مفهوم جديد للتسامح وتساؤلات عن الضد النوعي للإستبداد

بقلم: زيد الحلي
كتب تدخل دائرة المحظور من باب النقاش

ثلاثة كتب جريئة في طروحاتها، جديدة في رؤيتها، جدلية في أفكارها، هي مثل ماء أو ريح لا تستقر بأرض، لكنها تناقش العقل بثبات ودراية، قضيت معها عطلة عيد الأضحى، فكانت نعم الرفيق والأنيس، أثارت بي شجوناً فكرية، صورها فراشة راوغت أفكاري كالدخان والهواء، لكنها تركتني أبحث عنها في جحيم الحياة

الكتب الثلاثة هي للباحث العراقي، المغترب منذ عقود عن الوطن الذي يحب "ماجد الغرباوي" وقد وصلتني، وأسجل هنا شكري لصاحب هدية العيد.

الكتاب الأول، وهو المثير للجدل، والحاضن لأفكار لم يسلط علها الضوء أحد كونها أفكار من العيار الثقيل، التي يخشى الخوض في تلابيبها الكثرة الكاثرة من كتاب الفكرة الجاهزة والمطروقة يحمل عنوان "التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات". وأظنني سأجد من يتصدى له من خلال قراءة موضوعية، للجدلية التي تقول إن ثلاث لا يؤمن شرها: الريح إذا هبت والنار إذا شبت والفتنة إذا دبت. وهذا الكتاب يسبر غور تلك الشرور محاولا، مد طوق النجاة للمجتمع، وأرى أن الكاتب وصل إلى هدفه.

• مفهوم جديد للتسامح

يطرح الكتاب مفهوماً جديداً للتسامح، يقوم على أساس الإعتراف بالآخر، إعترافاً حقيقياً، والإعتراف بحقه في العقيدة والدين والمذهب، على أساس وحدة الحقيقة وتعدد الطرق إليها، وإن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق.

ويبين هذا الكتاب، وأنت تستخلص رحيقه، أن الحياة اقوى من اي شيء وكل شيء، انها تطوينا وتجذبنا وتخدعنا، فاذا نحن عبيد لشهواتها ومطامعنا وآمالها وآلامها وأحقادها، نعرف انها وهم، فننفث فيها الحقيقة ونعرف انها خدعة، فنخدع أنفسنا. وهذا هو الانسان يسير في التيه، لكنه بعظمته يجعل منه طرقا ومسالك ووسائل وغايات. يعيش في الفقر، غير انه يبني فيعمر ويخطط ويملؤه بالحركة والنشاط، حتى لكانه موكل، بالفضاء يذرعه وبالموت يحييه. يعيش في الصحراء، فينقب، لا يكف ولا يتوقف ولا ييأس. يعاني الحر والبرد والجوع والعطش، ولكن قوة عليا تهبه الصبر والعناء. توحي اليه ان ينشر الخير حيث يوجد الشر والرحمة حيث تعيش القسوة والسماحة حيث يفوح الحقد وينتشر.

والى جانب ما ذكرت، ناقش الكتاب المفهوم السائد عن التسامح، وهو مفهوم يستبطن المنّة والتفضل والتكَرم على الآخر، بمعنى أنني على حق مطلق وأنما أتسامح مع الآخر المختلف دينياً تفضلاً ومنة من أجل أن نعيش بسلام. وهذا المفهوم يسلب الآخر أي علاقة بالحقيقة، وينفي أن تكون طرقه تؤدي إلى الحقيقة، ولو كانت بنسبة محتملة، لهذا يسمح لنفسه باضطهاده وإقصائه متى شاء، لكنه يتسامح معه منة وتكرماً من أجل العيش المشترك ومن أجل توفير قدر من الأمن والسلام. فهو يحتكر الحقيقة ويحتكر الطريق إليها، بينما ينفي عن الآخر ذلك.

لكن هذا المفهوم قد أثبت فشله في أول احتكاك بين الطوائف والأديان، ومثاله العراق، الذي كاد أن يقع في فخ الحرب الأهلية، والطائفية، وانكشف أن التسامح بينهم تسامح غير حقيقي، وأن الفجوات هائلة بين الطوائف والأديان.

والأمر لا يختص بدين دون غيره أو بلد دون آخر، وإنما هي نظرة سائدة، يتعامل فيها كل إنسان مع الآخر المختلف دينياً.

والكتاب الذي استهوتني فكرته، يؤسس لمفهوم جديد للتسامح، يجعل الآخر شريكا لكَ في الوصول إلى الحقيقة، ولو بنسبة ما، وحينئذ لا يحق لأحد احتكار الحقيقة ونفي الآخر عنها، ولا يحق لأحد الإستحواذ على الطرق إليها ونفيها عن الآخر. وهذا المفهوم هو ما نحتاجه حالياً، كي تعيش الشعوب حالة الإستقرار والأمن والإطمئنان.

