الانتخابات الأردنية: قرار حرب في زمن السلم.. فليكن التاسع من نوفمبر عيدا للعشائر في الأردن

بقلم: سمير عبيد

أن أقل ما يقال عن القرار الملكي بإجراء الانتخابات النيابية في الأردن، بأنه قرار حكيم وشجاع، وحريص على مستقبل الأردن والأردنيين، لا بل هو قرار حرب في زمن السلم، وجاء بتوقيت إستباقي حتمته المخاطر المحيطة بالأردن والظروف الداخلية والخارجية، وبعد أن تيقن العاهل الأردني بأن العالم قد تغير لصالح القطرية والأطر الضيقة، وخصوصا في الوطن العربي، فجاء قرار أجراء الانتخابات النيابية ليكون بمثابة الانفجار الذي نسف الجسور التي تحركت وتتحرك فوقها الفتنة وأصحابها بإتجاه الأردن، وبهذا يُفترض أن يكون يوم التاسع من نوفمبر عيدا للقبائل والعشائر الأردنية بشكل خاص، وعيدا للوحدة الوطنية الأردنية بشكل عام، لأنه اليوم الذي فتحت فيه البوابة السياسية والبرلمانية لأبناء القبائل ليدخلوا فيها وبأعداد كبيرة، ويكونوا جزء من المعادلة السياسية، بل الجزء الأهم في التوقيت الأهم.

ولقد لبى أبناء القبائل في الأردن نداء ملكهم، ونجحوا في اختيار ممثليهم في البرلمان، وعلى الرغم من حداثة تجربتهم وعلى الأقل من المنظور النظري، ولكن من المنظور الجوهري والإستراتيجي هناك حسابات أردنية بعيدة، وبعد أن تيقنت القيادة في الأردن، وعلى رأسها العاهل الأردني عبد الله الثاني بأن لا أحد للأردن غير الأردنيين أنفسهم بعد أن دب التقاعس والفرقة والهوان في أوصال الأنظمة العربية، ولقد أنعكس هذا الهوان على جميع المنظمات التي تمثل العرب، وفي مقدمتها "الجامعة العربية" وأنها القراءة الصحيحة من قبل القيادة في الأردن، ومن هذا المنطلق وضعت الأردن الإستراتيجيات الإستباقية لصد المخططات الإقليمية والإسرائيلية وحتى العربية ـ مع الأسف ـ ضد الأردن، ولكن هذا لا يكفي، وأن القيادة في الأردن تعرف بأن هذه الخطوة لا تكفي، ويجب أن تلحقها خطوات أخرى تقوي المصدات والموانع ضد تلك المخططات الخطيرة، ولقد كان لكاتب المقال شرف التنبيه لتلك المخاطر الإقليمية والإسرائيلية، ومن منطلق عربي وقومي، لأن العبث في الأردن ـ لا سمح الله ـ يؤدي الى كارثة عربية تشمل "الضفة الغربية، وغزة، والعراق، وسوريا، ومصر، والسعودية" ولهذا تم اختيار الأردن من قبل المخططين الإقليميين الذين يخططون ومنذ ثلاثين عاما لمشروع توسعي إقليمي كبير يؤمن بتصدير الأفكار السياسية والمذهبية والعقائدية والقومية والثقافية نحو العراق والأردن والدول العربية، والإنطلاق نحو شمال أفريقيا وضفتي البحر الأحمر، ولقد نجح هؤلاء الإقليميون من نشر الخلايا السرية والنائمة في الأردن وبقية الدول العربية من جهة، وتبنى هؤلاء بعض الحركات والأحزاب الإسلامية في الأردن والمنطقة العربية من جهة أخرى، وعندما نجحوا بالعزف على الوتر العاطفي والفلسطيني والإسلامي، وحال ميول تلك الأحزاب والحركات نحوهم سارعوا لإغراقهم بالمال والهبات والقصور والإمتيازات فأصبحوا جزءا من مشروع هذه الدولة الإقليمية لا بل أخذوا على عاتقهم التبشير والكسب الشعبي والسياسي والمذهبي لهذا المشروع الإقليمي التوسعي.

