مرارة مصرية من نوع خاص: السكر بـ8 جنيهات

القاهرة
مصر قريبة من الاكتفاء الذاتي بالسكر

بعد حالة الغلاء التي ضربت أسعار المنتجات الغذائية الأساسية في مصر مثل اللحمة والدجاج والبندورة والخبز والأرز والمكرونة وما شابه من أساسيات طعام الأسرة المصرية، بالإضافة للفاكهة على اختلافها، دخل السكر في بلد قصب السكر إلى القائمة.

واصبح سعر الكيلوغرام الواحد يتراوح الآن ما بين 6 إلى 8 جنيهات فإذا عرفنا أن استهلاك الأسرة المصرية المثالية مكونة من أربعة أفراد الأب والأم وولدين مع التقتير و"الإمساك" كلغ كل يومين أو ثلاثة أيام، فإن المتوسط مع الضغط وتقليل الاستهلاك عن معدله الطبيعي يكون 10 كلغ شهريا، أي 70 جنيها، الأمر الذي يشكل مأساة للميزانية التي تعاني أصلا من الفاقة، فكم 70 جنيها في راتب أو دخل ما يزيد عن ثلاثة أرباع المصريين؟

السكر بالنسبة للشعب المصري بمثابة الروح والعقل، يبلغ متوسط استهلاك الفرد سنويا منه 34 كلغ، فهو يدخل في كثير من الأطعمة التي تصنعها ربة الأسرة في منزلها مثل الفطائر والكاستر والمهلبية والأرز باللبن والبسبوسة والكيك والبقلاوة والجولاش وغيرها، فضلا عن أن الشعب المصري رجالا ونساء وشبابا "كييف" شاي وقهوة وقرفة وحلبة وكركاديه وتمر هندي وما شابه ذلك.

ولا يتصور أحد أن بإمكان أسرة في مصر من شمالها لجنوبها أن تستغني طرفة عين عن وجود السكر في منزلها، فإذا حدث، فكأنها تسير عارية في الشارع، ليس في الأمر تهويلا، ليس مجرد أزمة، فأول ما يعزم على ضيوف الأسرة بالشاي أو القهوة أو العصير، وإذا جاع طفل وليس في البيت طعام كان الشاي بالحليب أو السادة هو "غموزه" مع الخبز.

أذكر أن الأسرة المصرية ـ ولا تزال في كثير من قرى ومدن مصر تفعل ذلك ـ كانت تتهادى بـ "السكر"، إذا نجح ابنك أو خطبت ابنتك أو شفي مريض لديك، أو حججت إلى بيت الله الحرام، أو قررت زيارة مريض، أو صلة رحمك، أو في الأعياد والمواسم الدينية، وغير ذلك من الواجبات، كانت الأسر تتهادى بالسكر.

ماذا يحدث؟ قالت لي إحسان عبد العال موظفة الحاسبات بإحدى المدارس الخاصة "العيار فلت، ولم يعد هناك ضابط ولا رابط في أمر الأسعار كلها، وليست اللحمة والسكر والمخبوزات والفواكه وغيرها مما يستحيل على أي أسرة أن تستغني عنها، لكن مأساة السكر في كوب الشاي، تعرف أننا لا نستطيع التخلي عن كوب الشاي، لا تستطيع التخلي عن الإفطار بكوب شاي بالحليب، جنون أن ينزل ابنك من المنزل في طريقه للمدرسة أو الجامعة أو العمل دون أن يغير ريقه بكوب الشاي بالحليب، إنه مقدس، لقد استغنيت عن صناعة الكيك والفطائر التي تؤخذ مع الشاي بالحليب صباحا، أشتري الآن مخبوزات جاهزة ولكن والله هي كمان غالية، كيلو البقسماط بعشرة جنيهات، رغيف الفينو بخمسين قرشا أي الخمسة بجنيهين ونصف".

وتضيف "هل تتخيل لو أن أسرة عدد أفرادها خمسة أو ستة كم تنفق يوميا على إلإفطار فقط، إحسبها، نصف كيلو سكر بـ4 جنيهات، نصف كيلو بقسماط بـ5 جنيهات، كيلو لبن بـ7 جنيهات، عيش فينو بجنيهين، وحشو جبنة بيضاء أو رومي قل بـ5 جنيهات، واجمع 21 جنيها لمجرد أن تغير الأسرة ريقها، مأساة طبعا إذا نظرت لراتب زوجين يعمل كلاهما وليس أحدهما".

وتقول الحاجة زينب عبد القوي (طبيبة متقاعدة، وجدة تبلغ من العمل الثمانين) أن الغلاء الذي تسمع به الآن من أبنائها وأحفادها وأبناء أحفادها لم تعرفه من قبل "في الحرب الكبرى ـ العالمية ـ قبل ثورة يوليو لم يعان الناس من مثل هذا الغلاء الذي بحرمهم احتياجاتهم الأساسية من الأكل والشرب، ولا في حرب 56 ولا حرب 67 ولا حرب 73، في أسوأ الظروف كان الأكل والشرب متوفرا بسعر مناسب للغني والفقير للموظف والعامل".

