العالم على شفير 'حرب عملات'!

بقلم: جواد البشيتي

الولايات المتحدة، وفي عهد إدارة الرئيس أوباما، أعلنت حرباً اقتصادية ضروساً على العالم، متَّخِذةً من "الدولار الضعيف"، أي الذي تتوفَّر هي على إضعافه، سلاحاً؛ وكأنَّ القوَّة الإمبريالية العظمى في العالم، والتي تبدو أكبر من العالم، تريد أنْ تقول للعالم إنَّها لن تسمح بخلع "مَلِك العملات العالمية"، أي الدولار، عن عرشه.

الهدف المُعْلَن، أي الخادِع والمضلِّل، وبحسب قولٍ للرئيس أوباما، هو "تعزيز الصادرات"، فمضاعفة حجم الصادرات في السنوات الخمس المقبلة (وفتح أسواق جديدة) هي مفتاح التعافي والنمو لاقتصاد الولايات المتحدة المُثْخَن بجراح الركود؛ و"الدولار الرخيص"، أي الذي يتراجع سعر صرفه أمام العملتين الأوروبية (اليورو) والصينية (اليوان) في المقام الأوَّل، هو الذي يرخِّص سعر السلعة الأمريكية في الأسواق الخارجية، مُكسباً إيَّاها، من ثمَّ، مزيداً من القدرة التنافسية. وكلَّما زادت الصادرات زاد الإنتاج الصناعي، وتراجعت نسبة البطالة (في القطاع الصناعي) في الولايات المتحدة، التي، وعلى ما أوضح الرئيس أوباما، يَعْتَمِد رخاؤها الاقتصادي ليس على زيادة وتنشيط الاستهلاك (الداخلي) فحسب، وإنَّما على تصنيع السلع (وتصديرها من ثمَّ).

"التصدير أوَّلاً!".. هذا هو الشعار الإمبريالي (المتسربل بالبراءة الاقتصادية والتجارية) للولايات المتحدة الآن، أو من الآن وصاعداً؛ وإنِّي لأتوقَّع مزيداً من الأزمات والحروب والقلاقل والاضطرابات في العالم؛ لأنَّ صناعة (وتصدير) سلع الموت والدمار، أي الأسلحة، هي التي في مقدورها الإفادة أكثر من غيرها من "الدولار الضعيف".

الولايات المتحدة هي الدولة العظمى في العالم في إنتاج وبيع السلاح. وكل مَنْ أراد أنْ يفهم سياستها (بكل ما تتلفَّع به من مبادئ وقيم وشعارات) ويفسِّرها على خير وجه عليه أنْ يذهب بعقله وبصره وسمعه إلى حيث يُنْتَج السلاح، وتُنْتَج معه المصالح الفئوية الضيِّقة لمنتجيه وتجَّاره، الذين على قلَّة عددهم يملكون حصَّة الأسد من الرأسمال المستثمَر في الاقتصاد القومي.

السلاح هو سلعة مثل سائر السلع، فمُنْتِجه ليس مستهلكه. إنَّ قيمته الاقتصادية "النسبية"، أي نسبة إلى مُنْتِجه، تكمن في بيعه، الذي فيه تكمن المصلحة الشخصية أو الفئوية، وهي "الربح"، الذي بما يزيده، أو يزيد معدَّله، تتحدَّد "السياسة"، شكلا ومحتوى.

وليس بالاتِّهام الذي لا أساس له من الصحة أنْ نتَّهم الولايات المتحدة بأنَّ منتجي وتجَّار السلاح فيها هم، على قلَّة عددهم، أصحاب المصالح الاقتصادية الكبرى، الذين بما يراعي مصالحهم ويتَّفق معها تُصنع سياسة الدولة العظمى في العالم.

هؤلاء، ولو كانوا على خُلق عظيم، ليس من خيار لهم إلاَّ "السوق المزدهرة"، فالسلعة التي يُنْتِجون (السلاح) يجب أنْ تُستهلك. وليس من مُستهلِك لها سوى "الحرب".

