لماذا استاءت دول وقوى المحور الإيراني من زيارة أردوغان للبنان

بقلم: حسان القطب

عندما زار نجاد لبنان قبل فترة وجيزة تداعت قوى المحور الانقلابي للقائه وطالبت الدولة اللبنانية بتامين حسن الاستقبال رسمياً وشعبياً بما يتناسب مع حجم دور الضيف الإيراني على الساحة اللبنانية بما له من تدخل سياسي ودعم مالي للقوى التي تمارس الدور الإيراني في لبنان بثياب ولباس محلي سواء كان حزبي أو مذهبي وطائفي. وهكذا كان وتم لها ما أرادت فتداعت الدولة بأركانها لاستقباله دون استثناء. وأشاعت هذه القوى عبر وسائل إعلامية تابعة لها أن زيارة نجاد للبنان تاريخية ومهمة وتوازي في أهميتها غزو الإمبراطور الفارسي قورش لسواحل المتوسط في فترة ما قبل ميلاد السيد المسيح. وروجت أيضاً وعبر وسائل إعلامها أن رئيس الوزراء التركي أردوغان سيصل لبنان لينضم إلى نجاد وسليمان في لقاء ثلاثي يوازي في أهميته اللقاء المشترك الذي ضم سليمان إلى الملك السعودي والرئيس السوري. وطالبت الدولة اللبنانية أيضاً وتحت عنوان حسن الضيافة رفع اليافطات التي هاجمت الزيارة ومعاقبة من يسيء لوجه لبنان الحضاري وللعلاقات الإستراتيجية التي تربط بعض اللبنانيين بدولة إيران.

قام حزب الله بتامين مستلزمات الحماية للرئيس الضيف خارج إطار الدولة ومؤسساتها عندما زار نجاد الضاحية الجنوبية ومدينة بنت جبيل وأعلن خلال هذه اللقاءات تأييده لحزب الله ومشروعه ودوره وأبلغنا بأن تغيير وجه المنطقة (الشرق الأوسط) سيتم تحديداً من بلدات وقرى الجنوب اللبناني! (دون سواها!) وتحدث الرئيس الإيراني في مهرجانين شعبيين في الضاحية الجنوبية ومدينة بنت جبيل الذين تداعت قوى المحور الانقلابي لحشدهم لإضفاء مشهد جماهيري على هذه الزيارة التاريخية ولإعطاء انطباع أن ما ينفق من مال إيراني إنما ينفق حيث يجب ولم يضع هباءً في مشاريع وهمية. وخاطب نجاد الحضور بلغة دينية مذهبية حين بشرنا في مقدمة كل خطاب ألقاه بعودة المهدي المنتظر لإحقاق العدالة وبدولة الولي الفقيه.. الموعودة.

ومنذ أيام زارنا رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان لافتتاح بعض المشاريع الممولة من دولة تركيا في منطقة عكار المحرومة والتي يستفيد منها كل اللبنانيين دون استثناء ومستشفى تخصصي في مدينة صيدا يستقبل كافة اللبنانيين دون تمييز. وتحدث رئيس الوزراء التركي من على باب مقر نبيه بري الذي غاب عن الاستقبال في باحة المطار معلناً أن تركيا على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وتنوعهم السياسي والديني. وخاطب اللبنانيين سواء في عكا أو في مدينة صيدا بلغة هادئة غير تحريضية فلم يدعُ لتغيير وجه المنطقة ولم يدعم فريق على أخر وأكد على ضرورة حل القضية الفلسطينية التي هي لب وجوهر الصراع في منطقة الشرق الأوسط.

ولن نسترسل في سرد وقائع الزيارة ولكننا سنتوقف عند الطريقة التي تعاطى بها قادة هذا المحور الانقلابي مع الزيارة وشخصية رئيس الوزراء التركي. فبعد أن كانت زيارة أردوغان إلى لبنان خلال وجود نجاد حدثاً تاريخياً ولقاءً هاماً، تحولت إلى خطأ سياسي.

