!

بقلم: صباح علي الشاهر

ربما يستفز العنوان الكثيرين ويثير دهشتهم، لكننا نتحدث عن العراق كدولة، كوطن وشعب أي في الشق الثابت نسبياً، وليس كحكومة أو سلطة أي في الشق المتحوّل والمتغير.

في يوم الأرض، أذ تصمت الشوارع العربية من المحيط إلى الخليج، ماعدا غزة والضاحية في بيروت، تعج شوارع المدن العراقية بمئات آلاف المتظاهرين المناصرين لفلسطين، والناقمين على إسرائيل والصهيونية.

مشهد يتكرر ليس فقط في يوم الأرض، وإنما في كل مناسبة يرى الشعب العراقي أن من المناسب إظهار مشاعره إتجاه فلسطين والقضية الفلسطينية. هذا المشهد المتكرر أبطل الأثر الذي أريد خلقه عبر إعتداءات مجهولة المصدر طالت فلسطيني العراق، الذين- إمعاناً في التأليب- حُشروا في منطقة حدودية صحراوية بين العراق والأردن، وهم في حالة يرثى لها.

لقد إهتم الإعلام بنقل قصص البشاعة التي كان ضحيتها الفلسطينيون في العراق، هذه البشاعات التي سعى المدلسون إلى إلصاقها بطائفة محددة تفعيلاً للمخطط الذي رسم للعراق، وإمعاناً في التضليل قام نفر من عملاء الإحتلال، من المنتسبين لهذه الطائفة، ممن تم إعدادهم وتهيأتهم من قبل الإحتلال، بتمثيل الدور الذي أوكل لهم، حيث توالى ظهورهم وبشكل مبالغ فيه وملفت للنظر، على شاشات التلفزيونات إياها، وعلى صفحات الصحف التي كانت وإلى يوم الإحتلال من أشد المناصرين والداعين للحرب على العراق. لقد قام هؤلاء بالدور الموكل إليهم ليس بتبرير ما تعرض له الفلسطينيون، أو بتصويرهم كما لو كانوا من أنصار صدام فقط، وإنما بالتأكيد على أنهم كانوا من زمر التعذيب في الأجهزة القمعية، وأنهم كانوا أداة النظام في إذلال الشعب العراقي، وبهذا تصل حبكة الجريمة الكاملة إلى نهاياتها المرجوّة، فالشيعة ينتقمون من قاتليهم ومعذبيهم، والعراق لن يكون مستقراً للاجئين الفلسطينيين، الذين إمتازوا بالنشاط والحيوية السياسية فيما يتعلق بقضية العرب المركزية، والحال هكذا فإن ما من سبيل أمامهم بعد الآن إلا الضياع في الشتات البعيد.

من صاحب المصلحة في هكذا نهايات؟ ومن هذا الذي ينطوي على هذا الكم من الحقد على الفلسطينين بحيث يقوم بهذه الأعمال البشعة إتجاههم؟ ومن ذا الذي يمتلك سجلاً حافلاً بأعمال قذرة كهذه؟

أسئلة لم يفكر إعلام التحريض والتهويش بإثارتها، ولا إهتم المحللون المهوسون بمجرد ملامستها، إلا أن حراك الشارع العراقي، وتأصل العداء والرفض للصهيونية وإسرائيل بين أفراد الشعب العراقي كافة، والتعبير عن هذا الموقف عبر العديد من الممارسات أبطل مفاعيل هذه الفتنة التي خُطط لها بدقة.