من هنا يتضح أهيمة الكتاب بالنسبة للجاليات الإسلامية والعربية، التي تعيش بمجتمعات مغايره مثل إستراليا، فلا بد لهم النظر إلى الآخر المختلف دينياً وقومياً نظرة إيجابية على أساس إنساني، لا على أساس ديني أو طائفي أو قومي، كي يحصل الإندماج الحقيقي بالمجتمع.

ثم راح الكتاب يبحث عن الأسباب التي تجعل الفرد يشعر شعوراً فوقياً، يحتكر على أساسه الحقيقة، وطرق الوصول إليها، والأسباب التي تجعله ينبذ الآخر، وينظر له نظرة مختلفة. من هنا ناقش الكتاب بعض المفاهيم الدينية التي تؤسس لهذا اللون من الفهم، وفند الحجج التي تقوم عليها، ليقدم رؤية جديدة.

فناقش الكتاب بجرأة قد نختلف معه حولها لحساسيتها، لكن المؤلف ساق لنا الكثير من الشواهد للدلالة على حقيقة ما توصل اليه، مثلا:

مفهوم المرتد كما يطرحه الفقه الإسلامي، وأثبت خطأ الأحكام الصادرة، المراد بالمرتد، هو المسلم الذي يعتنق ديناً آخر، حيث يحكم الفقهاء على المرتد بالقتل، بينما أثبت الكتاب بالأدلة الكاملة، خطأ هذا الحكم، وأن الاسلام يقول بحرية العقيدة، وليس هناك حكماً بالقتل مطلقاً.

كما ناقش أيضاً مسالة اللحوم الحلال، وتوجس المسلمين من أكل لحوم غير المسلمين.

ومفوم المشرك، ومفهوم أهل الكتاب، من غير المسلمين، وما هو الموقف الإسلامي منهم، معترضاً على كل الأحكام التي يطلقها رجال الدين، ويقدم رأياً جديداً بأدلة كاملة من نفس الدين الحنيف. والتطرف الديني، ودور رجل الدين في ثقافة عدم التسامح.

وهذ الكتاب، أجد من الضرورة أن يترجم إلى اللغة الإنكليزية لتطلع عليه الجالية المسلمة المنتشرة في دول العالم لسببين أساسيين:

الأول: إن أبناء الجالية لا يفهمون اللغة العربية بشكل جيد، وبحاجه إلى كتاب باللغة الإنكليزية، سيما بالنسبة للكتب التنويرية.

ثانياً: إعطاء صورة أُخرى للإسلام تخفف من نظرة المتطرفين غير المسلمين إلى الإسلام والمسلمين، وهو ما يحتاجه المجتمع الأُسترالي الذي يؤكد عليه الكاتب كثيرا من تجربته الخاصة، والملاحظ ان الكتاب أخذ بنظر الإعتبار أهمية هذه الأفكار إلى الجاليات العربية والإسلامية.

• تحديات العنف

والكتاب الثاني، الذي أخذ مني يوماً كاملاً لقراءته، ويوماً آخر للتأمل كان عن الشغل الشاغل لعالم اليوم وهو، ظاهرة العنف والإرهاب، حيث اني أرى ان المجتمعات الصادقة الابية التي تكره الباطل وتجهر بالحق، لا تستطيع ان تتنفس الا في جو من الحرية .. فغذاء الصدق هو الحرية، وحيث لا حرية، ينعدم الصدق وينتشر النفاق في المجتمعات، وذلك هو أهم اهداف تلك الظاهرة، وهذا الكتاب.

يدرس الكتاب ظاهرة العنف، والإرهاب التي ضربت كل بقاع العالم، يدرس أسبابها، نتائجها، تداعياتها. بكل تفاصيلها.

الشغل الشاغل لعالم اليوم

وهو يبدأ بمقدمة تاريخية، يشرح فيها الباحث الغرباوي تاريخ العنف، وحجم الويلات التي أصابت البشرية بسببهِ.

ثم ينتقل لدراسة فلسفتة، وسايكيولوجية العنف، ونفسية رجل الإرهاب، ودوافعه النفسية في إرتكاب الجريمة.

وخصص الكتاب فصلا كاملاً لبيان تحديات العنف، وتداعياته الخطيرة، سيما على الجاليات الإسلامية والعربية التي تعيش في مجتمعات غير مجتمعاتها. وبين كيف يهدد العنف الأمن والإستقرار الدوليين.

كما دَرَسَ المؤلف أشكال العنف، بما فيها عنف الفرد، وعنف الدولة، والعنف الأُسري، وغيرها من أشكال العنف.

