الصفقة الإسرائيلية لاستئناف المفاوضات

بقلم: عمر نجيب

يقدر عدد هام من مستشاري الرئيس الأميركي أوباما وكذلك من مقرري مؤسسات الأبحاث التي تقدم المشورة للأجهزة الحاكمة في الولايات المتحدة أن التوصل إلى تسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين والتمكن من تحقيق حل الدولتين على أرض فلسطين، من شأنه أن يخفف من مقاومة وعداء شعوب منطقة الشرق الأوسط للمشاريع الأميركية، كما من شأنه احداث تحول في مسار الحرب المستعرة في كل من العراق وأفغانستان بحيث تتجنب الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي هزيمة قاسية تكون لها اسقاطاتها الكارثية على مخططات النظام العالمي الجديد خلال جزء كبير من الألفية الثالثة.

الكثير من الساسة والمخططين الأوروبيين يتبنون أفكارا مشابهة وإن كان لهم دوافع مختلفة، ومن أهمها أنه لا يمكن تأمين ما يسميه العسكريون البطن الرخو للقارة الأوروبية دون إزالة بؤرة النزاع الأساسية في منطقة الشرق الوسط، ويؤمن هؤلاء أنه بدون احلال السلام ولو بتسوية قد لا تعمر سوى عقود قليلة من الزمن، لن يمكن للقارة الأوروبية تأمين حصتها من مصادر الطاقة سواء النفطية أو المتجددة، كما لن تتمكن الدول الصناعية الغربية من ضمان حصة كبيرة في أسواق المنطقة العربية أو تطبيق جزء من خطط تقسيم العمل لمواجهة المنافسة الكاسحة القادمة من الصين.

الوصول إلى تسوية للصراع على أرض فلسطين على أساس الحد الأدنى من المطالب العربية، أمر ممكن بين ليلة وضحاها لو استغلت الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي قدراتهما في التعامل والضغط على الكيان الصهيوني، ولكن المشكلة أن هذين الطرفين لا يريدان ممارسة مثل هذا الضغط على تل أبيب، كما أن لديهما مطامع وأهداف مختلفة تولد ليس لديهما فقط بل للكثيرين غيرهم متاهة تختلط فيه الأمور بشكل كبير وإن كانت تلتقي في هدف واحد هو منع توحد المنطقة العربية سياسيا وإقتصاديا والابقاء على حالة الخلاف بين اقطارها، والحيلولة دون بروز أقطاب إقليمية قوية اقتصاديا وعسكريا يمكن أن تشكل نواة لبناء صرح مشابهة مثلا للاتحاد الأوروبي.

ادراك هذه المعطيات يسهل فهم وتفسير ومواجهة التحركات السياسية التي تحيط بسلوكات الولايات المتحدة والدول الأوروبية ليس فقط تجاه القضية الفلسطينية بل تجاه كل القضايا الاساسية في هذه المنطقة الممتدة من أفغانستان حتى السواحل الأفريقية على المحيط الأطلسي.

صفقة زعزعة الاستقرار

منذ نهاية شهر سبتمبر 2010 وبعد توقف المحادثات المباشرة بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو

التي كانت قد انطلقت يوم 2 من نفس الشهر، تجرى مناورات بهدف استئنافها بعد ما يسمى أميركيا "إقناع الطرف الصهيوني بوقف عملية الاستيطان" وذلك مقابل مكاسب عديدة مادية وعسكرية وإسترتيجية، من ضمنها مواصلة سياسة زعزعة الاستقرار على عدة محاور في المنطقة وفرض تهديدات على من تقدر كل من واشنطن وتل أبيب أنه يشكل سندا للسلطة الفلسطينية في تمسكها بالثوابت الاساسية لشعبها.

تل أبيب تناور وتطرح العديد من المطالب مقابل وقف الاستيطان لمدة 90 يوما أو أكثر، ولكن المرجح أنها ستقبل بالصفقة عندما ترى أنها ستجني الحد الأقصى من المكاسب. والواقع أن المهزلة هي أن الجانب الأميركي والأوروبي يتعامل مع وقف الاستيطان كبادرة حسن نية من حكومة نتنياهو، وليس كإجراء واجب، فالاستيطان في أرض محتلة جريمة حسب القانون الدولي.