بداية نقل موقع المركزية الالكتروني عن مصادر معارضة قوله...: أنَّ "زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى لبنان في هذا التوقيت خطأ، وتأتي كأنها رد فعل على زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد،..... مشيرةً إلى أنَّ نجاد جاء، ليؤكد أنَّ إيران على مسافة واحدة من الجميع على الرغم تأييدها المقاومة"، وقال: "لكن لا نعتقد أنَّ زيارة أردوغان تصب في الاتجاه نفسه". هكذا أصبحت زيارة اردوغان فئوية، وزيارة نجاد تصب في خدمة الوحدة الوطنية؟ واستكتب حزب الله بلال شعبان وهو أبن المرحوم الشيخ سعيد شعبان مقالاً مطولاً هاجم فيه الزيارة تحت عنوان "عِنْدَمَا اختُطِفَ أُرْدُوغَان فِي لُبْنَان" فقال فيه "انتظره اللبنانيون هناك في الجنوب عند الوهاد والتلال ليعبروا عن حبهم له كمقاوم تماما كما عبروا عن حبهم لنجاد فكلاهما لم يمنعه كرسي الحكم والموقع الرسمي من قول كلمة الحق في وجه السلطان الجائر ولكنه، عجبا...لم يأت."

يبدو أن بلال شعبان لم يعلم أو لم يبلغه من طلب منه كتابة المقال أن اردوغان قد زار الكتيبة التركية العاملة في الجنوب وتناول معها الغذاء وتداول معها في شؤون المنطقة وكيفية مساعدة أبناء الجنوب تماماً كما قام ببناء مستشفى تخصصي في مدينة صيدا عاصمة الجنوب ومدينة المقاومة التي تستوعب الجميع دون استثناء. وهذا المستشفى المعلم الحضاري والطبي والصرح الإنساني تجاهله شعبان وحزب الله وحتى المراسلين الصحافيين المرتبطين بمحور الإساءة لكل أشكال البناء والاستقرار والتعايش والتعاون بين أبناء الوطن الواحد والجوار الإقليمي على قاعدة المساواة والاحترام لا على قاعدة التدخل والوصاية. وكتب احد المراسلين أيضاً: طيف الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد كان حاضراً بقوة، إن لجهة محاولة تقليد الحضور لطقوس مورست خلال زيارة نجاد للبنان، فاستخدمت الكلمات التركية بكثرة رداً على استخدام كلمات إيرانية أثناء حضور نجاد، أو لجهة تطييف الزيارة ومذهبتها، فقالت مدرّسة في ثانوية رسمية «كما احتفى الشيعة بقدوم نجاد، أيضاً السنّة يحتفون بالطيب أردوغان». لم ير هذا المراسل المستشفى الذي لم يفتتح نجاد مثله ولا المدارس التي تم إنشاؤها في مختلف المناطق اللبنانية بمساعدة تركية دون إعلام وطقوس إعلامية ودينية ولم يقدم نجاد شيئاً يوازي هذا الأمر في زيارته، فلم ير هذا المراسل في الزيارة سوى الطيف المذهبي أو هكذا طلب منه. فقد قال أردوغان "أن بلاده افتتحت حتى الآن 55 مدرسة، وأعمالنا لبناء 15 مدرسة إضافيّة مستمرة، كذلك سلّمنا لبنان مركزين صحيّين، وسنستمر في جهودنا لتوفير الموارد المائيّة لبعض البلدات في لبنان، وكذلك حاجتها إلى بعض سيارات الإسعاف، فنحن نعرف وندرك تماماً وظيفتنا تجاه إعادة أعمار لبنان، وسنقوم دائماً بهذه الوظيفة على أكمل وجه. إن لبنان هو شقيق تركيا، وأنتم أشقاؤنا." وكتب الصحافي نادر فوز في جريدة الأخبار الموالية لمحور سوريا – إيران "ترفض الأحزاب والطوائف الأرمنية تجوال المسؤولين الأتراك في لبنان وأداءهم أدواراً دبلوماسية. ليس هذا رفضاً مطلقاً للعلاقات اللبنانية- التركية، بل للمطالبة باعتذار الحكومة التركية عن المجازر العثمانية بحق الشعب الأرمني خلال العقد الثاني من القرن الماضي".

