المفرجي مؤرشف الأدب العراقي

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف
من مؤلفات الراحل

يوصف الراحل أحمد فياض المفرجي، بأنه من رواد العمل الأرشيفي في العراق. فالرجل ظل يلاحق الإنتاج الثقافي العراقي، ويسعى بكل طاقته إلى أرشفته وتوثيقه، وهو يدرك لما لهذا العمل من أهمية كبيرة تفيد المؤرخين، فيما بعد، عند كتابتهم للتاريخ الثقافي العراقي.

ولم يكن المفرجي يكتفي بذلك بل كان يقدم رؤيته الشخصية عن ما يوثق ويؤرشف، وقد اختص بالكتابة في مجالات كثيرة، إلا أن المجال المسرحي هو ما كان يركز عليه. ومما يعرف عنه أنه كان يحتفظ بكم هائل من نصوص المسرحيات والروايات التي كانت تقدم على خشبة المسرح ليس في بغداد وحسب، بل في بعض المحافظات.

كان المفرجي – بحق – كاتبا دؤوبا، وتوثيقيا دقيقا، يحرص على أن يأخذ الفنان والمسرحي والقصصي والروائي العراقي حقه. ولم يكن المفرجي، كما قال الفنان علي بصيص، يجلس في مكتبه ليكتب، وإنما كان يزور قاعات العرض، ويسافر، ويلتقي الكتاب والممثلين ويجمع المطويات (الفولدرات) التي تصدر عن المسرحيات، ويحتفظ بها ويعلق عليها وعلى أي عرض مسرحي يراه. وإذا كان العرض خاليا من المطوية التعريفية، كان يبادر إلى تسجيل عنوان العرض، ومكانه، وزمنه، وأسماء الممثلين، ومؤلف العمل ومخرجه، وكادره.

في أربعينيته أقام الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق حفلا تأبينيا للمفرجي نشرت وقائعه في حينه جريدة القادسية (البغدادية) في عددها الصادر 26 أغسطس/آب سنة 1996. ومما نقلته الجريدة أن عددا من أصدقاء المفرجي ومحبيه تحدثوا في الحفل التأبيني منهم الدكتور خزعل الماجدي الذي قال: "إن المفرجي جمع مالا يمكن جمعه عن الفنانين والأدباء والمسرحيين، ولكنه في لحظة يأس أتلف ما جمع".

وفي الحقيقة لم نتأكد من هذا الكلام، وما مناسبته، وهل لورثته رأي في ما قاله الدكتور الماجدي، ونأمل في أن لا يكون صحيحا لأن معناه ضياع الكثير من أرشيف المفرجي.

الذي نعلمه وتحققنا منه أن شواهد كبيرة لا تزال باقية وتدل على توفر الكثير مما كتبه، ووثقه، وأرشفه المفرجي. وقد يكون من المناسب التأكيد على جهد المفرجي، وأتذكر أنني أشرت في مقال لي نشرته في مجلة الجامعة (الموصلية) حول أول مجلة صدرت في العراق، وهي مجلة "إكليل الورود" 1902-1909 وقلت إن المجلة بكامل أعدادها قد توفرت لدي وأنجزت دراسة عنها ضمنتها كتابي "نشأة الصحافة العربية في الموصل" طبع في دار ابن الأثير للطباعة والنشر – جامعة الموصل. وعندئذ اطمأن الرجل، وتوثق من كلامي.

كان المفرجي دقيقا، صادقا أمام ما يكتب وجهوده لا يمكن تجاهلها بأي حال من الأحوال. وهنا لا بد من القول إن الدكتور نجمان ياسين أشار في كلمته التي ألقاها في الحفل التأبيني، وكان حينئذ رئيسا للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، إلى هذه الحقائق فقال إن المفرجي كان شاهدا وشهيدا. شاهدا على عصر مطوق بالأسلاك الشائكة، وشهيدا على القوى التي لم يكن همها سوى إجهاض عبقرية المبدعين ومحاربتهم. من هنا فإن العمل الذي قام به المفرجي كان لا يستهان به، ويتلخص في أنه قدم الكثير من الحقائق والمعلومات التي تخدم في مجال تدوين تاريخ الحركة المسرحية العراقية المعاصرة.

وقف الكاتب المسرحي المعروف عادل كاظم، وكان على صلة وثيقة بالمفرجي ليقول إنه زامل المفرجي، ورافقه سنوات طويلة كان فيها خير موثق ليس للأعمال المسرحية، وإنما للقصة والرواية في العراق.

