وزيرتان من أصل جزائري في حكومة ساركوزي الجديدة

قاسم دموي مشترك يجمع بين وزيرتين

باريس - قاسم دموي مشترك يجمع بين وزيرتين من أصل جزائري ضمتهما الحكومة الفرنسية الجديدة، وهما العربيتان الوحيدتان أصلا فيها، الدكتورة بالقانون، جانيت بوغراب، التي تولت حقيبة سكرتارية الدولة للشباب، والطبيبة نورا بيرّا، التي أسندت إليها سكرتارية الدولة لشؤون الصحة لدى وزير العمل والوظيفة والصحة العامة.

كل من الوزيرتين هي ابنة جندي سابق بالجيش الفرنسي، أحدهما سجنوه 5 سنوات أثناء الحرب العالمية الثانية، فيما قاتل الثاني مع الجيش الفرنسي بالجزائر ضد بلاده وثوارها من جبهة التحرير الوطني، الساعين بكل الغالي عليهم لتحرير البلاد في خمسينات القرن الماضي لتنال الاستقلال عن فرنسا، فنال أرفع وسام تكريم.

أينما تقرأ عن جانيب بوغراب ستجدها مثيرة للجدل، فقد أثارت استياء مسلمي فرنسا العام الماضي والحالي، ومن دون أن يطلب منها أحد، حين ساندت دار حضانة فرنسية قاضتها معلمة مسلمة لإقدام إدارتها على طردها من المعهد لارتدائها الحجاب، وساندت طوال هذا العام القانون المثير للجدل والذي أدى لحظر شامل على النقاب في فرنسا. كما لفتت الأنظار عندما عملت بإدارة مجلس التحليلات الاجتماعية، وناصرت زواج المثليين، بل والسماح لهم بتبني الأطفال.

لكن موقفها من الحجاب بالذات "سارع بإصدار قرارا جمهوري تم بموجبه تعيينها في مارس/آذار الماضي رئيسة للسلطة الفرنسية العليا لمكافحة التمييز ومن أجل المساواة، المعروفة اختصارا باسم "هالد" لدى الفرنسيين" بحسب ما يقولون، وهو تعيين وصفوه بأنه كان مفاجئا للجميع، لأن الاشتراكيين كانوا ينتظرون إسناد المنصب لرفيقهم، الجزائري الأصل مالك بوطيح، لكنه كان من نصيبها لأنها من الحزب الحاكم.

وكانت بوغراب مرشحة عن الحزب بالانتخابات التشريعية في 2007 عن دائرة هي قلعة للخصوم الاشتراكيين، وهي الدائرة الثامنة عشرة من باريس، ففشلت بالطبع، فتم تعيينها في العام نفسه مسؤولة عن الطلبات التي تقدم إلى مجلس الدولة. كما أصبحت عضوا بمجلس إدارة "معهد العالم العربي" الذي يرأسه دومينيك بوديس، وهو متزوج من جزائرية الأصل أيضا وعاش في بيروت طوال معظم سنوات الحرب الأهلية كمراسل صحافي.

يقولون ويكتبون أيضا عن بو غراب، التي أبصرت النور قبل37 سنة في بلدة "ديول" باقليم "أندر" في الوسط الفرنسي، أنها تفتخر دائما أمام الكاميرات التلفزيونية الفرنسية بأنها لا تصوم رمضان، وأنها من أبوين جزائريين أميين تقريبا، وكان والدها الذي عمل لسنوات كعامل بسيط في أحد مصانع التعدين الفرنسية مقاتلا في ما بعد من "الحركيين" الى جانب فرنسا في حربها ضد استقلال الجزائر.

