حول اشتغالات محمد أحمد البنكي النقدية

كتب - عبدالحق ميفراني
لأن الكتابة تنقذنا من الموت

الى روح الناقد البحريني محمد أحمد البنكي {1963ـ2010}

"إرجاء مغاير" هو الإصدار الثاني من سلسلة "أطياف"، السلسلة الفكرية التي ارتأت وزارة الثقافة البحرينية أن تقدمها "للقارئ المهتم بالشأن الثقافي من أجل تعزيز التناغم بين الثقافات المختلفة"، بهذا التصدير تقدم وزيرة الثقافة مي بنت محمد آل خليفة إصدارا يعكس جزءا من جهود الناقد المبدع محمد أحمد البنكي مؤسس مشروع "تاء الشباب" والذي سبق أن دشن إصداره الأول/2009 بـ"دريدا بأثر رجئي".

"إرجاء مغاير" يضم دراسات حول اشتغالات محمد أحمد البنكي النقدية، وقامت بتنسيق مواده رندة فاروق رفيقة الراحل في ترسيخ "أفق ثقافي مختلف". سلسلة أطياف تندرج في إطار اختيار الذهاب في طريق البحث في فكر الناقد البحريني محمد أحمد البنكي. لكن، هذه المرة بالإبحار "في تناول فكره وأسلوبه النقدي"، من خلال حوار نقدي داخلي فاعل ومؤسس.

الكتاب يعرف مساهمة للعديد من الباحثين والنقاد العرب مع تقديم راصد للكاتبة رندة فاروق، ويفتتح الباحث محمد شوقي الزين {جامعة بروفانس/ فرنسا} باب الدراسات، ب"محمد أحمد البنكي التفكير الرجئي: مدخل الى فلسفة واعدة" من خلال التركيز على مفهوم "الرجئية" التي بلورها الراحل محمد أحمد البنكي حتى في إنتاجه الأدبي والصحفي والمهني كمحاولة جريئة في وضع الماضي موضع سؤال، و"الحاضر" سؤال أسئلته النقدية والفكرية والثقافية. "الرجئية" كفلسفة في الفعل وفي الأداء، وهي امتداد نقدي وفلسفي وجمالي يمكن أن تصبح مفهوما قائما بذاته له جذوره التقنية وملابساته الفكرية وأيضا حقول تطبيقاته في الأدب والفلسفة والفن والسياسة والأخلاق. لذلك، يؤكد الباحث محمد شوقي الزين، أن هذه المفردة/ "الفكرة" تحتاج الى إعادة التشكل.

الناقد عبدالله محمد الغذامي {أستاذ النقد والنظرية بجامعة الملك سعود} يتوقف عند اشتغالات الراحل محمد أحمد البنكي في "اللسان السؤول/ المستكشف والكاشف" من خلال ما يسمه به بالراصد لشهوة الأسئلة حيث يلاحقه السؤال المعرفي ويلاحق هو السؤال في دائرة متصلة ومتفاعلة، ولعل كتابه "دريدا عربيا: قراءة التفكيك في الفكر النقدي العربي" نموذج فعلي للعمل التفعيلي لمقولة القراءة بمعناها النقدي المعرفي الحديث، متخذا لعبة الاستثمار والتحويل مجالا للقراءة وليس للحكم والقطع، في النهاية ترك الراحل كتابا "بوصفه مباراة ذهنية في شهوة الأسئلة".

ويكتب المفكر عبدالسلام بنعبدالعالي {كلية الآداب بالرباط} "في ترجمة "مفهوم" لا يقبل الترجمة" عن الترجمة والبنكي، من خلال تقديمه لمسار "الخيبة الملازمة لعملية الترجمة" لDifférance والتي أوصلته لمفهوم "الأثر الرجئي"/ ترجمة محمد أحمد البنكي، وهي "عبارة إشكالية تحيل الى العبارة الأولى وتتملص منها في آن واحد.."رجئي" كلمة جدلية تفتح على المستقبل في حين يذهب "الأثر الرجعي" الى الماضي وهنا مكمن التشاكل والاختلاف".

الباحثة ضياء عبدالله خميس الكعبي {كلية الآداب/ البحرين}، رصدت في مقالها "البنكي وأطياف قاسم" ثلاث مقالات نقدية نشرت للراحل البنكي كان موضوعها قاسم حداد في إبداعاته، وبحكم أن الناقد الراحل كان مولعا بالبحث والتجريب عن أدوات منهجية معرفية يرتضيها مسبارا لتفكيك نصوص إبداعية ونقدية وفكرية، فقد استثمر "اللعب الدريدي" منشغلا بالبحث عن خلفية منهجية إطارية تسمح له بتفكيك تجربة قاسم حداد.

الناقد عبدالله بريمي {كلية الآداب الرشيدية}، توقف في "أطياف المعنى التفكيكية ومطاردة العلامات" عند التفكير التفكيكي مستقصيا أهم مفاهيمه بالتحليل والنقد، كجزء من الوفاء لقراءات الراحل البنكي الذي أسهم في هذا الأفق، بوصفه أثرا متفردا. يتوقف الناقد عند الاختلاف الرجئي، تفكيك وانتقاد العلامة اللسانية، العلامة تحت المحو، المعنى والتكرارية، لامحدودية السياق، انتفاء القصدية والسؤال البلاغي.