وتذكر الحاجة زينب أنه عندما ارتفعت أسعار اللحمة في عهد السادات خرجت الناس تصرخ بألفاظ قبيحة: "أحيه أحيه اللحمة بقت بجنيه"، "إنني لا أصدق وأبنائي يعتبرونني قادمة من العصر الحجري، رغم أنني حتى التسعينيات وأنا أمارس العمل، كان هناك غلاء لكن ليس بالشكل الموجود الآن".

وترى حنان أبو العلا جليل (ربة بيت وأم لثلاثة أبناء) أن الغلاء "عمل للناس اكتئاب، يعني إيه السكر بـ8 جنيهات، يعني لا تشرب شاي ولا تعمل كيك لطفل، ولا عصير لضيف، وإذا كان وضعنا نحن في المدن هكذا فما وضع أسرة في قرية في الصعيد أو في الفلاحين، مأساة أن تدخل بيت صعيدي أو ريفي ولا يستطيع أن يقدم لك كوبا من الشاي، أنا بصراحة لا أعرف هذه الحكومة وخدانا لحد فين".

وتقول حنان "والله لو متوفر فلوس لن نبالي بارتفاع الأسعار، لكن زوجي يعمل بإحدى المطابع الحكومية وراتبه يزيد في السنة مقدار ما زاد به السكر، يعني هو يأخذ زيادة 30 جنيها في السنة، لو حسبت الاستهلاك من السكر في الشهر والزيادة الأخيرة، ضاعت العلاوة بل سوف تدفع من جيبك، وهذا شهر واحد".

وأكد رجب عبد الباسط (موظف بإحدى إدارات الصحة) أن ما خفي من زيادة في الأسعار شيء لا يتخيله أحد، "السكر أمره واضح وساعة أن تكره على عدم شرائه لن تشتريه، لكن لا تستطيع الاستغناء عن الماء في المنزل، المياه ارتفعت أسعارها بشكل جنوني، لكن الناس لأنها مكرهة تصمت، هل تصدق أنني أسكن في منطقة شعبية وأدفع مياه ثلاثين جنيها في الشهر بعد 3 و5 جنيهات، كذلك الأمر بالنسبة للنور وأنبوبة الغاز".

ويضيف رجب "هناك أشياء يمكن أن تتغاضى عنها لأنها بين يديك وتستطيع ضغط نفقاتك فيها مثل اللحمة والسكر والفواكه وغيرها، لكن لا تستطيع أن تمتنع عن دفع فاتورة الماء والكهرباء أو شراء أنبوبة غاز مهما كانت التكلفة".

ويقول د. نادر نور الدين "تبلغ‮ ‬المساحة المزروعة بمحصول قصب السكر في مصر‮ ‬327‮ ‬ألف فدان تتركز بشكل رئيسي في محافظات الصعيد،‮ ‬وتبلغ‮ ‬المساحات المزروعة بمحصول بنجر السكر‮ ‬248‮ ‬ألف فدان بمتوسط إنتاجية‮ ‬21‭.‬9‮ ‬طن للفدان تتركز في محافظات شمال ووسط الدلتا وتبلغ‮ ‬الإنتاجية الكلية للسكر في مصر المستخرجة من كل من القصب والبنجر‮ ‬1‭.‬757‮ ‬مليون طن سكر تمثل نسبة اكتفاء ذاتي من السكر تبلغ‮ ‬68٪‮ ‬من إجمالي احتياجات مصر من السكر الذي يبلغ‮ ‬2‭.‬8‮ ‬مليون طن سنويا بعجز سنوي من إنتاج السكر أقل قليلا من مليون طن سنويا‮.

ويضيف "هذا العجز من السكر يمكن أن يتحقق من زراعة ما يقرب من‮ ‬90‮ ‬ألف فدان من قصب السكر أو حوالي‮ ‬220‮ ‬ألف فدان من محصول بنجر السكر،‮ ‬وهي مساحات ليست بالكبيرة ويمكن تدبيرها بسهولة وبعضها جاهز بالفعل للزراعة مثل الجزء الأول من‮ ‬زمام ترعة السلام بغرب القناة مناطق جنوب بورسعيد وشرق الحسينية وبحر البقر والتي تصل مساحتها إلي‮ ‬220‮ ‬ألف فدان وهي كفيلة بتحقيق هذا الاكتفاء الذاتي من السكر من محصول البنجر خاصة وأن هذه الأراضي تحتوي علي كميات محسوسة من الأملاح القلوية وبالتالي فإن زراعتها بمحصول البنجر يعد كمحصول استصلاح يعطي عائدا اقتصاديا‮ ‬مجزيا".