وتقول صحيفة "لوس انجيليس تايمز" الاميركية أنه يبدو ان هناك تحولا في التحالف الاسرائيلي الاميركي في اعقاب خسارة الديمقراطيين غالبيتهم في مجلس النواب في الانتخابات النصفية للكونغرس بدليل قيام رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو احساسا منه بضعف اوباما بالاتصال بالجمهوريين في الكونغرس فيما هو يقاوم المبادرة التي اطلقها الرئيس الاميركي ويدفع نحو تقديم مزيد من الحوافز.

وقد اصدر نتنياهو يوم الثلاثاء 9 نوفمبر بيانا متحديا ايد فيه مشروعا استيطانيا جديدا في القدس الشرقية، رافضا تذمر اوباما من مشاريع الاستيطان.

وذكر المفاوض الاميركي السابق في محادثات السلام أرون ديفيد ميلر ان تصريحات نتنياهو حول البناء الجديد كانت تهدف، بين امور اخرى، الى ابلاغ الادارة الاميركية بانه "يرى انهم يحتاجون اليه أكثر من حاجته اليهم". وقال ايضا انها صيغت لاظهار انه "يدرك المعادلة الجديدة في الكونغرس ويرى ان السنتين القادمتين ستكونان اكثر صعوبة بالنسبة الى اوباما".

إغراءات أميركية

يوم الثلاثاء 16 نوفمبر صرح وزير شؤون الاستخبارات في الحكومة الإسرائيلية دان مريدور، بأن الصفقة الأميركية المقترحة لتجميد البناء الاستيطاني في الضفة الغربية من دون القدس المحتلة مقابل رزمة مساعدات، منها 20 طائرة "إف - 35" الأحدث في الترسانة العسكرية الأميركية تعرقل المشروع الفلسطيني لطرح قضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية في مجلس الأمن الدولي.

وأكد أن قبول الصفقة في إسرائيل يجعل الإدارة الأميركية ملتزمة باستخدام حق النقض "الفيتو" ضد هذا القرار وأي قرار غيره موجه ضد إسرائيل.

وقال دان مريدور إن على من يوجه اتهامات للحكومة عن أن الموافقة على الصفقة "خيانة لمبادئ اليمين وجمهور الناخبين" أن يسأل نفسه ما هو البديل؟ وماذا سيحصل في حال لم توافق إسرائيل على الاقتراح الأميركي؟ خاصة في ظل استمرار التوجه نحو خطوات من جانب واحد من قبل الفلسطينيين، مثل الإعلان عن دولة فلسطينية وفقا للرؤى الدولية وطرح الموضوع على جدول أعمال مجلس الأمن.

وفي تصريح لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الاسرائيلية قال مسؤول آخر طلب عدم ذكر اسمه، إن هناك ثلاث ميزات إيجابية للصفقة الأميركية لا تقل أهمية عن الدعم العسكري والمالي الأميركي لإسرائيل، هي: حرق الورقة الفلسطينية التي راهنت على خلافات إسرائيلية أميركية تؤدي إلى تمرير قرار في مجلس الأمن الدولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية بشكل أحادي الجانب وفرض هذه الدولة فرضا على إسرائيل، ومنع الفلسطينيين من المطالبة مرة أخرى بتجميد البناء الاستيطاني حيث إن الصفقة تؤكد أن هذا المطلب لن يقبل، استمرار البناء الاستيطاني في القدس الشرقية.

ونفى هذا المسؤول أن تكون إسرائيل التزمت بإنهاء موضوع حدود الدولة الفلسطينية خلال الشهور الثلاثة التي يتم فيها تجميد البناء الاستيطاني. وقال إن إسرائيل التزمت بالتفاوض حول الموضوع ولكنها لم تلتزم بإنهاء المفاوضات خلال هذه الفترة القصيرة. ولفت هذا المسؤول إلى تصريحات في الموضوع نفسه أطلقها الناطق بلسان وزيرة الخارجية الأميركية، فيليب كراولي، ليلة الاثنين 15 نوفمبر، وفيها رفض الإقرار بأن موضوع الحدود سيكون أفضلية أولى، وقال هناك قضايا الأمن والحدود والقدس والماء واللاجئين وغيرها ونحن نتجه لبحثها بالتدريج.

مشاركة في الحرب

وكانت مصادر في الخارجية الأميركية قد طمأنت الحكومة الإسرائيلية بأن المفاوضات حول التسوية الدائمة لن تجري تحت ممارسة الضغوط. وذكرت أن "الولايات المتحدة تسعى بكل قوتها لإنجاز المفاوضات حول كل القضايا في غضون 12 شهرا، ولكن هذا ليس مضمونا تماما. ولن تحدث مصيبة إذا امتدت المفاوضات إلى مزيد من الوقت".