والحاجة إلى استثمار هذا المقدار الهائل من الرأسمال في إنتاج السلاح إنَّما هي حاجة أساسية للنظام الاقتصادي الرأسمالي في الولايات المتحدة، فاقتصادها المدني لا يستطيع، على اتِّساعه، أنْ يستوعب كل الرأسمال القومي. وعليه، يُنْتِج اقتصادها المدني، كل يوم، مزيداً من "الرأسمال الفائض"، الذي يشبه ظاهرة "البطالة"؛ فأين يذهب؟!

ليس من مكان يذهب إليه غير صناعة السلاح، التي تراكمت فيها "الفوائض" حتى غدت عملاق الصناعة والتجارة في الولايات المتحدة. بالنسبة إلى هذه الفئة، ليس من سياسة فضلى إلاَّ تلك التي تسمح بزيادة مبيعات السلاح. ويعود إلى رجال السياسة والإيديولوجيا، بعد ذلك، إلباس تلك السياسة كل لبوس يرونه مناسباً.

لقد عبَّر كيسينجر عن المصلحة العليا لهذه الفئة خير تعبير إذ قال في لهجة المكتشِف أو المخترِع إنَّ على الولايات المتحدة أنْ تتعلَّم ليس فن "حل النزاعات"، في العالم، وإنَّما فن "إدارتها".

وبحسب هذا "الفن"، يمكن ويجب خَلْق مستهلِك آخر للسلاح هو النزاع المُدار في طريقة تُدْرجه في حالة "اللاسلم واللاحرب".

وهكذا تشتري الدول، التي هي في هذه الحالة، السلاح، فتستهلكه ليس في الحرب، وإنَّما في سباق الحفاظ على "توازن القوى العسكري".

بعض الدول قد يعجز عن الشراء، فتُسارع الولايات المتحدة مع مصارفها إلى إقراضه، فتربح، بالتالي، ربحين (ربح بيع السلاح وربح القروض). أمَّا إذا امتلكت بعض الدول فوائض مالية (من بيعها النفط مثلاً) فلا بدَّ من "إقناعها" بأنَّ لها مصلحة في التخلُّص من هذه الفوائض عَبْر شراء السلاح (مع قيود استعماله السياسية وغير السياسية) من الولايات المتحدة، التي شرعت تؤدِّي مهمَّة عالمية ثانية هي إعادة بناء الجيوش الأجنبية في طريقة تجعلها، من الوجهة السياسية، نسخة من جيشها!

إنَّ "الحرب"، والموقف منها، هي أوَّل وأكبر هذه الأوهام، فالقوة الإمبريالية العظمى في العالم تزرع الحرب، وتنشر الموت والدمار، في كل مكان؛ ثمَّ تدعونا إلى تصديقها في زعمها أنَّ هدفها الأسمى هو القضاء على الحرب، وقيام عالم يتخذ "الحوار" سبيلا إلى فضِّ منازعاته وحل مشكلاته.

كلاَّ، فالقوة الإمبريالية العظمى في العالم، ولو كان المقيم في البيت الأبيض ملاكا، لا تستطيع العيش إلاَّ بالحرب، وفي الحرب، فالحرب هي الشيطان الذي تلعنه نهارا، وهي الإله الذي تعبده ليلا.

صنَّاع الأسلحة في الولايات المتحدة لا هدف لهم سوى "البيع من أجل الربح"؛ وتوصُّلا إلى هذا "الهدف الأسمى"، ينبغي لهم الاستمرار في الإنتاج، وزيادته، وتطويره؛ وتوصُّلا إلى ذلك ينبغي لهم حفز "حكومتهم" على العمل من أجل توسيع "السوق الاستهلاكية"، داخليا وخارجيا؛ وليس من مستهلك لهذه السلعة أكبر من "الحرب"، ومن "الأزمات"، التي ينبغي للقوة الإمبريالية العظمى في العالم أنْ "تديرها" من دون أنْ تطفئ نيرانها الظاهرة أو الكامنة، والتي تحض "الخصوم" على شراء مزيد من الأسلحة من أجل "الحفاظ على توازن القوى العسكري"، أو إحراز قصب السبق.