واسم "الحركيون" أو "الحركي" هو خاص بكل جزائري خدم في الجيش الفرنسي أثناء الثورة الجزائرية التي احتدمت بدءا من 1954 حتى 1962 المعروف بعام الاستقلال، وهم فئة استعملتهم فرنسا في قمع "المجاهدين الجزائريين" والتجسس عليهم، ووالدها كان من هذه الفئة ونال وسام جوقة الشرف، وهو أعلى تكريم رسمي في فرنسا التي بقي حتى 1967 يخدم في جيشها، لذلك أقدم رجال من جبهة التحرير الوطني الجزائرية على الانتقام منه وقاموا في 1955 بذبح أبويه.

مع ذلك قالت بوغراب في مقابلة مع صحيفة "لو فيغارو" في سبتمبر/أيلول الماضي، إن والدها كان يعلمها الإخلاص لفرنسا، إلى درجة زرع هذا الحب في شقيقها الصغير، فانضم إلى الجيش الفرنسي وحارب في كوسوفو وخدم في ساحل العاج وما زال في الجيش إلى الآن.

أما الفئة الثانية من "الحركيين" فهم مجموعة من الجزائريين اختاروا الانضمام إلى الجيش الفرنسي بإرادتهم، ومن دون إكراه أو إلزام، ومعظمهم شارك في الحرب العالمية الأولى أو الثانية، أو حتى حرب الهند الصينية الى جانب فرنسا.

وبوغارت حاصلة على الدكتوراه في القانون الدولي في 2002 من جامعة السوربون.

وقبلها بخمس سنوات تخرجت بماجستير في الحقوق من جامعة اورليان، وهي ما زالت عزباء لم تتزوج الآن، وأحيانا تذكر أن جدها قاتل في الحرب العالمية الأولى "وكان كوالدي، نزفت منه دماء كثيرة في المعارك" وفق تعبيرها.

ابنة حامل البندقية في فرقة للمدفعيةأما نورا بيرّا، التي كانت تتولى في حكومة فرانسوا فيون السابقة وزارة الدولة لشؤون المسنين منذ منتصف العام الماضي، فأبصرت النور في 1963 بمدينة ليون الفرنسية. وهي أيضا ابنة جزائري من مدينة المسيلة وهاجر في 1937 إلى فرنسا، وحارب كحامل بندقية في جيشها ضمن سلاح المدفعية، إلا أنه لم يقم بما يعيب ابنته، سوى أن النازيين اعتقلوه منذ بداية الحرب العالمية الثانية وسجنوه 5 سنوات، ولأسباب غير معروفة وليست واردة في السجلات المكتوبة عن نورا المتزوجة والأم لابنين، عمرهما 16 و14 سنة.

ونورا هي الابنة الخامسة لعائلة من 11 ابنا عاشوا جميعهم في فقر مدقع بفرنسا، مع ذلك درست الطب في جامعة وهران الجزائرية وتخرجت منها بامتياز، وحين عادت الى فرنسا عملت في مجال الصحة العامة داخل مستشفيات تابعة لدائرة الهجرة، ناشطة في الوقت نفسه بالحقل السياسي حتى فاجأت الجميع ببداية العام الماضي حين أصبحت عضوا في البرلمان الأوروبي لولاية من 5 سنوات، ممثلة فيه لجنوب شرق فرنسا عن "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية".

وتفخر بيرّا دائما بأنها تلقت تربيتها من أبوين كانا يصران على تربيتها على الطريقة الجزائرية والإسلامية، لذلك تكرر باستمرار هويتها كمسلمة معتدلة لا تجد في الإسلام أي مشكلة للأوروبيين.

وتكرر دائما أيضا بأنها من عائلة مكافحين "فجدي قاتل في الحرب العالمية الأولى، ووالدي في الثانية، وأمي قامت بمعارك أكبر، فقد ربت 11 ولدا عاركوا الفقر في الحياة. أما أنا فحظي كبير لأنني عربية الأصل ولدت وأعيش في دولة علمانية منحتني الفرص التي أستحقها" على حد تعبيرها في مقابلة قبل شهرين أجرتها معها في سبتمبر/أيلول الماضي مجلة للمغاربيين بالفرنسية واسمها "سلام نيوز".