العراق ومنذ التاسع من نيسان عام 2003 يرزح تحت ثقل الإحتلال الأميركي، وهو إحتلال لم يكن بعيداً عن الأجندات الصهيونية والإسرائيلية، إذ أن واحده من أهم أهدافه خدمة مصالح الكيان الصهيوني، عبر تدمير العراق، وإعادة بنائه من جديد، وعلى نحو مخالف ومغاير تماماً للعراق الذي عُرف عبر التأريخ، بالترافق مع إعادة بناء الشرق الأوسط الذي أسموه كبيراً، ثم عادوا ليصفوه بالجديد فقط. المفارقة الصارخة هنا أن المحتل الذي جلب معه جحافل من الصهاينة وعملاء الصهاينة والموساد، لم يستطع إقناع أو إجبار أي مسؤول عراقي فيما يُسمى بالعراق الجديد على التطبيع مع إسرائيل، ولا حتى تقديم خطاب مهادن، فإذا كان العراق وهو تحت الإحتلال لم يُطبع، ولم يعترف بإسرائيل، لا بل ما زال عملياً في حرب معها، ومازال أي شكل من أشكال مهادنتها جريمة، وخيانة وطنية وفق القانون العراقي المعمول به، والذ ي ينسجم تماماً مع طبيعة الشعب وأعرافه.

إذا كان الأمر هكذا والعراق محتلاً، فكيف يكون الحال بعد خروج القوات المحتلة، وتراجع النفوذ الأميركي وما يتبع هذا من آثار، ستظهر لا محال على الخارطة السياسية العراقية؟

من المؤكد أن ثمة تغلغل إسرائيلي الآن، سواء في كردستان، أم في مناطق العراق الآخرى، وهو تغلغل متعدد الأوجه، ثقافي وإقتصادي، وأمني، إذ أن ساحة العراق وبفضل المحتل أضحت مستباحة، لكن هذا التواجد يتصف بالسرية التامة، والخفاء، وعدم الجهر، وهو يتخفى بمسميات ليس من الصعب تعقبها وكشفها، عندما تحين الساعة.

يتخفى هذا التواجد تحت أسماء لشركات وأشخاص وفعاليات عربية بالدرجة الأساس، وعالمية، ويستغل أحياناً أسماء لمغتربين عراقيين، تحولوا فجأة لرجال أعمال، لكن هذا التغلغل لم يخلق، لحد الآن، بيئة صالحة لهضم إسرائيل ليس في العراق العربي فقط، وإنما حتى في كردستان، إذ مازال السواد الأعظم من العراقيين كافة، عرباً وأكراداً وتركماناً، مسلمين ومسيحيين يكنون العداء لأسرائيل والصهيونية.

لقد قرأ بعض السياسيين الإنتهازيين الحالة العراقية قراءة خاطئة، وتصوروا إنهم لو أعلنوا مهادنتهم لإسرائيل، أو لو أنهم زاروها، فإنهم سيحضون بالدعم، وستتعزز مواقعهم، لكن تصوروهم هذا أثبت عقمه وسذاجته، وأثبت أصحابه عدم فهمهم لطبيعة الشعب العراقي، الذي إدعوا زوراً التحدث بإسمه، فكان الرد قاسياً، إذ فشل هؤلاء فشلاً ذريعاً في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة، رغم كل الدعم الإعلامي، ورغم المال السياسي الذي قدره البعض بما يتفوق على ميزانية بعض دول المنطقة، لم يحصل هؤلاء المطبعين ولا على ما يعادل نصف نائب. وكان هذا درساً آخر يقدمه الشعب العراقي لأولئك السياسيين النفعيين الذين تصوروا أن بمقدورهم الضحك على الشعب عبر التنطح ببعض التعابير والمصطلحات عن الديمقراطية، والشفافية، والعقلانية، والتسامح، ومغادرة عقد الماضي.

الثابت لا المتغيّر والمتحوّل من دولة العراق هو من سيًقرر في نهاية المطاف الموقف الصريح من الصهيونية وإسرائيل، وما خلا هذا سيذهب جفاءً.

كان العراق وما يزال وسيبقى دولة ممانعة، أي كان من يحكمه، ولن يكون بمقدور أحد تغيير الثابت العراقي، وسيبوء أي مسعى لمعاندة التاريخ والجغرافية، وتجاهل مزاج وإرادة الناس بالخسران المبين.

صباح علي الشاهر