والسلاح، الآن، لا يُنتِجه أي رأسمال؛ فالرأسمال الضخم في الولايات المتحدة، وفي بضع دول، هو، وحده، الذي يُنتِج الجزء الأعظم من هذه السلعة في العالم، الذي غدا، في معظمه، شارياً ومستهلكاً لها. وهذه السوق العالمية يجب أنْ تظل في "جوع سياسي" دائم ومتزايد حتى يستمر استهلاكها ويعظم، فإذا عجزت بعض الحكومات عن الشراء فإنَّ القوة الإمبريالية العظمى في العالم تقرضها من المال ما يكفي لتمكينها من الشراء، فيعود ذلك بالربح الجزيل المضاعف عليها، فهي تربح من خلال بيع السلاح؛ ثم من خلال الإقراض المالي. وليس من مصلحة القوة الإمبريالية العظمى في العالم أنْ تبقى لدى بعض الدول "فوائض مالية"، فامتصاص هذه الفوائض من خلال بيعها الأسلحة (المقيَّدة الاستعمال) يظل هدفا من أهداف سياستها الخارجية.

وكثيرا ما تفرض الولايات المتحدة قيودا على "الاستهلاك الغذائي" للشعوب الأجنبية الفقيرة حتى يتسنى لحكوماتها جمع ما يكفي من المال لشراء الأسلحة منها، أو لتسدِّد القروض التي اقترضتها منها من أجل شراء الأسلحة منها؛ كما تفرض قيودا سياسية على استعمال بعض الشراة من الدول، فالاستعمال ذاته يجب أنْ يقيَّد بمصالحها وأهدافها الإمبريالية.

وفي عالمنا العربي كنَّا شهودا على أموال طائلة أُنفقت في سبيل الحصول على أسلحة لم نعثر لها على أثر يُذكر حتى في "الحروب الدفاعية"، وكأنَّ شراء هذه السلعة مع حظر استعمالها (أو استهلاكها) في طريقة لا ترضى عنها الولايات المتحدة هو الهدف والغاية. حتى بيع ما تراكم في مستودعاتنا من أسلحة قديمة هو أمر محظور علينا!

العالم، الذي تسبَّبت له "وول ستريت" بأسوأ أزمة اقتصادية ومالية منذ سنة 1929، ولم يتعافَ منها بعد، لم ينسَ بعد ما تكبَّده من خسائر اقتصادية جسيمة سنة 1930 حيث أعلنت "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس"، أي بريطانيا، حرباً (اقتصادية) عليه، كان سلاحها "الجنيه الإسترليني الضعيف".

في الأزمان الاقتصادية العادية، وفي مناخ تحرُّر الاقتصاد القومي الأمريكي من ضغوط الركود، كانت الإدارات المتعاقبة (من جمهورية وديمقراطية) تلجأ، وعلى وجه العموم، إلى الاستدانة (من الداخل والخارج) من أجل سدِّ العجز (المزمن والمتعاظم) في موازناتها، فالإنفاق الحكومي، أو العام، وفي مجال التسلُّح على وجه الخصوص، كان دائماً يفوق، ويفوق كثيراً، حجم الضرائب التي تجبيها الدولة من الشعب.

وكانت اللعبة الحكومية المألوفة لسدِّ هذا العجز هي الطلب من "مجلس الاحتياط الفدرالي"، أي البنك المركزي الأمريكي، رَفْع سعر الفائدة على الدولار؛ فهذا الرَّفع يغري المستثمرين (في الداخل والخارج) بتحويل مدَّخراتهم من العملات الأخرى إلى العملة الأمريكية، وضخَّها، من ثمَّ، في مصارف الولايات المتحدة.

هذا التنامي في حجم الطلب (الداخلي والعالمي) على "الورقة الخضراء" كان يؤدِّي، بالضرورة، إلى زيادة سعر صرفها مقابل العملات الصعبة الأخرى، فتتضرَّر، من ثمَّ، الصادرات الأمريكية (التي بسبب غلاء أسعار البضائع الأمريكية في الأسواق الخارجية تراجعت قدرتها التنافسية) وينمو العجز في الميزان التجاري الأمريكي لمصلحة قوى اقتصادية عالمية منافسة كالصين، التي تتسع حصَّتها من السوق الداخلية الأمريكية مع كل ارتفاع في سعر صرف الدولار، ومع كل ارتفاع، من ثمَّ، في أسعار البضائع الأمريكية.