وسئل الوزير مريدور، عن موضوع الحدود فقال: "تجميد البناء الاستيطاني ليس هو الأساس، وإنما المفاوضات التي تعتبر مصلحة إسرائيلية من الدرجة الأولى وترسيم الحدود هو قضية أساسية من دون شك، ومستقبلا يجب أن يكون على أساس جدار الفصل وليس على أساس حدود 1967 بحيث تبقى الكتل الاستيطانية والقدس تحت السيادة الإسرائيلية".

وقال إن الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه، وإن هناك مصلحة إسرائيلية في ترسيم الحدود بحيث تكون إسرائيل من جانب، ودولة فلسطينية في الجانب الثاني.

ولدى سؤاله عما إذا كان الفلسطينيون معنيين بالتوصل إلى اتفاق مع بنيامين نتنياهو، أجاب بأن الحكومة الإسرائيلية السابقة حاولت بجدية التوصل إلى اتفاق وقدمت تنازلات لم يسبق لها مثيل، ولكن الفلسطينيين لم يستجيبوا للاقتراح. وتساءل: "هل يريد الفلسطينيون التوصل إلى اتفاق أم فرض دولي للاتفاق؟"، مستطردا أن على الفلسطينيين أن يدركوا أنه لن تكون لهم دولة من دون الموافقة على تسوية، مثل التنازل عن حلم حق العودة.

وأضاف أن من المهم أن يوضح الأميركيون لهم أنه لا يوجد مسار غير مباشر، وإنما المفاوضات المباشرة فقط. ومن هنا تنبع أهمية التعهدات الأميركية بفرض "الفيتو" على إعلان استقلال فلسطيني في مجلس الأمن.

وفي نطاق لعبة حصد المزيد من المكاسب خرج وزير الدولة بيني بيغن بتصريحات انتقد فيها نتنياهو على قبوله المقترحات الأميركية، وقال: "من حق الولايات المتحدة أن تقدم لنا اقتراحات ومغريات، ولكن ما لا أفهمه هو لماذا نوافق عليها؟ لن تحدث كارثة إذا قلنا ذات مرة للأميركيين (لا)".

لكن المراقبين رأوا أن وزراء نتنياهو المعارضين للصفقة وصلوا جميعا إلى القناعة بأنه لا يجوز تحويل قضية تجميد البناء الثانية للمستوطنات إلى قضية مصيرية، ولذلك فإن أيا منهم لن يستقيل من منصبه الوزاري.

وأكدت مصادر إسرائيلية أن نتنياهو بات مدركا أن لا مفر من التوصل إلى صيغة لتجميد البناء الاستيطاني ولو لفترة محدودة، على أن يستأنف البناء بشكل محدود في ما بعد، مشيرة إلى أن الأميركيين بعثوا برسائل وتلميحات تنم عن تهديد بأنه في حالة عدم توصل الطرفين إلى تفاهم حول الموضوع، فإنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي، ولن يسمحوا بانهيار المفاوضات، لكنهم سيطرحون اقتراحا أميركيا، وستغضب واشنطن كثيرا على من سيرفضه.

ويقول المراقبون أن العرض الأميركي هو الأسخى منذ مدة. فمن بين ما يتضمنه، دعم الولايات المتحدة استمرار "سياسة الغموض" التي تتبعها اسرائيل بشأن قدراتها النووية.، وتساندها في رفض أي ضغوط للتوقيع على معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية السارية منذ 1970.

وزيادة على ذلك يتم توقيع اتفاق تعاون أمني معزز بين إسرائيل والولايات المتحدة لمدة عشر سنوات، ينص خصوصا على امداد اسرائيل بالأسلحة وتمكينها من الوصول بشكل آني إلى معلومات الاقمار الصناعية الاميركية المتعلقة بهجمات صاروخية محتملة أو أي تحرك معاد. كما ينص الاتفاق على تعهد واشنطن بالتدخل العسكرى المباشر، سواء بشكل علني أو سري كما حدث في مرات سابقة عندما تتعرض إسرائيل لخطر إنكسار عسكري في مواجهة طرف عربي.

نتنياهو أضاف إلى لائحة المغريات التي قدمها البيت الأبيض بندا يتعلق بتقليص امداد الولايات المتحدة للدول العربية بالسلاح وخاصة مصر والسعودية.

