لماذا نمارس التحليل العلمي في علاقاتنا اليومية؟

بقلم: د.تيسير حسون
فهم أفكار وأفعال الآخرين والتنبؤ بها مفتاح للنجاح

في نظري أنه حتى أكثر النواحي تفصيلا في حياتنا الاجتماعية تذعن للتحليل العلمي، وذلك من أحاديث حفل العشاء إلى استراتيجيات المقابلة من أجل التوظيف، ومن عروض التلفاز ومباريات كأس العالم إلى ظاهرة السرافيس والتاكسي.

إن سهولة التطبيق هذه على الحياة اليومية هي ما يجعل دراسة الطبيعة البشرية آسرة جداً، إنها تتطلب الانتباه إلى التفاصيل المبتذلة فضلاً عن إعمال النظرية العقلية، وهي تتوسل كلا من معجب الرقص الشرقي وعالم الاجتماع وعالم النفس في كل منا.

و مع ذلك، فإن فهم أفكار وأفعال الآخرين والتنبؤ بها هو قدرة حاسمة في كل منعرجات الحياة. ويعتمد النجاح في العديد من المجالات المهنية على مثل هذه المهارة، سواء في ميدان الأعمال أو القانون، أو في السياسة والطب.

عدا ذلك، وخارج العمل، من منا لا يكرس ساعات لا تحصى من المجهود العقلي ليفهم النوايا الحقيقية للناس الذين نقابلهم ونستنبط الاستراتيجيات لكي نعطي المزيد من الانطباع الإيجابي للآخرين؟ ونمعن التفكير في الأفكار الغريبة التي سمعناها من زميل لنا في العمل، أو تهتز خواصرنا ضحكا من موقف أخرق في اجتماع جرى منذ أسبوع؟

نعم، ثمة حقل في البحث العلمي مكرس لطرح نفس الأسئلة عن الطبيعة البشرية التي تخطر في بال الكثير منا في غمرة الروتين اليومي. مثلاً ما هي الطريقة الفضلى لإقناع المستهلكين بحاجتهم لهذا المنتج أو ذاك؟ لم يبدو صديقي ذلك الشخص المهتم بي عندما نكون سويا وذلك الأحمق عندما نكون مع مجموعة من الأصدقاء؟ هل هذا البائع مهتم بي بالفعل أم أنه يقول في نفسه أنني جميلة في هذا الفستان لأن ذلك مطلوب في عمله؟ هناك ذخيرة من المعطيات التجريبية يمكن استخلاصها عند القيام بهذا النمط من التحليل للطبيعة البشرية، إنه سيكولوجيا السلوك الاجتماعي، علم الأحاديث الصغيرة.

و هكذا "لندوزن" أنفسنا لأسابيع وأشهر لاستكشاف طيف واسع من الأحداث والتفاعلات الدنيوية والسامية. فهذه التحليلات التي تجد جذورها في ملاحظات السلوك اليومي، فضلاً عن المبادئ والنتائج العلمية، ستمكننا باستمرار من دحض المزاعم التي تعتبر بأن تحليل التفاعلات الاجتماعية الملتبسة الذي تقوم به على الكرسي الوثير مع أصدقائك يبلغ مبلغ الحديث التافه، وأن تبدد فكرة أن الساعات التي تصرف في استهلاك الثقافة الشعبية أو تشريح سلوكيات العالم الواقعي التي تُعرض في أخبار الفضائيات خالية من الجدارة الفكرية، والتأكيد على أن الأسئلة المختبرة علمياً يمكن لها أن تنبثق عن مراقبة الناس في فترة المساء وهم يتسوقون في المحلات أو المراكز التجارية أو على شاطئ البحر، كما يمكن أن تنبثق من الزمن الذي يصرف في مختبر كيميائي.

لم يعد من السهولة رفض النظر في مثل هذه المهمات ككسول يعتقد بأنه مسلح بخبرة استخدام نظريات ونتائج البحث العلمية السلوكية لطرح أسئلة جديدة عن العالم الاجتماعي من حولنا.

إن الفضول نحو الطبيعة البشرية القابعة خلف مثل هذه المحاولات هو القوة المحركة لهذا الرأي الذي أطرحه والتحريات العلمية ذات الصلة تعنى بكيف يفكر الناس ويشعرون و يتصرفون في عالم اجتماعي نعيش فيه جميعاً.

الدكتور تيسير حسون ـ طبيب وكاتب في الشؤون النفسية