الدر ومعدنه: العلاقة المتواترة بين الحزب الحاكم والحركة النقابية بتونس

لماذا لم يتطور الاتحاد العام التونسي للشغل إلى حزب عمّالي؟

تونس- يبحث كتاب "الدرّ ومعدنه: الخلافات بين الحزب الدستوري والحركة النقابية في تونس" الصادر خلال تشرين ثاني/نوفمبر الجاري، للمؤرخ التونسي عدنان المنصر العلاقة بين الحزب الحاكم الذي هيمن على الحياة السياسية في تونس منذ تأسيسه في العام 1920 والحركة النقابية في أطوارها المختلفة.

وتناول المؤلف هذا الموضوع عبر ثلاثة أبواب: أوّلها دور القيادات الحزبية في مسيرة التأسيس النقابي وطبيعة تناول الطرفين الحزبي والنقابي لمفهوم الاستقلالية خلال مرحلتي الاستعمار والدولة الوطنية. ثمّ طبيعة تطوّر العلاقة بين الطرفين من التأسيس إلى الصدام، وفي الباب الثالث يبحث الكاتب موقع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية من الصراعات بين الطرفين. كما ضمّن المؤلف كتابه ملحقا بشهادتين حول الموضوع واحدة لأحمد بن صالح الأمين العام الأسبق للاتحاد العام التونسي للشغل والثانية لمحمد الصياح مدير الحزب الدستوري الأسبق.

يبيّن عدنان المنصر أنّ الحزب الحرّ الدستوري التونسي كان مترددا في معاضدة التجربة النقابية الوطنية الأولى التي تأسست في العام 1924 تحت اسم "جامعة عموم العملة التونسيين" بقيادة محمد علي الحامّي.

ورغم مساندة الحزب للنقابة ودعمه مشروع التأسيس بالمال ووجود بعض عناصره ضمن مكتب الجامعة ومشاركة عديد العناصر الدستورية في تأطير حركة الإضرابات العمالية الشهيرة في أيلول/سبتمبر 1924، فقد سارع الحزب بعد انطلاق موجة من القمع الاستعماري الفرنسي ليعلن أنّ محمد علي ليس دستوريا، وأنّه لم يكن يمثل في مواقفه آراء الحزب الحرّ الدستوري وأنّ الحركة العمّالية التي يقودها لا تشبه بالمرّة الحركة الدستورية التي هي سياسيّة بالأساس.

وكان هذا الموقف حسب الكاتب بمثابة التبرّؤ وإظهار المسافة من الجامعة. وهو ما مهّد بعد أشهر من التأسيس لمحاكمة النقابيين وحلّ جامعتهم. وحسب عدنان المنصر فإنّ تخلي الحزب الدستوري عن النقابة كان ثمن أمله في تطوير العلاقة مع الاشتراكيين الفرنسيين الذين كانوا في الحكم آنذاك.

كما آل مصير التجربة النقابية الثانية إلى الانحلال في يناير/كانون الثاني 1937 بعد أشهر من التأسيس بسبب التجاذب بين الحزبي والنقابي. وبعكس التجربة الأولى فإنّ الجامعة النقابية بقيادة بلقاسم القناوي هي التي رفضت هذه المرة الانخراط في التصعيد والإضرابات التي دعا إليها الحزب الدستوري. وقد ردّ هذا الأخير الفعل عبر الإطاحة بالقيادة النقابية الشرعية وتنصيب أخرى، وهو ما كان مقدمة للدخول في فترة من الركود النقابي.

واختلف الأمر مع تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل كبرى المنظمات الوطنية في العام 1946 بقيادة الزعيم النقابي فرحات حشاد.

ويقول عدنان المنصر "في مثال حشاد بالذات، ينبغي ملاحظة الإمكانيات الكبيرة التي تمنحها الاستقلالية التنظيمية، حيث يتمتع العمل الوطني بحليف منخرط في الإستراتيجية التحررية من منطلق القناعة الكاملة وليس من منطلق التبعية".

ويضيف المؤلف "في ظل توفر ظروف ملائمة يصبح العمل النقابي قاطرة تدفع بالعمل الوطني نحو مجالات تأثير أوسع".

ويعرض الكتاب كيف تمكنت المنظمة النقابية الثالثة من ضمان تكامل العمل الوطني إلى حدود العام 1956 عندما أصبح الحزب الدستوري ماسكا بزمام الحكم، بقيادة الحبيب بورقيبة الذي سعى إلى احتواء المنظمة النقابية باسم "الوحدة القومية".

وكان الاختلاف حول الخيارات الاجتماعية والاقتصادية سببا في الإطاحة بالأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل أحمد بن صالح، أسابيع بعد انتخابه في مؤتمر 1956. ثم أطيح بالحبيب عاشور بعد ذلك من نفس المنصب في العام 1965، عندما أراد مقاومة نفوذ الحكومة والحزب في الوسط العمّالي.

وبعد عشر سنوات من ذلك ظهرت بوادر أزمة جديدة بين الطرفين بلغت ذروتها في كانون ثاني (يناير) 1978 عند إعلان الإضراب العام وسقوط قتلى وجرحى برصاص الشرطة والجيش.

ووضع مؤلف الكتاب لمؤلفه عنوان "الدرّ ومعدنه" وهي عبارة اقتبسها من تصريح لرئيس الوزراء الأسبق محمد مزالي سنة 1985 عندما أطاح الحزب الحاكم والحكومة بقيادة اتحاد الشغل، وتم تنصيب مكتب موال لها، عندئذ أطلق مزالي قولته "عاد الدرّ إلى معدنه" تلخيصا لنظرته لهذه المنظمة.

ويخلص الكاتب إلى أنّ بين النقابي والحزبي كان تحالف ثنائي في مواجهة الاستعمار فرضه الواقع، وقد تمت المحافظة عليه بعد إعلان الاستقلال، لكنّه ظلّ تحالفا متضمّنا لهزّات كامنة، وكان من المتوقع باستمرار حتى في فترات السكون والتناغم أن ينفجر الخلاف وتندلع الأزمة مع أوّل اصطدام بموضوع ذي حساسية معيّنة.

ويتساءل المؤلف "هل كان بإمكان الاتحاد العام التونسي للشغل أن يتطوّر إلى حزب عمّالي، ليجيب عن ذلك بقوله "إنّ عوامل عديدة منعت ذلك أهمّها التداخل الكبير بين الفضاء الحزبي والفضاء النقابي وتأرجح القيادة النقابية بين الموالاة والمعارضة وكذلك ضيق أفق الحريات السياسية وأهمّها حرية التنظم".

ويعتقد المنصر أنّه في أواخر السبعينات من القرن الماضي كان الاتحاد العام التونسي للشغل مرشحا لرعاية التوجه نحو التحوّل الديمقراطي الممكن مع أفول الحزب الحاكم كقطب يجمع كل التونسيين، لكنّ الحزب الدستوري الحاكم أجهض هذا المسار بواسطة الجيش والقوة المفرطة فوضع حدّا لجميع إمكانات تحول النظام إلى الانفتاح السياسي.(قدس برس)