عرض سابق

وزير شؤون الاستخبارات في الحكومة الإسرائيلية في تصريحاته عن اقتراحات التسوية مع الفلسطينيين التي عرضتها الحكومة التي سبقت تلك التي يرأسها نتنياهو، لم يقدم شيئا عن فحواها ولكن الواضح أنه كان يبلغ الاحزاب الإسرائيلية أن تل أبيب لن تقبل بها.

بفارق ساعات وفي نطاق المواجهة، كشف كبير المفاوضين الفلسطينيين الدكتور صائب عريقات للمرة الأولى ان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ايهود اولمرت عرض على الرئيس محمود عباس اقامة دولة فلسطينية مستقلة على 6258 كيلومترا مربعا تساوي مئة في المئة من مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة في مقابل موافقة عباس على تبادل أراض بنسبة 6.5 في المئة من مساحة الضفة.

وقال عريقات في محاضرة في قاعة كنيسة "العائلة المقدسة" في رام الله ان اولمرت عرض على عباس مساحة من اسرائيل تساوي 5.8 في المئة من مساحة الضفة، اضافة الى ممر آمن مع قطاع غزة مساحته تساوي سبعة اعشار مساحة الضفة في مقابل 6.5 في المئة من الضفة يخصصها لتجميع المستوطنات.

وقال ان عباس رفض العرض الاسرائيلي، لكن المفاوضات كانت متواصلة الى أن خرج اولمرت من الحكم على خلفية القضية المرفوعة ضده في المحاكم الاسرائيلية، وأجريت انتخابات فاز فيها رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو.

وأوضح ان الرئيس الراحل ياسر عرفات أوصاه كرئيس للوفد المفاوض التمسك بالحقوق الفلسطينية الكاملة، وهي الضفة وقطاع غزة كاملة بما فيها القدس و37 كيلومترا على شاطئ البحر الميت، و46 كيلومترا مربعا من الأرض الحرام الواقعة بين اللطرون والقدس، وحق عودة اللاجئين، وممر آمن بين الضفة وغزة.

وأضاف ان الرئيس عباس قدم له الوصية نفسها بعد انتخابه رئيسا لمنظمة التحرير ورئيسا للسلطة الفلسطينية. وقال ان ايا من الفلسطينيين لن يتنازل عن اي من هذه الحقوق، وان أي حق من هذه الحقوق لن يحل محل الحق الآخر. وتابع ان اسرائيل ستكون امام خيار الدولة الثنائية القومية في حال رفضها حل الدولتين على خط الرابع من يونيو عام 1967.

وعن الخيارات الفلسطينية في المرحلة المقبلة في حال عدم قبول اسرائيل وقف الاستيطان، قال عريقات ان الخيار الاول هو مطالبة الادارة الاميركية الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967، والخيار الثاني هو مطالبة مجلس الامن بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على أساس هذه الحدود، والخيار الثالث في حال فشل الخيارين الاول والثاني، هو مطالبة الامم المتحدة بوضع فلسطين تحت وصاية دولية.

وتابع عريقات ان الادارة الاميركية ستكون مطالبة من العالم بمعاملة الفلسطينيين كما فعلت في كوسوفو وفي تيمور الشرقية وغيرها. وحمل بشدة على الدول التي تعمل على تقسيم السودان الى دولتين، متسائلا عن الهدف من وراء تقسيم دولة موحدة الى دولتين.

صحيفة "جروزالم بوست" الاسرائيلية ذكرت ان الاتفاق كان سيشتمل على تسليم "الجزء الاكبر" من اراضي الضفة الغربية الى الفلسطينيين وانشاء نفق يربطها بقطاع غزة، واعلان القدس عاصمة مشتركة واحالة السيطرة على الاماكن المقدسة الى "لجنة من غير السياسيين كبار السن".

الحدود والأمن أولا

واضاف عريقات في تصريح لاحق "يعرف الاسرائيليون موقفنا ان مفتاح المفاوضات بايدي نتنياهو. نأمل في ان يوقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية لاستئناف المفاوضات فورا". وتابع "قلنا اننا سنتفاوض بدءا بالحدود والامن. اكانت المفاوضات ستفضي الى نتيجة خلال ثلاثة ايام او ثلاثة اسابيع او ثلاثة اشهر نريد تجميدا للاستيطان طيلة فترة هذه المحادثات". واوضح "عندما تنتهي هذه المفاوضات ستعالج كل المسائل الاخرى الجوهرية اللاجئون والمياه وقضايا اخرى".