كتب عنه صديقنا حميد المطبعي في موسوعته "موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين"، فقال في الجزء الثالث (1998) إن المفرجي: "منشيء صحفي، مشتغل بالنشاط المسرحي العراقي. يمتلك حسا (أرشيفيا) حول الأدب العراقي الحديث".

ولد في بغداد بمنطقة الاعظمية سنة 1936. وفي مدارسها أكمل الابتدائية والمتوسطة. وفي الثانوية الجعفرية – القسم التجاري أكمل الثانوية وانضم إلى معهد الفنون الجميلة ـ فرع التمثيل، وبعد تخرجه في السنة الدراسية 1963-1964، عُين موظفا في المحاكم ببغداد.

كان المفرجي - منذ حداثة سنه - متعلقا بالأدب والمسرح والعمل المسرحي حتى أنه انضوى تحت خيمة عدد من الفرق المسرحية، ومثل في بعض ما قدمت تلك الفرق من مسرحيات. ومن هذه الفرق "فرقة المسرح العراقي"، و"فرقة المسرح الحر".

صناعة الأرشيف

وفي مطلع السبعينيات من القرن الماضي ـ يقول المطبعي ـ أسس المفرجي مع عدد من أصدقائه "فرقة مسرح اليوم"، لكن هذه الفرقة لم تكن فاعلة ولم تأخذ حظها من الشهرة.

كتب عنه ولده المخرج المسرحي ظفار مقالة في موقع "مسرحيون" في 28 ديسمبر/كانون الأول سنة 2005 قال فيها إن المفرجي أخرج أول مسرحية لأدب اللامعقول في العراق عام 1964، وكانت بعنوان "الشريط الأخير" لصموئيل بيكيت، كما عمل محررا في جريدة "الزمان" (البغدادية) اليومية أواسط الخمسينيات من القرن الماضي. وشارك في أداء دور في الفيلم الروائي "الحارس" إخراج الفنان خليل شوقي، والذي أنتجته "شركة أفلام اليوم" التي كونها من أعضاء فرقة مسرح اليوم أواسط الستينيات. وفي سنة 1973 نقل خدماته إلى وزارة الثقافة والأعلام، ونسب إلى دائرة السينما والمسرح، لذلك شارك في العديد من المؤتمرات و المهرجانات والحلقات الدراسية المقامة في العراق و خارجه.

وقد كرم سنة 1982 من قبل المركز العراقي للمسرح لدوره في توثيق النشاطات المسرحية في العراق، كما كرم سنة 1982 من قبل جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين لدوره في التعريف بالنشاطات التشكيلية في العراق. وقد أشرف على الصفحات المهتمة بالمسرح والأدب في الكثير من الصحف والمجلات الأدبية و الفنية في العراق، وحاضر في معهد الفنون الجميلة لسنوات طويلة وكان له عمود دائم بعنوان "فنون مسرحية" في جريدة "الجمهورية" (البغدادية) استمر طويلا.

ترأس نادي السينما العراقي وكان نائبا لرئيس المركز العراقي للمسرح ثم مديرا لقسم الأبحاث والدراسات في المؤسسة العامة للسينما والمسرح، وكان عضوا في مجلس نقابة الفنانين العراقيين. ورئيسا للشعبة المسرحية فيها وعضوا في اتحاد الأدباء العراقيين ونقابة الصحفيين العراقيين.

كرم عام 1992 باعتباره الرائد الأول للتوثيق المسرحي في العراق. وشارك في أغلب المهرجانات المسرحية والسينمائية المقامة في العراق عضوا في هيئاتها التحضيرية والتنفيذية أو اللجان العليا و التحكيمية لها. كما أسهم في العديد من المهرجانات العربية و العالمية مدعوا أو موفدا ممثلا للعراق في كلتا الحالتين.

له العديد من البحوث المنشورة في الصحف والمجلات المحلية والعربية وبعضها ترجم إلى لغات أخرى، ونشر في الصحافة العالمية، وهذا يتطلب جمع ما نشر وإصداره في كتاب يضم أعماله الكاملة، ونأمل في أن يتصدى لذلك ولده ظفار أو ابنته الدكتورة إيثار التدريسية في معهد الفنون الجميلة – بنات، أو أحد الباحثين الشبان المهتمين بالتوثيق المسرحي.

يذكر أن المفرجي توفي ببغداد إثر حادث مؤسف يوم 1 يوليو/تموز سنة 1996.