فجأة أصبح الملف الأرمني على جدول الأعمال. وكتبت نفس الجريدة أيضاً "من حيث أراد أو لم يرد، أُدخل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في البازار اللبناني. جاء في زيارة رسمية ـ إنمائية يلتقي خلالها أركان الدولة ويفتتح مستشفى ومدرسة، لكن هناك من أراد أن يظهر خط سيره كأنه محاولة للرد أو إيجاد توازن ما مع الاستقبالات والخطابات التي رافقت الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، فبدت مشهدية (الكواشرة وعيدمون) كأنها في مبارزة مع الضاحية الجنوبية في 13 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ولمحاكاة بنت جبيل، تستعد صيدا لاستقبال «حفيد العثمانيين»".

الـ55 مدرسة أصبحت مدرسة واحدة في جريدة الأخبار. إنها المصداقية الإعلامية المفقودة. والمستشفى أقل من عادي وهو في الحقيقة تخصصي يفتقد لبنان لمثله تماماً. أما الصحافي إبراهيم الأمين ناشر جريدة الأخبار والناطق باسم سياسات سوريا وإيران وحزب الله.. فقال "المواقف التي أطلقها رئيس الحكومة التّركي رجب طيب أردوغان عكست إلى حدٍّ كبير الطموحات التركية الاستعمارية في لبنان والعودة به إلى السلطة الدّكتاتورية التي قامت على مدى أربعة قرون تفرض قوانينها بالقوّة على السكان بعدما احتلّت أرضهم وجعلتهم يخدمون السلطان الجائر في اسطنبول." فقد استذكر هذا الصحافي التاريخ وأعاده إلى واقع السياسة اللبنانية. ماذا لو استذكر البعض تاريخ الدولة الفارسية والتدخل السوري عام 1976، وحرب المخيمات وحصار طرابلس والاغتيالات.؟

الصحافي في مؤسسات حزب الله عماد مرمل فقد كتب قائلاً: لماذا وُضعت "خوش آمديد" في مواجهة "هوش جالدينيز"؟ بعض الحساسيات اللبنانية الضيقة والمقاربات القصيرة النظر قد حاولت وضع زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الى لبنان في مواجهة زيارة الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد، و«خوش آمديد» أي أهلا وسهلا بالايرانية في مواجهة «هوش جالدينيز» أي أهلا وسهلا بالتركية.

الاهتمام العربي والإسلامي والدولي ببقاء لبنان كياناً مستقراً ومستقلاً وليس ساحة صراع وتصفية حسابات هو ما دفع هؤلاء للتغيب عن استقبال أردوغان في ساحة المطار بأعذار واهية ودواعٍ مؤسفة وهو ما تسبب في دعوة البعض للكتابة انتقاداً للزيارة أو لإعطائها طابعاً مذهبياً وهي بعيدة كل البعد عن هذا الأمر. والعمل الدولي المشترك لترميم وتطوير لبنان وبناء مؤسساته وبناه التحتية وتركيا جزء من هذا المجتمع الدولي وهي تشارك بفعالية سياسياً وإقتصادياً هو ما يكشف حقيقة أهداف ودوافع الطرف الأخر الذي جاء لتغيير وجه المنطقة من قرى الجنوب التي عانت وما تزال من خطر الكيان الإسرائيلي، والذي يحصر دعمه فقط في خدمة مشروعه الشمولي، ولذا يقوم بشراء الأصوات والأحزاب لتأييده والإعلام الذي يروج لها مؤيداً سياساتها أو شاتماً من لا يخضع لها.. وإلا فكيف تكون زيارة نجاد ذات طابع وطني وهو يتجول بحماية ميليشيا حزب الله.. ويطلق خطاباً دينياً في حشد خاص.. وزيارة اردوغان مذهبية وهو بحماية القوى الشرعية اللبنانية ويعلن عند من امتنع وفريقه عن استقباله على أرض المطار انه على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين.

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات

hasktb@hotmail.com