على أنَّ هذه الضَّارة (بالنسبة إلى الصادرات الأمريكية، وإلى الميزان التجاري للولايات المتحدة مع تلك القوى) كانت شرطاً لتلك النافعة، ألا وهي زيادة حجم الودائع (بالدولار) في المصارف الأمريكية، فتتمكَّن الحكومة الأمريكية، من ثمَّ، من الاقتراض (لسدِّ العجز في موازنة الدولة).

اللعبة نفسها كانت تتضمَّن أيضاً أنْ يفوِّض الكونغرس إلى الحكومة (وزارة المالية منها) أمر إصدار "سندات (الخزينة)"؛ وفي كل سندٍ منها تتعهد الحكومة بدفع محتواه المالي لشاريه في أجل معيَّن.

الحكومة تبيع، من ثمَّ، "سندات الخزينة" التي أصدرتها للبنك المركزي، الذي يدفع للحكومة ثمنها نقداً.

وهذه السندات تصبح كالسلع في مستودع البنك المركزي، فيتولَّى بيعها في أسواق المال، متحكِّماً، من ثمَّ، في حجم السيولة، فإذا أراد تقليل حجم السيولة باع جزءاً من هذه السندات، وإذا أراد زيادة حجم السيولة اشترى (من الأسواق) جزءاً من السندات.

أمَّا النتيجة النهائية لهذه اللعبة فهي مزيد من الغرق للدولة والمجتمع في بحر الديون، فتنامي حجم الدين الحكومي (لسد العجز المزمن والمتزايد في موازنة الدولة) يفضي إلى جباية مزيد من الضرائب من الشعب، الذي كلَّما زادت أعباؤه الضريبية اشتد لديه الميل إلى مزيد من الاقتراض.

الشِّق الأوَّل من اللعبة، والذي فيه تطلب الحكومة من البنك المركزي رفع سعر الفائدة على الدولار، لا تستطيع إدارة الرئيس أوباما لعبه الآن حيث معاناة الاقتصاد الأمريكي من الركود تَحُول بينها وبين طلب رفع سعر الفائدة؛ لكنَّ الشِّق الثاني، أي إصدار سندات الخزينة، وبيعها للبنك المركزي، ليبيعها للمستثمرين من أفراد ودول، ما زال في متناولها.

على أنَّ الأزمة الكبرى التي تواجهها إدارة الرئيس أوباما تتمثَّل في أنَّ زيادة حجم ديونها (من هذه الطريق) تقترن بعجزها عن سداد هذه الديون من خلال فرض مزيدٍ من الضرائب (في اقتصاد مثخن بجراح الركود).

وحتى تتغلَّب على هذه الأزمة لا بدَّ لها من أن تُنشِّط الإنتاج الصناعي من خلال زيادة الصادرات الأمريكية، وفتح أسواق جديدة؛ فإنَّ انتعاش الصادرات هو الطريق الآمنة لزيادة حجم الضرائب التي تجبيها الدولة من الشعب، ولسداد بعضٍ من الديون الحكومية المتراكمة.

وعليه، قرَّرت إدارة الرئيس أوباما فِعْل كل شيء ممكن من أجل خفض سعر صرف الدولار مقابل العملات الصعبة الأخرى.

"الدولار الضعيف" هو سلاح تستعمله القوة الإمبريالية العظمى في العالم ضدَّ الشعوب جميعاً ولاسيما منها الشعوب الفقيرة، فضعف الدولار يؤدِّي حتماً إلى غلاء نفطي عالمي؛ وهذا الغلاء النفطي، ولكون المشتقات النفطية تدخل في صناعة كمية هائلة من السلع، يفضي حتماً إلى غلاء عالمي عام.

ومع ارتفاع أسعار النفط عالمياً، بسبب ضعف الدولار، تشتد الحاجة أكثر إلى صناعة "الوقود الحيوي"، أي إلى تحويل جزء كبير ومتزايد من الأراضي الزراعية إلى مزارع لهذا الوقود، فيتراجع، من ثمَّ، الإنتاج الغذائي العالمي، وتَضْرِب العالم موجة جديدة وقوية من الغلاء في أسعار المواد الغذائية.

