اقتران تكليف المالكي بالغدير!

بقلم: رشيد الخيّون

بثت القناة الفضائية الحكومية "العراقية" (25 نوفمبر 2010) حفل تكليف نوري المالكي برئاسة الوزراء، مِن قِبل رئيس الجمهورية جلال الطَّالباني، وما أن أنهى المالكي خطابه، الذَّي لا يختلف عن خطاب التنصيب (2006)، ومِن دون فاصل بُث نشيد ديني يخص عيد "الغدير": "يا كرار.. يا كرار.. حبك ثبت بينا.. يا أنت هادينا.. نقدم تهانينا"!

مِن الواضح أن إدارة القناة كانت تقصد الاقتران بين المالكي والإمام علي بن أبي طالب، وهي بادرة للتفخيم والتعظيم مخيفة حقاً، فإذا ادعى صدام حسين (أعدم 2006) أنه منسول عن علي فالقناة أرادت المالكي قريناً له!

وهنا أود التذكير بما شهدته بأديس أبابا، عاصمة إثيوبيا، يوم كانت على النَّهج الماركسي، فقد كان جماعة مِن المدقعين والمعوزين ينظرون إلى صور ماركس وأنجلز ولينين معلقةً فوق رؤوسهم، في كلِّ مكان، بعد إعطائها مسحة إثيوبية سمراء، على أنها سبب عوزهم، فتحت الأعمدة التي تحملها كانوا يتدافعون على كسرة من البسكويت تسقط مِن يد زائر.

الأمر ليس مختلفاً عما يجري بالعراق، تجد صور علي بن أبي طالب وأولاده والمناسبات الخاصة بهم تحولت إلى وسيلة لمَنْ أراد منصباً وجاهاً. وإذا كان نزع صورة ماركس سهلاً، فالرجل لم يكن يجد ثمن التدفئة لبناته وعاش عشرات الحكام باسمه وهو لا ولي ولا نبي، فنزع صورة عليٍّ بن أبي طالب سيهدم آمالاً نسجها النَّاس، لا لكي يتولى عليهم مَن يقترن باسمه بل مِن أجل أن يشعر بهم، ويكون مثله لا يجمع بين أدامين، فانظروا كيف كان عليٌ وكيف أنتم!

عيد الغدير مِن المناسبات الإمامية، غير المتفق عليها، ويتعلق بخطبة الوداع النَّبوية عند غدير خُمَّ (10 هـ)، كما جاءت في كتب التاريخ، وسماها الطَّبري (ت 310 هـ) خطبة البلاغ. ورد فيها الحث على المساواة بين الشعوب: "لا فضل لعربي على أعجمي..."، والحث على نبذ الثارات: "كل دم كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي، وأول دم أضعه دم آدم بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب" (تاريخ اليعقوبي). واختلف الرواة في ما ورد فيها: "فمَنْ كنت مولاه فعلي مولاه...". ففي الوقت الذي أتى بها اليعقوبي (ت 292 هـ)، لم يشر إليها الطبري في "تاريخ الأمم والملوك". فهي بالفعل خطبة تاريخية يُقتبس منها العديد مِن المثل الإنسانية، لكن بسبب النزاعات الحزبية غابت الخطبة وراء ما تعلق بالولاية.

لا يرى فريق مِن المسلمين في الولاية أو الإمامة أصلاً، فالله ترك العقل وسيطاً بينه وبين خلقه، ومِن أدلتهم جاء في القرآن: "مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ" (الأنعام: 38)، فكيف يفرط بالقول الواضح في شأن الإمامة! بل الخلاف داخل الشيعة أيضاً لأن ما يقرن في ذلك الخطاب مِن نصوص القرآن ليس واضحاً، بل قابلاً للتفسير والتأويل، لأنه إيماءات لا تصريحات عينية. ولكي لا تبقى هذه القضية سبباً للنزاع الدائم، قال الشيخ محمد رضا المظفر (ت 1963): "ولا يهمنا مِن بحث الإمامة، في هذه العصور، إثبات أنهم الخلفاء الشرعيون وأهل السُّلطة الإلهية، فإن ذلك أمر مضى في ذمة التاريخ، وليس في إثباته ما يعيد دورة الزَّمن مِن جديد..." (عقائد الإمامية).