واتهم عريقات اسرائيل بتجريد السلطة الفلسطينية من صلاحياتها في الضفة الغربية. واوضح ذلك بقوله: "لقد صادر الاسرائيليون كل سلطاتنا القانونية، والاقتصادية والاقتصادية والأمنية. وهم اليوم موجودون داخل مدننا، ولكن اذا اعتقدوا ان بوسعهم ممارسة السلطة من دون تنفيذ الالتزامات والمسؤوليات الملقاة على عاتق قوة الاحتلال فانهم مخطئون". واضاف: "لست اقول انهم قصدوا تفكيك السلطة الفلسطينية، ولكنهم في الواقع فككوها".

وقال عريقات ان الفلسطينيين اخطأوا عندما اعترفوا باسرائيل اثناء عملية اوسلو للسلام من دون أي توضيح لحدود اسرائيل التي يعترفون بها. واوضح: "ان اسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي ليس لها حدود مرسومة محددة والاسرائيليون يوسعون حدودهم عن طريق المستوطنات والجدران. يعتقدون ان بوسعهم ان يصنعوا السلام عندما يضعون حدودهم اينما يشاؤون وهذه هي المشكلة الكبرى في عملية السلام".

وكان مسؤول اسرائيلي كبير طلب عدم كشف اسمه قد صرح ان هناك فيتو فلسطيني على عدد من مقترحات واشنطن وأن "الاعتراضات الفلسطينية على الضمانات التي عرضت علي اسرائيل سبب التأخير في صياغة الوثيقة الاميركية". ومن "الاعتراضات الفلسطينية" حسب المصدر الاسرائيلي "مواصلة اعمال البناء في القدس حتى خلال التجميد" و"الاشارة الى انه لن تكون هناك مفاوضات على الحدود منفصلة عن المسائل الاساسية".

في رد على ذلك أكد الناطق الرسمي بإسم الرئاسة الفلسطينية نبيل ابو ردينة لوكالة فرانس برس ان "الفلسطينيين والعرب لا يزالون ملتزمين بقرار القمة العربية في سرت باستمرار تجميد شامل للاستيطان لاستئناف المفاوضات". واضاف ان "الجانبين الفلسطيني والعربي ملتزمان بما تم الاتفاق عليه في قمة سرت واجتماع لجنة المتابعة العربية الاخير حول الموقف الرسمي من اجل العودة للمفاوضات".

واوضح ابو ردينة ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس "ما زال بانتظار الرد الاميركي الرسمي حتى يتم عرضه على القيادة الفلسطينية والقيادات العربية".

من جانبه قال نتنياهو في مقابلة مع محطة "فوكس" التلفزيونية الأميركية: "سيكون السلام صعبا...لكنني أعتقد أن من مصلحتنا المشتركة أن نتوصل إليه. إنه يعتمد على مدى استعدادهم للاعتراف بإسرائيل، الاعتراف بدولة يهودية كما سنعترف بدولة فلسطينية لإنهاء الصراع".

وانتقد نتنياهو الفلسطينيين بسبب ما وصفه بعدم التزامهم بالمحادثات، بعد أسبوع من التكهنات الإعلامية بأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيحاول أن يتجاوز المفاوضات ويقنع الأمم المتحدة بالاعتراف بفلسطين كدولة مستقلة.

وقال نتنياهو: "آمل أن نتمكن من إعادة المحادثات إلى مسارها. الأمر الحاسم بالنسبة إلي هو أن الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها التوصل إلى مفاوضات سلام ناجحة هو الالتزام الحقيقي بها. وأنا أشعر بخيبة الأمل من حقيقة أن السلطة الفلسطينية وجدت طريقة لعدم التفاوض، واتخاذ طريق التفافية، الذهاب إلى الأمم المتحدة أو أي مكان آخر وتجنب المحادثات الحاسمة التي يجب علينا الالتزام بها".

الخسارة الأوروبية

بينما تتواصل لعبة المساومات بين واشنطن وتل أبيب يحصد الأوروبيون ضريبة امتناعهم عن اتباع سياسة مستقلة أقل انحيازا من الأميركية تجاه الصراع.

فقد اصيب الاتحاد من اجل المتوسط، المشروع الطموح الذي ولد في 2008 لخلق دينامية سلام في الشرق الاوسط، بنكسة شديدة يوم الاثنين 15 نوفمبر مع تأجيل قمته المقررة في 21 من الشهر ذاته في برشلونة باسبانيا للمرة الثانية.