سنة 2008 عرفت الأزمة الغذائية العالمية، فأسعار الغذاء (والحبوب على وجه الخصوص) ارتفعت كثيراً (45 في المئة) فعَجِز مئات الملايين من البشر، في البلدان الفقيرة، عن تلبية حاجتهم إلى الطعام ولو بما يبقيهم على قيد الحياة.. حياة يحسدون فيها الحيوان على نعيمه الغذائي!

ونُسِبَت الأزمة، في بعضٍ من أسبابها، إلى "الوقود الحيوي"، فارتفاع أسعار النفط شجَّع على إنتاج الطاقة (الصديقة للبيئة ولو من خلال معاداتها لحق البشر الفقراء في الغذاء) من مصادر غذائية، فتقلَّص إنتاج الغذاء عالمياً. وكلَّما عَظُم معدَّل الربح في قطاع "الوقود الحيوي" اتَّسع الفرق بين العرض والطلب في سوق الغذاء العالمي بما تسبَّب بصبَّ مزيدٍ من الزيت على نار الغلاء الغذائي العالمي.

سنة 2009 انفجرت الأزمة المالية العالمية، وأصيب العالم بالشلل الإقراضي، فالمصارف توقَّفت عن الإقراض في اقتصاد عالمي لا يعيش إلاَّ بالدَّيْن؛ ثمَّ ضرب الركود والكساد الاقتصاد العالمي، فتراجع الإنتاج، وانكمش الشراء، واستشرت البطالة؛ ولكنَّ الغلاء ظلَّ على وجه العموم ملازماً الركود.

منسوب الغلاء في أسعار الغذاء هبط وتراجع؛ لكنَّ هذا الرخص الغذائي العالمي النسبي ظهر، في العيش اليومي لمئات الملايين من البشر، على أنَّه أقرب إلى الغلاء منه إلى الرخص، فاستشراء البطالة، مع تضاؤل القيمة الاقتصادية الحقيقية للأجور والرواتب، أعْجَز هذا الرخص الغذائي النسبي عن إفادة الفقراء، الذين التهمت طبقتهم أجزاء واسعة من الطبقة الوسطى.

أمَّا سنة 2011 فيُتوقَّع أن تَشْهَد استئنافاً لأزمة الغذاء العالمي، فالانتعاش الاقتصادي المتوقَّع حدوثه عمَّا قريب، سيشدِّد الطلب العالمي على الطاقة النفطية والطاقة الغذائية، أي الغذاء؛ ولسوف نعود إلى معاناة عواقب تلك العلاقة السببية بين أسعار النفط وأسعار الغذاء، فسعر برميل النفط ما أن يرتفع حتى تتهيَّأ الأسباب لارتفاع أسعار السلع الغذائية.

أسعار تلك السلع سترتفع؛ لأنَّ النفط يَدْخُل في إنتاجها؛ ولأنَّ ارتفاع أسعار النفط سيغري بإنتاج مزيدٍ من "الوقود الحيوي"، فتتضاءل مساحة الأراضي الخاصة بإنتاج الغذاء (والحبوب على وجه الخصوص). ويكفي أن ينتعش التوظيف حتى يشتد الطلب العالمي على غذاء تراجع عرضه في الأسواق، فيشتعل فتيل أزمة غلاء غذائي عالمي جديدة.

ويَعْظُم الغلاء ويشتد في البلدان التي تستورد كثيراً من السلع من القوى الاقتصادية العالمية التي زادت أسعار صرف عملاتها مقابل الدولار كالعملة الأوروبية (اليورو).

إنَّ عصابة من اللصوص، وبالمعنى الحرفي للكلمة، هي التي قادت عملية تحوُّل الدولار إلى حاكم مالي أوتوقراطي، وعلى المستوى العالمي؛ وهذه العصابة هي البنك المركزي الأمريكي نفسه.

سنة 1933، ومن أجل رفع الغطاء الذهبي عن الدولار، سُنَّ قانون يسمح بمصادرة الذهب من البنوك والأفراد في داخل الولايات المتحدة، فسُحِب الذهب (بالقمع والإكراه) من التداول، وحلَّت محله "الورقة الخضراء"، التي ما أنْ بدأ رفع الغطاء الذهبي عنها، وفي هذه الطريقة اللصوصية، حتى شرعت تَصْفَر، وتزداد اصفراراً.