كذلك وجدت الزَّيدية حلاً مناسباً أوردته على لسان إمامها زيد بن علي (قُتل 122 هـ) بما يثبت الوصية أنها في الدِّين لا السياسة، وقد سئل عن إمامة جده عليِّ بن أبي طالب: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نبياً مرسلاً، لم يكن أحد من الخَلق بمنزل رسول الله (ص)، ولا كان لعلي ما تذكره الغالية، فلما قُبض رسول الله (ص) كان علي (ع) إماماً للمسلمين، في حلالهم وحرامهم، وفي السُّنَّة عن نبي الله، وتأويل كتاب الله، فما جاء به علي من حلال أو حرام أو كتاب أو سُنَّة أو أمر أو نهي فرده الراد عليه، وزعم أنه ليس من الله، ولا من رسوله كان رده عليه كفراً، فلم يزل على ذلك حتى ظهر السَّيف (خلافته) وأظهر دعوته واستوجب طاعته" (ابن المرتضى، المُنية والأمل في شرح الملل والنَّحل).

الخلاف المذهبي ليس أمراً جديداً بالعراق، لكنه لا يخلو في عصر مِن العصور مِن وقود سياسي يغذي النَّار المذهبية، فما رُفع شعار مذهبي إلا وراءه هاجس سياسي، ففي زمن التَّناحر بين الدَّيلم والأتراك (389هـ) ببغداد، والطائفتان ليستا مِن أهل العراق، وشأنهما شأن العثمانيين والصفويين، حدث أن "جرت عادة الشيعة في الكرخ وباب الطاق بنصب القباب، وتعليق الثياب، وإظهار الزينة في يوم الغدير... فأرادت الطائفة الأخرى من السُّنَّة أن تعمل لنفسها، وفي محالها وأسواقها ما يكون بإزاء ذلك، فادعت أن اليوم الثامن (عشر) من يوم الغدير، كان اليوم الذي حصل فيه النَّبي (ص) وأبو بكر (رض) في الغار، وعملت مثلما تعمله الشِّيعة في يوم الغدير" (مسكويه، تجارب الأمم، الذيل: تاريخ الصابي).

قلنا إن الخلاف المذهبي ليس جديداً، لكن الجديد هو النَّهج الديمقراطي المعمول به في العراق قولاً وفعلاً، مِن حيث المبدأ، وهو النَّهج الوحيد، بعد المرور بتجارب دموية مريرة، والذَّي يُيسر التعايش ضمن المواطنة العراقية، لكنه على ما يبدو أن نظام المحاصصة هو مرغوب الزُّعماء، وهو سيقضي ليس على الدِّيمقراطية إنما على المواطنة العِراقية نفسها.

لا نشك بحسن نوايا الرئيس جلال، إذ اختار يوم الغدير لتتويج المالكي بتاج الرئاسة، لكن أجزم أن الأمر لم يكن خالياً مِن لعبة في الخفاء جعلت الاقتران بائناً بين تكليف المالكي وتكليف عليِّ بن أبي طالب، وأن تركز "العراقية" التي أريد لها أن تكون قناةً عراقية على إشغال برامجها بالتكليف ومناسبة الغدير.

أراكم تلعبون بالنَّار التي وقودها المواطنون، فإن كان الزَّمن الماضي يتحمل التَّصادم بين الطَّوائف، هذا يرفع شعار الغدير وذاك يرفع شعار الغار، فالزَّمن الحاضر لا يتحمل، وقد أوكل لكم أمر العراق، فاحذروا ما حذر منه محمد صالح بحر العلوم (ت 1992) في شأن المذهبية: "لكنها أهواءُ سوء يبثها.. لمَن حوله شيطانها وهو ماردُ" (الخاقاني، شعراء الغري).

(نشر في الاتحاد الظبيانية)

رشيد الخيّون