المفكر اللبناني علي حرب وجه التحية للبنكي من خلال التوقف عند "رحيل جاك دريدا" والتفكيك الدريدي، إذ يعرب المفكر اللبناني عن أن النقد التفكيكي يتجاوز دريدا لكي يشمل معظم مفكري ما بعد الحداثة، وبالأخص ميشيل فوكو الذي اقتحم أعماله، مناطق كانت مرذولة من قبل العقل الفلسفي. جاك دريدا أو "فيلسوف المفارقات" كما يسمه علي حرب، أسهمت أعماله في تغيير المشهد الفكري، كما أن اهتمام البنكي بدريدا هي أشبه ما تكون بالعلاقة الصوفية، اهتمام فلسفي وجودي منبعه ومحركه إرادة الفهم وشغف المعرفة.

الناقد إدريس الخضراوي يعود في "التفكيك والثقافة العربية: كتاب "دريدا عربيا" لمحمد أحمد البنكي نموذجا" للكتاب القيم الذي تركه الراحل، والذي يمثل فرضية محددة تختبر إمكانات الإصغاء لنبض القراءة العربية للفكر الدريدي ومستوى التملك المفاهيمي لكتاباته، وحدود الوعي لعلاقاته الملتبسة بالثقافة العربية. قراءة البنكي مثلت تمحيصا لمتن القراءات العربية ل"دريدا" في الفكر النقدي العربي، والإنصات لنبضه ورصد التمفصلات الكبرى في تاريخ تشكله، اعتمادا على جملة من المفاهيم الإجرائية لقراءة علاقة الثقافة العربية بالمرجعيات الفكرية التي تتفاعل معها سواء من موقع المطابقة أما الاختلاف.

الناقد نادر كاظم {كلية الآداب/ البحرين} تحدث عن "أسلوب محمد البنكي الأخير" مرثية عميقة في فكر البنكي. فكرة "عدم الاكتمال" تلك الفكرة الدريدية بامتياز، وفكرة الحضور/ الغياب في عمق معرفي آسر. رفيق البنكي يتوقف عند أهم محطات الراحل المهنية والصحفية والنقدية، ليعيد في النهاية رسم بورتريه الحضور الدائم لناقد أصر أن يستضيفنا دائما، حتى في غيابه.

الناقد حسام فتحي توقف عند "الموت تحت علامة شطب {عن النكران والكتابة والحداد}"، ولأن الكتابة تنقذنا من الموت، والاستغراق في بدلية نكران الموت والتماهي معه. ويثير الناقد علاقة البنكي بـ"المشروع" وبـ"عابر سبيل"، المشروع المرتبط بالامتلاك، وعابر سبيل المرتبط بالموت الذي حمله البنكي معه، لذلك هو الأقدر على ممارسة التفكيك في نفسه وفي غيره، فيعري بمجرد وجوده قيم الحضور والحقيقة والامتلاك.

الناقد محمد جودات {جامعة الحسن الثاني/ الدارالبيضاء}، قدم دراسته "جاك دريدا أو الذات المتعددة" كإهداء للراحل البنكي الذي أسهم في ممارسة الفلسفة الدريدية على صعيد الثقافة العربية. الدخول الى عالم دريدا يبقى مغامرة وإبحار في عالم معتم وشاق. وقد أسعف الانشغال الأنتروبولوجي عند الناقد في تلمس مساحات جديدة داخل الفكر التفكيكي.

المترجم والناقد رشيد بوطيب رصد "رحلة مفهوم" وهي جزء من نص منشور في مجلة أدبية ألمانية تحت عنوان "تصورات الآخر". فأمام يوتوبيا جديدة، نظام بدون قواعد محددة وبدون انتماء، يوتوبيا بدون أمل قاتل. يمكننا الانفتاح على ما وسمه دريدا بسياسة ضعيفة بعيدة عن مفهوم الانتماء، وضدا على مفهوم الأخوانية. أن نعيش مع الآخرين في هذا العالم، أن نقتسم العالم والحقيقة معهم.

ينهي الناقد سمير محمد مندي ملف "أطياف" عن الراحل محمد أحمد البنكي، بترجمة مقالتين إحداهما عن تجربة قراءة دريدا، وما قد يكتنف هذه التجربة من صعوبة وغموض، والأخرى تسجل نقاشا دار بين دريدا وسيرل.

وهكذا يلتقي الجميع في ضيافة محمد أحمد البنكي وفي "دريدا عربيا" وهذه المرة، مراجعة بالتقصي والبحث. يستضيف الراحل أصدقاءه وقرائه لقراءة جزء من مشروع التفكيكية في اللااكتمال، من منظور تحيين القراءة الدائمة وهذا درس آخر يذكرنا به الراحل حين ترك كتابا أشبه بـ"مشروع مفتوح للبحث" لهذا الراهن الذي لا زلنا في ثقافتنا العربية نميل أن نجعله لاحقا للماضي، وهذا "إرجاء مغاير" ينضاف لسابقيه.