قبل سنة 1933، كان يُكْتَب على ورقة الدولار عبارة يفيد معناها أنَّ هذه الورقة تستمد قيمتها من محتواها من الذهب. بعد ذلك أصبحت "ورقة قانونية للدفع"، لا قيمة (ذهبية) لها.

سنة 1944، وفي مناخ استبداد نظرية كينز بالتفكير الاقتصادي الأمريكي، والغربي على وجه العموم، عقد مؤتمر في مدينة بريتون وود، في مقاطعة نيوهامشير، حضره ممثلو 44 دولة من الحلفاء، واتَّفقوا فيه على تأسيس نظام نقدي عالمي جديد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وبموجب الاتفاقية التي توصَّلوا إليها التزمت كل دولة سعراً ثابتاً لعملتها بالنسبة إلى الدولار، والتزمت، في المقابل، الولايات المتحدة سعراً ثابتاً للدولار بالنسبة إلى الذهب (35 دولاراً للأوقية الواحدة من الذهب).

الاتفاقية حظرت على الولايات المتحدة أن تطبع من "الورقة الخضراء" أكثر مما عندها من ذهب.

والآن، تملك الولايات المتحدة (في فورت نوكس، وفي البنك المركزي في نيويورك) معظم الذهب في العالم، فمن خلال مساعدتها لأوروبا لإعادة بناء اقتصادها الذي دمَّرته الحرب العالمية الثانية، سَحَبَت الولايات المتحدة من القارة قسماً كبيراً من مخزونها من الذهب، معطيةً الأوروبيين في مقابله عملتها الورقية التي كانت خاضعة لأحكام اتفاقية "بريتون وودز".

سنة 1971، حرَّرت الولايات المتحدة الدولار من قيده الذهبي، فأعلن الرئيس نيكسون أنَّ بلاده لن تدفع بالذهب من الآن وصاعداً.

وقال: "من قبل كان يأتينا شخص حاملاً 35 دولاراً، فنعطيه بدلاً منها أوقية من الذهب. كنا ملتزمين هذا؛ أمَّا الآن فلا"!

وهكذا تضاعفت الكمية المطبوعة من الدولار بين سنتي 1971 و 2000 إلى أكثر من 2000 في المئة، فالطبع (الرخيص) ما عاد مشروطاً بغطاء ذهبي.

ولقد صدق ديغول، وأصاب كبد الحقيقة، إذ وصف طبع الولايات المتحدة للدولار من دون غطاء ذهبي في خلال حرب فيتنام بأنَّه "سرقة مكشوفة وكبيرة".

حتى سنة 1971، كان حجم الاقتصاد الحقيقي يعدل تقريباً حجم الاقتصاد (الورقي) المالي؛ ومع تزايد إدمان الولايات المتحدة على طباعة عملتها الورقية، أصبح حجم الاقتصاد المالي (الذي يقوم على المضاربة) أكبر بنحو 100 مرَّة من حجم الاقتصاد الحقيقي!

وبفضل "الليبرالية الجديدة"، أصبح نصيب الاقتصاد الحقيقي 10 في المئة من مجموع المدَّخرات النقدية في العالم!

ومع انفصال الولايات المتحدة من طرف واحد عن قاعدة الذهب أصبح معظم المخزون النقدي العالمي مغطَّى بالدولار الورقي غير المغطَّى بالذهب!

ولولا الحجم الهائل للاقتصاد الأمريكي لما استطاع الدولار أن يتحرَّر من قيود الذهب، علماً أنَّ تناقص الاحتياط الأمريكي من الذهب بسبب إقبال حاملي الدولار من الأجانب على استبداله بالذهب هو ما اضطَّر الرئيس نيكسون إلى إعلان فك ارتباط الدولار بالذهب.

بيد أنَّ المكانة الاقتصادية للولايات المتحدة الآن ما عادت بالأهمية التي كانت عليها من قبل، فإنَّ نصيبها من الإنتاج العالمي تراجع من 70 في المئة إلى 16 في المئة؛ ولا بدَّ لهذا التراجع من أن ينعكس سلباً على المكانة العالمية للدولار.

جواد البشيتي