فأمام "تعثر" عملية السلام الاسرائيلية الفلسطينية، وبعد اسابيع من الشكوك وجهود اللحظة الاخيرة التي قامت بها اسبانيا التي تستضيف القمة، قررت الرئاسة الفرنسية المصرية للاتحاد من أجل المتوسط وكذلك مدريد تأجيل القمة التي سبق وتأجلت في الصيف الماضي.

واعلنت الحكومة الاسبانية ان فرنسا ومصر واسبانيا "قررت تأجيل" القمة لان "الجمود الحالي في عملية السلام في الشرق الاوسط" يجعل من غير الممكن عقدها في ظروف مرضية.

وهكذا انهار المشروع الإسباني الفرنسي لإخراج "الإتحاد من أجل المتوسط" من غرفة العناية المركزة وضخ دماء جديدة في شرايينه، إذ رفضت البلدان العربية مبادرة اسبانية فرنسية لتنشيط الإتحاد وعقد قمة تحضرها اسرائيل.

وكانت القمة المقررة للسابع من يونيو 2010 قد أرجئت على أمل أن تسفر المفاوضات التي كانت جارية بين وفدين فلسطيني واسرائيلي عن تقدم ملموس.

وكان الإتحاد قد أنشئ في باريس في يوليو 2008 وضم 43 بلدا هي أعضاء الإتحاد الأوروبي السبعة والعشرين وثماني بلدان عربية وبلدان بلقانية، بالإضافة الى تركيا واسرائيل.

ويرى العديد من الملاحظين أن الموقف من حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يشكل العبوة الموقوتة التي ستنفجر بين أيدي المنظمين إذا استمرت السلبية الأوروبية، وتقضي ربما على "الإتحاد من أجل المتوسط" نهائيا، مثلما أطاحت بمسار برشلونة. وفي أفضل الحالات كان مصير القمة سيكون مشابها للقمة التي دعت اليها اسبانيا في الذكرى العاشرة لمؤتمر برشلونة سنة 2005، والتي قاطعها جميع الزعماء العرب.

غير أن بعض المحللين وخاصة الألمان يرون أن هذه العثرة الأوروبية الجديدة من شأنها تقوية هؤلاء الذين يطالبون بمواقف أوروبية مستقلة وضاغطة على تل أبيب.

وقالت وزيرة العدل الفرنسية السابقة أليزابيت غيغو. كانت غيغو، النائبة الحالية والتي تقلبت في مناصب وزارية مختلفة طيلة حكم الإشتراكيين في فرنسا، تألمت للإلغاء وشرحت أسبابه البعيدة التي عزتها إلى "أن اوروبا والمتوسط وأفريقيا مرشحة لتكون ثلاثة دوائر تشكل أحد الأعمدة الفقرية للنظام الدولي الجديد في القرن الحادي والعشرين". واعترفت بأن سياسة الجوار الأوروبية تراوح مكانها على رغم أن الإتحاد الأوروبي رصد لها اعتمادات بـ600 مليون يورو سنويا. وحذرت غيغو من أن الفشل النهائي لمشروع الإتحاد من أجل المتوسط "سيهمش المنطقة ويحولها إلى ضاحية تعيش على أطراف العولمة وبمستوى نمو خفيض، ما يعقد مشاكل البطالة والفقر والهجرة التي تنخر بنيانها أصلا".

وحثت الأوروبيين على التمسك بجنوب المتوسط بوصفه الإمتداد الطبيعي لأوروبا، مذكرة بأن وزن سكان القارة الاوروبية حوالي 500 مليون نسمة الذين يمثلون حاليا 8 في المئة من سكان العالم، سيتراجع إلى 5 في المئة فقط في غضون نصف قرن، مما يحتم في رأيها، الإتكال على الشراكة مع جنوب المتوسط والقارة الأفريقية (1.8 مليار نسمة) لإيجاد توازن مع الكتل الدولية التي يحتسب سكانها بمليار نسمة فأكثر.

