رباعية البشير بن سلامة تتألق في القاهرة

كتب ـ محمد الحمامصي
خصوصية الشخصية التونسية

احتفت دار الشروق المصرية بالروائي والشاعر والقاص والمسرحي والباحث التونسي البشير بن سلامة حيث أصدرت له هذا الأسبوع رباعيته الشهيرة "العابرون"، (عائشة، علي، الناصر، عادل)، بدأ مسيرته الأدبية شاعرا على صفحات جريدة الصباح سنة 1952، واشتهر بمحاولاته النظرية في تاريخ تونس السياسي والحضاري والبحث في خصوصية الشخصية التونسية وتأكيد هويتها، وأسس مع محمد مزالي مجلة "الفكر" عام 1971 والتي كان رئيس تحريرها.

تدور أحداث "العابرون" في القرن الذي يسبق استقلال تونس، وتتناول في ذلك تاريخ عائلتين تونسيتين اختار الكاتب من بين أفرادهما أربع شخصيات، وضع على كل رواية من الرباعية اسم إحداها. وجاء ترتيب صدورها كالتالي: "عائشة" 1982، "عادل" 1991، "علي" 1996، "الناصر" 1998.

"العابرون" بأبطالها وشخوصها العديدة هي نوع من التاريخ الروائي للمجتمع التونسي في تلك الفترة المهمة من تاريخ البلاد.

• عائشة

ولدت عائشة لأب كان قد انتقل حديثا من الفقر والضعف إلى الغنى والسلطة، بعد ارتباطه بالحكام التونسيين، لكن تلك الحياة الناعمة الهادئة لم تلبث أن انقلبت رأسا على عقب، حينما هاجم الاحتلال الفرنسي تونس فغير أول ما غير في نفسيات البشر وعلاقاتهم. عائشة نفسها وقعت في حب سالم فأفقدها عذريتها لتظل رهينة ذلك الخوف الذي يقدم وجها آخر لمجتمعاتنا حتى جاءت لحظة الزواج من خالد.

في رواية "عائشة" نقرأ عن الأنثى صانعة الأحداث وراوية الحكايات التي عادة ما تتخفى وراء الرجال، وهنا نرى وجه الأب وهو يكبر وتعلوه الشيخوخة بضعفها من ناحية وجبروتها من ناحية أخرى، وفي الخلفية هناك عائشة وأخواتها الذين يكبرون بين أيدينا مع الوقت ومع الحكي.

• الناصر

نقرأ في هذا الجزء سيرة "الناصر" الذي ظهر بأعماله الطائشة في رواية "عائشة" ثم اختفى ليظهر ظهورًا مكتملا هنا. عاش "الناصر" طفولته في ألم واضطهاد، وشبابه في سجن وانحراف، وظل يبحث عن هويته التي سلبها منه تعليمه الفرنسي حتى وجدها في قلب النضال ضد المحتل، فانخرط في صفوف المدافعين عن استقلال الوطن. أضافت رواية "الناصر" إلى هذه الرباعية تنويعة عميقة على سؤال الهوية التي قد تختفي ثم تظهر، وقد تنمو ثم تضمر.

سؤال الهوية

• علي

تبدأ رواية "علي" بحفيده عبداللطيف وهو يتلقى نبأ وفاة جده الذي كان على موعد مع الأحداث الكبرى حتى يوم وفاته في أحداث 1978 يوم قامت أكبر تحركات الطبقة العاملة التونسية وغطت أصوات المفرقعات على ما عاداها، يعثر عبداللطيف على مذكرات جده فيعيد صياغتها على الصورة التي تضمها الرواية.

كان "علي" طفلا عندما مات أبوه وهو يقول لأمه "ولكن علي وحده سيكون المنتصر"، صدقت نبوءة الأب وأصبحت حياة "علي" شاهدة على قرن مشحون بالأحداث والصراعات التي خرج منها علي بحكمة شيخ اعتاد تصاريف الزمن وعذوبة حكاء يحمل التاريخ في ذاكرته.

• عادل

"عادل" ابن طبقة الحكام في تونس، ظهر أولا في رواية "عائشة" شخصا ينزع إلى العزلة والتأمل، وتخطفه أفكاره وكتابته مما سواها، وعندما أيقن أن الحبيب بورقيبة ورفاقه يمثلون مستقبل الأمة، اشترك في حزبهم، لكنهم أبقوا على الشك في ولائه بحكم انتمائه العائلي، فآثر عندها أن يعود إلى الهامش، يقضي وقته في القمار والحب، ويحضر ندوة هنا وندوة هناك، حتى جاء يوم 9 أبريل/نيسان 1938 اليوم المشهود في تاريخ الحركة الوطنية في تونس، يومها تم القبض عليه في إحدى صالات القمار، بينما كانت تهمته الحقيقية أنه شوهد في إحدى المظاهرات التي عمت البلاد يومها، فكان ذلك التاريخ إيذانا بالتغيير في تونس، كما هو بالضبط إيذانا بالتغيير في حياة بطل الرواية.

يذكر أن المؤلف البشير بن سلامة ولد بباردو ودرس اللغة العربية والآداب العربية، وتولى رئاسة تحرير أكثر من مجلة تونسية شهيرة مثل مجلة "الفكر"، ومجلة "الشباب".