ثم توقف طويلاً بفصلين عند الحركات الاسلامية والدينية المتطرفة، فدَرَسَ الأدلة التي يستدل بها الإرهابي على جواز قيامه بعملية إرهابية، يروح ضحيتها عدداً كبيراً من الأفراد الأبرياء والأطفال والنساء، وكيف يعتقد الإرهابي خطأ أنه سيدخل الجنة بأعمالهِ الإرهابية.

والفصول الأخيرة هي من أخطر وأصعب الفصول في الكتاب، لأن أدلة الإرهابي وأدلة الحركات الإسلامية المتطرفة قائمة على أساس ديني، تستمد رؤيتها من آيات القرآن الكريم، والسيرة النبوية. ولا بد من مناقشة هذه الأدلة بنفس الآيات القرآنية، وتقديم رؤية جديدة.

وبالفعل عندما نراجع القرآن سنجد كثيراً من الآيات التي تحث على قتال الكفار والمشركين وأهل الكتاب، ومن السهولة لأي إنسان أن يتسمك بها، لإقتراف عمل إرهابي.

لكن الكتاب فند كل الأدلة التي يستدل بها على الإرهاب، وقدم قراءة وفهماً جديداً لآيات القرآن والأحاديث النبوية. وثبت بالأدلة، أن تلك الآيات جاءت، بخصوص مجموعة من الناس ممن حاربوا الرسول الكريم وأصحابه في ذلك الوقت ولا يجوز العمل بهذه الآيات في وقتنا الحاضر، لأنها لا تنطبق عليه.

واعتمد الكتاب أدلة مختلفة لتفنيد أدلة الخصم، وتفنيد رأيه في مسألة العنف والأعمال الارهابية، وقدم فهما آخر للدين والنص الديني.

كما حذر من دور رجل الدين والفتوى في هذا المسالة، وأثبت أن رأي الدين هو رأي بشري، وأن الفتوى رأي بشري، وليسَ هناكَ مقدس، وإنما كل شيء خاضع للنقد والمراجعة. ولا يمكن الإنصياع إلى الفتوى ورجل الدين من غير تعقل وفهم صحيح، فالإسلام والقرآن واضحان، ونحن لسنا بحاجه إلى رجل الدين في كل شيء، وإنما في بعض المسائل المحدودة.

ومثلما قلنا عن الكتاب الأول، فهذ الكتاب الذي نحن بصدده تحتاجه الجاليات العربية والاسلامية في دول المهجر، مثل استراليا التي يؤكد عليها المؤلف.

• الضد النوعي للإستبداد .. إستفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني

والكتاب الأخير، الذي قضيت أيام العيد في ضيافته هو للمؤلف نفسه، كان بعنوان "الضد النوعي للإستبداد ... استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني" ناقش فيه الباحث ماجد الغرباوي في قسمه الاول جدوى المشاريع السياسية الدينية؟ بعد أن استعرض تجربة الحكومات الدينية، وما رافقتها من إخفاقات مريرة، أثرت سلباً على رفاهية شعوبها. ثم يطرح المجتمع المدني كصيغة بديلة، تحفظ حقوق أفراد الشعب من خلال الممارسات الديمقراطية، ومؤسسات المجتمع المدني. وساقَ كثيراً من الأدلة لإثبات ذلك.

أما القسم الثاني من الكتاب فخصصه الكاتب الغرباوي للتعددية الدينية، وكيفية المساهمة في إرساء أُسس التعددية، وفقاً لآراء المفكرين والفلاسفة، لكن بإسلوب ثقافي يصلح للفهم من قبل عامة الناس.

والقسم الثالث خصَصَ لدراسة المشروع الإصلاحي. وبيان الخطوات المهمة لنقد المفاهيم السائدة وتقديم مفاهيم جديدة تتلاءم مع متطلبات العصر والزمان وتستمد جذورها من التراث والمعاصرة معا، بما يحفظ توازن الفرد رغم أنه يعيش داخل مجتمعات مختلفة.

والكتاب نقدي، موغل بالنقد، يستفز السائد والمتعارف والمألوف من أجل التوفر (الحصول) على إجابات تتناسب معَ حاجاتنا راهناً.

لقد خلصت من قراءاتي لهذه الكتب، ذات الإبعاد الفكرية غير المطروقة، الى ان المرونة في الفكر، باب يؤدي الى التفاهم والتسامح والتعاطف بين الناس. اما المرونة في الضمير فباب يؤدي الى الخبث واللؤم ومنها الى كل رذيلة.

شكراً لمن جعلني اقضي ايام العيد في المفيد من الكلم. وصح القول إن دمعة الحزن ودمعة الفرح، كلتاهما من مصب واحد. ومع هذه الكتب عشت لأرى دمعة الحزن المتأتية من خواء بعض الناس وعشت دمعة الفرح المتأتية من التاريخ وشتان بين (البعض) وبين (االتاريخ).

ويا رب اعطني ظلمة العين ولا تعطني ظلمة ... القلب.

زيد الحلي

zaidalhilly@yahoo.com