الفخ الإسرائيلي للانسحاب من الغجر اللبنانية

بقلم: د. خليل حسين

تشكل قضية بلدة الغجر اللبنانية المحتلة حجر الرحى في المعركة التي تحاول خوضها إسرائيل في هذه المرحلة تحت ستار الانسحاب من جانب واحد. لكن الأبعاد والخلفيات التي تتلطى وراءها لا تعدو فخاً من العيار الثقيل، سيما وان إسرائيل عوّدت اللبنانيين على مثل تلك الخطوات، والتي لا تكاد تمحى من الذاكرة الجماعية للبنانيين. فما هي قضية الغجر وكيف تحاول إسرائيل استغلالها؟ وما يمكن ان تؤدي هذه الخطوة من نتائج سلبية؟

بالعودة إلى العام 1967 عندما احتلت إسرائيل هضبة الجولان السورية، أقدمت على ضم هذه القرية التي تقع ضمن المثلث اللبناني السوري الإسرائيلي.وخضعت في حينها لقوات "الاندوف". لكن المشكلة ما لبثت ان برزت إبان الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط من غالبية الأراضي اللبنانية المحتلة في العام 2000، إذ عمدت قوات الطوارئ في لبنان "اليونيفل" إلى تقسيم هذه القرية وفقا للخط الأزرق الذي وضع ثلث أراضيها الشمالية في الجانب اللبناني وثلثيها الآخرين ضمن المنطقة السورية المحتلة، في الشمال قوات "اليونيفل" وفي الجنوب "الاندوف"، وبين الاثنتين وقع أهاليها الألفي نسمة تحت رحمة مزدوجة إسرائيلية وأممية، تخفي ورائها قضايا إنسانية وسياسية لا تقل خطورة عن قضية الاحتلال بحد ذاتها. وفي مطلق الأحوال أطلقت إسرائيل العنان لهذا الفخ في ظروف لبنانية حساسة تعطيها المزيد من إمكانات الاستثمار السياسي والأمني في الواقع اللبناني الصعب.

فالخطوة الإسرائيلية التي لا تعتبر جديدة بل عمرها سنوات وبالتحديد إلى العام 2006 ربطا بالقرار 1701، يأتي حاليا في سياق جو دولي ضاغط على لبنان، على قاعدة القرار الظني بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومن هنا تبدو عملية الضم والفرز في الاستثمار الإسرائيلي لهذا العرض المفخخ. فمن جهة تظهّر إسرائيل صورة دبلوماسية لامعة في المجتمع الدولي مفادها الركض وراء السلام بانسحابها من أراضٍ لبنانية محتلة، وفي نفس الوقت تحرج لبنان ومقاومته في حال رفض العرض؛ ما يعني بنظر المجتمع الدولي ان المقاومة ولبنان لا يستجيبان للدعوات الإسرائيلية إذ يصبح الغطاء الشرعي للمقاومة أكثر هشاشة في الواقع الداخلي اللبناني والخارجي، والذي يترافق مع هجمة دولية هائلة من باب المحكمة الخاصة بلبنان وقرارها الظني.

في موازاة ذلك يأتي القرار الإسرائيلي مترافقا مع تسريبات سياسية وأمنية واستخبارية مفادها عدم أحقية لبنان بأي مطالبات أخرى، ومن بينها المطالبة بالانسحاب من مزارع شبعا وتلال كفر شوبا المحتلتين من قبل إسرائيل. ما يعني ان هذا الانسحاب سيكون بمثابة ختام الانسحابات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، وبالتالي محاولة إغلاق الملفات الأخرى من أراض ومياه وخروقات يومية موصوفة.

علاوة على ذلك، ان المقترح الإسرائيلي سيشكل مناسبة قوية لفئة من اللبنانيين مفادها، ان الوسائل الدبلوماسية هي الطريق الأقصر لإجبار إسرائيل على انسحابها من الأراضي اللبنانية، وبالتالي رسالة واضحة للمقاومة الإسلامية في لبنان لوجوب الرضوخ لتسليم سلاحها وهو الهدف الأول والأخير للقرار الظني للمحكمة الخاصة بلبنان كما هدف إسرائيل الذي لا يقدر بثمن.

ومن المفارقات الغربية لقرار الحكومة الإسرائيلية المصغرة، إطلاق المشروع دون تنسيق، لا مع الأمم المتحدة ولا بالواسطة مع لبنانين، وبالتالي بقاء التحرك ضبابيا غير معروف التوقيت أو التداعيات المباشرة وغير المباشرة على سكان البلدة الذين يحملون الهوية الإسرائيلية وهم سوريو التابعية في الأساس ويعيش قسم منهم على الأراضي اللبنانية المحتلة أيضا.

ان الفخ الذي نصبته إسرائيل، ذات دلالات وخلفيات وتداعيات سياسية وأمنية وإنسانية متعددة. انه محاولة لتلميع صورتها الدولية بعد إفشالها المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، كما محاولة لرمي الكرة في الملعب اللبناني، إضافة إلى التخلص من منطقة هي بمثابة الشماعة الإسرائيلية غير الرابحة واقعيا بمواجهة المقاومة لاحقا، علاوة على الواقع الإنساني السيئ الذي ستحدثه جراء تقسيم البلدة بعائلاتها وواقعها الاجتماعي والمعيشي.

ربما يكون موقفا محرجا للبنان، فهو غير قادر على رفضه باعتبار إجراءً إسرائيليا من جانب واحد أولا، ولا يحسم قضية الملفات الأخرى ثانيا، لكنه في المقابل إجراء يسترجع لبنان أرضا محتلة بصرف النظر عن مساحتها ووضعها القانوني. ربما يعوز لبنان في هذه المرحلة تحركا دوليا قويا للالتفاف على الأهداف الإسرائيلية، عبر جعل هذا الإجراء ضمن عملية متكاملة وغير منفصلة عن مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، وهذا ما تتحسب له إسرائيل وتحاول إفشاله ضمن منظومة من التسريبات والمواقف ذات الصلة بحجم الانسحاب ومساحته وتداعياته.

ان سجل إسرائيل الحافل بالاعتداءات على لبنان واحتلال أراضيه، يفيد أيضا ان إسرائيل لم تنسحب يوما من أي ارض محتلة بإرادتها، بل كانت إما مجبرة بفعل المقاومة وإما بفعل عمليات لا تعدو إعادة تموضع عسكري أو امني يكون محاولة حل لمشاكلها ومآزقها في لبنان. وفي كلا الحالتين ثمة ضرورة للتيقّظ وعدم الوقوع في فخ حاولت إيقاع لبنان به منذ سنوات، أما خطورة الأمر حاليا ما يتم ربطه بملفات داخلية متنوعة وأبرزها ما يحاك من قرار ظني ضد حزب الله، الذي يعتبر نفسه "أم الصبي" في قضية الغجر وغيرها من الأراضي المحتلة.

د. خليل حسين

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية