العراق بعد الغزو.. بلد لغير النساء بمباركة الميليشيات والملالي

مناخ اجتماعي مبطن يشجع التعصب ضد النساء

بغداد - يتناقض التمثيل السياسي للمرأة في العراق الذي يشهد تحسناً ملحوظاً مع ما تعانيه النساء من استضعاف على نطاق أوسع، مثلما يتضح من استمرار العنف المنزلي والزواج المبكر، وفقاً لتقرير جديد صادر عن وحدة تحليل المعلومات بين الوكالات التابعة للأمم المتحدة.

وعلى الرغم من أن النساء قد يشغلن 25 بالمائة من مقاعد البرلمان العراقي، إلا أن واحدة من كل خمس نساء بين سن 15 و49 عاماً تعاني من العنف الجسدي على يد زوجها. وتشير الأدلة السردية إلى أن "العديد من النساء يتعرضن للاختطاف ويجبرن على ممارسة البغاء،" كما لا يزال ختان الإناث شائعاً في الشمال.

وفي هذا السياق، قالت الصحفية إيمان خماس، أن "أوضاع العديد من النساء والفتيات العراقيات أسوأ مما يمكن أن تصفه الكلمات". وأضافت متحدثة عن نفسها: "لقد كنت فيما قبل صحفية أما الآن فأنا لا شيء".

وأوضحت خماس أن هناك مناخاً اجتماعياً مبطناً يشجع التعصب الذي يضر بالمرأة على نحو متزايد، مشيرة إلى أنها أجبرت على الفرار من العراق بعد تلقيها تهديدات بالقتل أوقفتها فعلياً عن العمل، مثلما حصل للآلاف من العراقيات الأخريات. وتعيش خماس حالياً في إسبانيا.

البقاء بالمنزل

وقد شهدت مشاركة المرأة في القوى العاملة انخفاضاً حاداً منذ عام 2003. فقبل غزو العراق، كانت النساء يشكلن 40 بالمائة من القوى العاملة في القطاع العام، وفقاً لتقرير صادر عن "بروكسل تريبيونيل"، وهي حركة مناهضة للحرب. كما أوضحت خماس أن النساء كن يشكلن مجمل القوى العاملة في بعض المجالات مثل التعليم. .وأشارت إلى "التفكير الأصولي الجديد"، الذي نشأ في أعقاب غزو العراق عام 2003 والذي قامت بفرضه الميليشيات والجماعات المسلحة الرامية إلى إعلاء القانون الديني.

كما تسبب انهيار الخدمات الاجتماعية العامة أيضاً في تقليص إمكانية الحصول على الخدمات الصحية والتعليم والوظائف، في الوقت الذي دفع فيه تزايد انعدام الأمن النساء خارج الحياة العامة وأجبرهن على الانعزال في منازلهن، بالإضافة إلى النظام القضائي غير الفعال الذي تسبب في خلق جو من الإفلات من العقاب، حسب خماس.

وقد عززت الحكومة المؤيدة لإبقاء النساء في المنزل المواقف المحافظة لمسؤولي القطاع العام، وفقاً لتقرير صادر عام 2007 عن شبكة الموارد الدولية للمرأة.

وأشار هذا التقرير إلى أن "وزارة الداخلية العراقية أصدرت في عام 2006 سلسلة من الإنذارات للنساء بعدم مغادرة منازلهن دون مرافق، مرددة توجيهات القادة الدينيين الذين يحثون الرجال على منع قريباتهم من النساء من العمل خارج المنازل". وأضاف التقرير أن "هذا أعطى لأعمال العنف التي تقوم بها الميليشيات في الشوارع دعماً من قبل الزعماء السياسيين الذين يحظون باحترام أكبر ويؤيدون الدعوة إلى خلو القطاع العام من النساء".

كما شجع الفقر المتزايد الأسر العراقية على إعطاء الأولوية في التعليم للبنين دون البنات مما يتسبب بدوره في خنق أي فرص مستقبلية للمرأة. وفي هذا السياق، أفادت منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسف) في تقرير صادر عنها في سبتمبر 2010 أنه "مقابل كل 100 فتى مسجل في المدارس الابتدائية في العراق، هناك أقل من 89 فتاة فقط". وقد شهدت أرقام التحاق الفتيات بالمدارس تراجعاً تدريجياً في الوقت الذي ترتفع فيه معدلات الانقطاع عن المدرسة في كل عام دراسي.

وتشمل عوامل انقطاع الفتيات عن التعليم "المخاطر الأمنية والمواقف من تعليم الفتيات ووضع المدارس بالبلاد ونوع المناهج التي يتم تدريسها والمهارات والمواقف من المعلمين وفقر الأسر"، حسب اليونيسف.

المغادرة

وقد اختارت العديد من النساء، مثل خماس، مغادرة العراق، ولكن اللجوء لا يساهم بالضرورة في إنهاء الصعوبات التي يواجهنها. وتستضيف سوريا المجاورة معظم العراقيين الذين يدخلون في نطاق اهتمام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أي الأشخاص الذين أجبروا على ترك بلادهم خوفاً على سلامتهم دون أن تتوفر فيهم بالضرورة شروط التعريف القانوني "للاجئ".

وتشكل الأسر التي تعيلها نساء 28 بالمائة من مجموع العراقيين المسجلين لدى المفوضية في سوريا والبالغ عددهم 139,000 شخص، حسب مسؤولة الحماية بمكتب المفوضية في سوريا، عسير المضاعين. وتفتقر العديد من هؤلاء النساء لتصاريح العمل، مما يضاعف الصعوبات التي تعاني منها الأسر التي تعيلها نساء في البلدان المجاورة، حيث يكافحن لكسب لقمة العيش، وخاصة "دفع الإيجار،" في الوقت الذي لا زلن يحاولن "التكيف مع الضغوط الأسرية والاجتماعية والمجتمعية".

ويمكن أن يؤدي ضعف النساء إلى تعرضهن للاستغلال، حيث أفادت المضاعين أن "هناك عمليات اتجار بالبشر تحدث بين اللاجئين العراقيين، ولكننا نجهل حجمها وكيفية حدوثها".

ووفقاً للتقرير الصادر عن وحدة تحليل المعلومات المشتركة بين الوكالات التابعة للأمم المتحدة، "يتم الاتجار بالضحايا داخلياً وكذلك باتجاه البلدان المجاورة بما فيها سوريا ودول الخليج". (ايرين)