شرارات أمنية مصرية

بقلم: محمد طعيمة

ألو.. أنت فين؟ تعال بسرعة عشان تغطي إللي بيحصل.. (...). الاتصالات تلت انفجار غضب آلاف الأقباط، عقب الهجوم على مبناهم وسقوط شاب منهم قتيلاً.

ليس مهماً ما قالته "الرتب" الأمنية لزملاء من أقسام حوادث عدة صحف.. لـ"تسخينهم"، فتشوه الدماغ لم تنج منه فئة أو طائفة. خلاصة تعبيرات التسخين تمحورت على.. "إحنا" و"هما".

"إحنا".. و"هما"، كانت "روح" مقال أثار الجدل على أكثر من مستوى: ما اعتُبر تغييراً استجد أو كشفاً عن "وجه مدني" موظف للدين يتحدث طائفياً لأول مرة بدلاً من "العيش الواحد". وإشكالية حرية الرأي والتعبير وتدخل ملاك الصحف فيما يُنشر فيها. وقتها قيل ما قيل، لكن تردد أن المقال كتب عقب اتصال من قيادة أمنية سوبر رفيعة.. "تشكو له" من "تجبّرهم".

"تردد".. تحتمل الصحة والخطأ، لكن "المؤكد" الذي توثقنا منه، أن ذات القيادة اتصلت بـ"الوجه المدني" بعد نشر الجزء الأول من مقاله لتُثني بشدة على ما كتبه. في المقابل، "تردد" أيضاً أن جهاز "دولة"، يعي واجبه تجاه دولته وشعبه، هو مَنْ طلب وقف النشر، في محاولة منه لإجهاض جزء من شرارات فتنة تمسك بنسيج وطنه.

وقبل أسابيع قليلة، فتح جهاز أمني "حنفية" السلفيين في عدة محافظات وحشدهم في أحضان المساجد، لتنساب مظاهرات مليئة بالشتائم وبخطاب شديد الكراهية لأحد عنصري الأمة تحت شعار: "تحرير الأسيرات المسلمات"، اللاتي من الثابت يقيناً أن ذات الجهاز هو من طاردهن حيث اختبأن.. ثم سلمهن للكنيسة، مسلمات كانت عقيدتهن الحالية أو مسيحيات.

في أحدث نيران الفتنة، حجب تحريض الجهاز الأمني لزملاء على الإسراع لـ"تغطية إللي بيحصل" أجزاء من الصورة عن كثيرين. أولها: أن حجة "احترام القانون" هي نُكتة مهترئة مع تحرك اللانظام بكامله خارج القانون والدستور.. على كل المستويات. وثانيها: أن المبنى محل النزاع لم يكن يُقام سراً حتى يُقرر النظام فجأة إزالته، وفي توقيت انتخابات.. العادي والمُعلن فيها أن أدوات اللانظام توقف تنفيذ الإزالات خلالها، تقليلاً من حدة الغضب الشعبي المتنامي ضد حكومته. ثالثها: أن المشكلة كانت في طريقها للحل.. بالاتفاق على "تظبيط" أوراق ترخيص البناء. رابعها: أن "التقدير الأمني"، إن صدق، لن يحتوي على أية تحذيرات من شحن طائفي ضد المبنى، فما رأيناه على شاشتي العاشرة مساء والجزيرة يؤكد تقبل المسلمين، بعضهم ملتحون، في المنطقة لبناء الكنيسة/ المبنى، لهذا غابوا تماماً عن الصدام لينحصر بين الشرطة وآلاف الأقباط، الذين هتفوا في جزء من مظاهراتهم: عاش الهلال مع الصليب، والأكثر دلالة أن تشييع جثمان ضحية القمع (مكاريوس جاد شاكر) شارك فيه آلاف المسيحيين والمسلمين في مسقط رأسه بالمنيا. خامسها: أن التسخين اقتصر على تغطية رد الفعل، دون أن يشمل مبرر الغضب القبطي.. الهجوم على المبنى ومن فيه بالقنابل المُسيلة للدموع وقتل مكاريوس، وفي مرحلة تالية من التغطية: تعلية إصابة "المواطنين".. حكمدار الجيزة ومدير أمنها المركزي، وكأنها أفدح من مصرع "مواطن" قبطي.

غضب قبطي.. هو رد فعل. في ذات اليوم رأينا على عدة فضائيات، بعضها رسمي مصري، طلاب الجامعات الإنجليزية يحطمون سيارات جامعاتهم احتجاجا على زيادة رسوم الدراسة.. دون أن تواجههم عصا واحدة، فدور الدول والأجهزة، إن وعت وأدت وظيفتها الوطنية، هو استيعاب غضب فئاتها/طوائفها، ثم محاولة فهم أسبابه وكيفية علاجه، لا مواجهته بالقمع. قمع، لا يعرف لانظامنا غيره أداة لمواجهة أي مشكلة.. هي دائماً أحد إفرازاته. فلم يعد هناك خلاف على أن سياساته، على أكثر من مستوى، هي "حاضنة" الفتنة الطائفية التي لم تعرفها مصر في تاريخها الحديث.. لا قبل الثورة ولا بعدها.

يرجع البعض قمع الشرطة المُفرط لمظاهرات الأقباط إلى المزايدة الانتخابية على الإخوان.. "إحنا حماة الإسلام.. مش هما"، مستنداً إلى أنها لم تعتد هذه الدرجة من العنف ضد مظاهراتهم.. رغم أن القمع هو قانونها في مواجهة باقي الاحتجاجات. ربما، لكن تاريخ الرعاية الأمنية لتيارات توظيف الدين، وفي قلبها الإخوان، ضد القوى المدنية التقدمية منذ صفقة السادات الشهيرة.. حتى صفقة انتخابات 2005 بين اللانظام والإخوان، وصولاً إلى "التسخين" الأمني للوجه المدني وللتيار السلفي ولبعض الزملاء، وسياساته التي ضخمت دور الكنيسة ومنحتها أجزاء من دور الدولة، كلها وقائع تؤكد أننا لسنا أمام سياسة أمنية.. بل غارقون في: "فرق.. تسد".

"فرق.. تسد"، هي سياسة المُحتل.. محلي أم أجنبي.

* بعد كتابة المقال، أعلنت وفاة أحد المصابين في الأحداث متأثراً بجراحه.

محمد طعيمة