لا أمن في ظل غياب التسوية

غير أن جان باتيست بوفي الباحث الفرنسي في "معهد توماس مور" للأبحاث الإستراتيجية في بروكسيل، قلل من أهمية الإخفاق في عقد قمة برشلونة المتوسطية، مشيرا إلى أن ذلك "لن يمنع المشاريع المتفق عليها من التقدم على سكة الإنجاز. بل رأى بوفي أن الخلافات الناشئة عن محاولات عقد اجتماعات "الإتحاد من أجل المتوسط" صارت هي الأخرى إحدى العقبات الهامة أمام التعاون الإقليمي "الذي كان يمكن ان يتقدم في قطاعات فنية عديدة من دون غطاء سياسي من القمم أو الإجتماعات الوزارية" على حد قوله في تصريح خاص لـ"سويس انفو". لكنه اعترف بوجود "فراغ مؤسسي" على الصعيد المتوسطي، بسبب غياب أي إطار جامع لدول المنطقة، على غرار منظمة "أسيان" في جنوب آسيا أو مركوسور في أميركا الجنوبية. وفي مقارنة بمسار البناء الأوروبي ولتحفيز ساسة أوروبا على التدخل بقوة لحل الصراع على الأرض الفلسطينية، أشار إلى أن بناة الوحدة الأوروبية بدأوا بحل الصراعات وتكريس الصلح بعد حروب مدمرة، ثم أقاموا تعاونا في مجال الحديد والصلب، قبل أن ينتقلوا تدريجيا إلى مراتب أعلى.

سفير الجامعة العربية في فرنسا ناصيف صرح من جانبه "طالما يستمر هذا الصراع الكبير العربي الإسرائيلي، فانه من الصعب عقد هذه القمة". واضاف "هناك تعثر وقائي لأنه لا يمكننا التحدث في السياسة"، محملا الإسرائيليين مسؤولية إرجاء القمة.

عجز أم تواطؤ

هيلين توماس، عميدة صحافيي البيت الأبيض لأكثر من نصف قرن والتي أجبرتها الضغوط الصهيونية على الاستقالة سنة 2010 لخصت حالة رئيس البيت الأبيض وإلى حد ما ساسة أوروبا في التعامل مع صراع الشرق الأوسط قالت: "ان نياته طيبة. ولكنه يفتقد الجرأة لتنفيذ مشاريعه وتثبيت قناعاته السياسية". وحول ما اذا كان يملك الجرأة في قضية الشرق الأوسط، أوضحت: "في هذا المجال يفتقد اوباما الشجاعة لأن يصارح الإسرائيليين ويقول لهم: اخرجوا من أرض فلسطين، وتوقفوا عن توسيع وضم المستوطنات ومصادرة مياه الضفة الغربية".

وتذكرت هيلين أول سؤال طرحته على الرئيس أوباما فور دخوله قاعة الصحافة في البيت الأبيض وكان: "هل تعرف يا حضرة الرئيس بلدا في الشرق الأوسط يملك السلاح النووي؟".

وادعى الرئيس انه لا يحب الافتراض أو التكهن، متحاشيا إعطاء اي جواب صريح. ولكن هيلين واصلت تكرار السؤال في اللقاءات الدورية، كأنها مصرة على إحراجه وتأنيب ضميره".

الاشارات البسيطة التي تقدمها إدارة البيت الأبيض عن سعيها للحد من التوحش الإسرائيلي في ابتلاع الأراضي الفلسطينية، لا تلبث أن تنسفها. ولعل أحد أمثلة ذلك السند القوي الذي حصل علية نتنياهو في واشنطن من طرف نائب الرئيس الأميركي.

يوم الاحد 7 نوفمبر شدد نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن عقب لقائه مع نتنياهو في نيوأورليانز بولاية لويزيانا الأميركية على هامش مشاركتهما في مؤتمر المنظمات والاتحادات اليهودية الأميركية، على عمق العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل ومتانتها التي قال إنه "يصعب كسرها"، وقال إنه على الرغم من التوتر الذي يبدو أنه يشوب العلاقات بين ادارة الرئيس باراك أوباما وإسرائيل إلا أن ذلك لا يعني ضعف العلاقات بين الدولتين. مشيرا إلى أن الخلافات بين الجانبين حين وجدت كانت ذات طبيعة تكتيكية ولم تكن يوما أساسية.

وقال بايدن أمام مؤتمر نيوأورليانز إن "هذه الإدارة تمثل سلسلة لا يمكن كسرها لدى القادة الأميركيين الذي فهموا هذه العلاقة الحساسة، وأوضح أن الإدارة لن تتزحزح بوصة واحدة وإن الرئيس أوباما لديه الشعور ذاته مثلي، والعلاقات بين دولتينا لا يمكن كسرها حرفيا".

وأكد بايدن إن حبه لإسرائيل يعود إلى العام 1973 حين زارها للمرة الأولى وعقد اجتماعا مع رئيسة الوزراء في ذلك الوقت غولدا مائير التي قالت له آنذاك: "نحن الإسرائيليون لدينا سلاح سري.. ليس لدينا أي مكان آخر نذهب إليه، مضيفا انه بعد مرور سنوات لا يزال يشعر بالتحذير والتطمين من تلك الكلمات". وقال: "أشعر أن دعمنا لإسرائيل يجب أن يستمر إلى الأبد".

حرب قادمة

يوم الاحد 14 نوفمبر صعدت تل أبيب من انتقاداتها لمصر بعد أيام من صدور تقرير من مركز بحث إسرائيلي عن تزايد أخطار نشوب نزاع مسلح بين الطرفين، وأن حرب 1973 ليست الأخيرة.

في نفس الوقت روجت إسرائيل ووسائل الاعلام التابعة لها ما سمته احنمالات حرب جديدة في المنطقة.

فتحت عنوان ”ربيع 1973 وخريف 2010. نشرت صحيفة يديعوت احرونوت الاسرائيلية تقريرا أمنيا أعده الخبير العسكري اوري بار يوسف بقسم العلاقات الدولية بجامعة حيفا جاء فيه "في أي حرب جديدة مع مصر تبدو الصورة قاتمة. ومن الواضح أنه اذا دخلت تل ابيب حربا وانهزمت فيها ستجبر عالى الانسحاب حتي اخر سنتيمتر من الاراضي التي احتلتها كما فعلت مع سيناء، وساعتها سيكون الانسحاب في نهاية الأمر لحدود 1967. اليوم نحن نعلم جيدا أنه يوجد بديل حقيقي وجوهري للحرب التي ستنشب قريبا لكن ايهود باراك وزير الدفاع وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء ما زالوا نائمين كالعادة.

قبل هذا التقرير بشهر وفي منتصف أكتوبر 2010 كان الاهتمام الرئيسى فى الإعلام الإسرائيلى، يرتكز على انتقاد مصر بسبب ما سمي بمعاداتها للسامية. وفى بحث عرضت إذاعة الجيش الإسرائيلي أجزاء منه وقالت إنه نص لدراسة للمخابرات الإسرائيلية تحمل اسم إسرائيل في الكتب العربية، اتهمت المخابرات الإسرائيلية مصر بالتحريض ورأت أن الكتابات التي صدرت في مصر خلال السنوات العشر الماضية تحرض ضد إسرائيل والشعب اليهودي، وتصنف الدراسة التي أشرف عليها ضابط المخابرات المقدم الدكتور رئيوفين أرليخ، هذه الكتابات إلى مستويين أولهما قصير المدى يعتمد على الدعاية المستمرة، والثاني بعيد المدى موجه لغرس أفكار تؤثر على الأجيال المقبلة، ويعترف بأن إسرائيل تخشى المستوى الثاني.

واتهمت الدراسة التي تقع في أكثر من 100 صفحة مصر بأنها أكثر الدول العربية "معاداة للسامية"، وأن غالبية الكتاب المصريين لا يعترفون بإسرائيل ويتمنون إزالتها من على الخريطة وأن سلطات القاهرة تشجعهم في هذا التوجه.

في نفس الوقت أعرب مسؤول كبير في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عن أسفه لأن مصر "لا تبذل ما يكفي" من الجهد لمنع نقل الأسلحة إلى قطاع غزة عبر الأنفاق.

وقال المسؤول الاستخباراتي ان "الجنود المصريين يقفون على أقل من عشرين مترا من الأنفاق ولا احد يفعل شيئا وبإمكان مصر أن توقف ذلك في اقل من 24 ساعة لكن الإرادة ليست متوفرة".

بعد 48 ساعة نشبت أزمة بين القاهرة وواشنطن. فقد رفضت القاهرة يوم الخميس 18 نوفمبر ما اعتبرته تدخلا أميركيا في شؤونها الداخلية، على خلفية استقبال مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى عددا من الأميركيين الذين يطلقون على أنفسهم اسم "مجموعة عمل مصر"، وهي تجمع يضم ست مؤسسات بحثية أميركية مهتمة بالشأن المصري ولها علاقات وثيقة بالتنظيمات الصهيونية. وقالت القاهرة على لسان مصدر رفيع بوزارة الخارجية إنها لن تسمح لأي طرف كان، بما في ذلك الولايات المتحدة، بالتدخل في شأن داخلي تحت أي ذريعة. وأعربت عن استيائها مما سمته "إصرارا أميركيا على استفزاز الشعور الوطني"، مشددة على أن من يعتبر مثل هذا التدخل أمرا ممكنا "فهو واهم".

عمر نجيب