لا بل تمادت هذه الدولة الإقليمية فنسجت مخطط متكامل لـ "حكم وأدارة الأردن" وانطلاقا من العراق، وسوريا، وغزة، ومصر وبعد أن نجحت من التدخل والتغلغل والتحرك في هذه المناطق والدول، ولقد أصبح هناك سباقا بين المشروع القومي التوسعي الذي ترعاه تلك الدولة الإقليمية، والذي حرصت أن يرتدي مشروعها لباس الدين وعمامة أهل البيت ويتباكى على فلسطين وقضيتها، وبين المشروع الإسرائيلي الذي يريد للأردن أن يكون " الوطن البديل" للفلسطينيين ومن خلال مشروع " الترانسفير الاختياري" الذي مارسته إسرائيل في الضفة الغربية نحو غور الأردن، ومشروع الأغراء والقضم والحراك الديمغرافي في مناطق أخرى في فلسطين، والهدف هو دفع الفلسطينيين نحو الأردن ومن خلال سياسة الترغيب والترهيب، وحال اكتمال هذا المخطط سوف تندفع الدولة الإقليمية نحو الأردن لتنصب "القيادة التي أعدتها للأردن" ومثلما حصل في العراق عندما دفعت بالمجموعات العراقية الموالية لها نحو الحكم والسلطة والإدارة في العراق، ففرضت مشاطرة كاملة بأدارة العراق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالتالي فالمشروع الإقليمي والمشروع الإسرائيلي يكملان بعضهما البعض في الأردن، وللأسف هناك شخصيات وأجنحة إسلامية ونقابية وسياسية وحتى يسارية في الأردن قد أنغمست في المشروع الإقليمي هذا، ولهذا سارع العاهل الأردني لطرق الأبواب الأميركية والغربية والتركية والعربية منبها عن خطورة المشروع القومي لتلك الدولة الإقليمية ومشروع إسرائيل الخطير الذي يريد فرض الأردن وطنا بديلا للفلسطينيين، وعندما وجد العاهل الأردني صمتا مطبقا سارع لتقديم الانتخابات النيابية، وتحديدا عندما لم يسمع " جماعة الإخوان المسلمين" النصيحة الملكية، وعندما أصروا على الإستمرار بعلاقتهم مع تلك الدولة الإقليمية ـ وليس جميعهم ـ لا بل هناك من رفض التدخل في هذه العلاقة التي أخذت أبعادا خطيرة.

لهذه الأسباب قرر العاهل الأردني عبد الله الثاني أجراء الانتخابات، وفسح المجال للقبائل. فسارع نحو "القبائل والعشائر ليتحزم بها من أجل حماية النظام والأردن" وتكون بديلا عن جبهة الإخوان المسلمين الذين لا زالوا يصرون على القوالب القديمة سواء في الأردن أو في مصر أو فلسطين أو في العراق وبقية الدول العربية، ولقد نجح العاهل الأردني والسلطات الأردنية بقطع الطريق على مشروع الدولة الإقليمية في الأردن، وبنفس الوقت قطع الطريق على مشروع إسرائيل، ولقد نجحت الأردن أيضا بتنمية العقل الفلسطيني في الأردن بأن " حق العودة مقدس ولا وطن بديل غير فلسطين" ولقد تجسد هذا من خلال عزوف الفلسطينيين عن المشاركة في الانتخابات النيابية الأخيرة، فلقد كانت مشاركتهم لا تتعدى نسبة 15% فقط وكانت بمثابة رسالة واضحة لإسرائيل، وبنفس الوقت هي رسالة واضحة لأركان الحكومة التي أعدتها الدولة الإقليمية للأردن والتي تتكون من أسماء ووجوه فلسطينية.

ولم تغفل السلطات الأردنية عن الدور الرقابي على الانتخابات لكي تحصل على درجة النجاح في النزاهة والمصداقية، فسارعت وفتحت باب المراقبة الداخلية والخارجية، ووجهت الدعوات الى السفارات والبعثات الدبلوماسية، والى منظمات المجتمع المدني، والى المنظمات الإقليمية والدولية، ولقد حصلت على درجة النجاح الأولية من "المعهد الجمهوري الأميركي" وسارت الانتخابات، وأعلنت النتائج وبوقت قياسي نالت عليه الأردن درجة ممتازة من المنظمات العالمية، فكان الأردن رائدا حقا في إنجاح الانتخابات، والحفاظ على سلاستها ونتائجها وسرعة الإعلان عنها ولا نعتقد سوف تبقى "جبهة العمل الإسلامي" التي اخترقت من جهات عربية وإقليمية على قوتها السابقة، ولن تستطيع المضي بنفس تماسكها، ولا تستطيع فعل أي شيء بعد أن قالت "القبائل والعشائر" قولتها في المسرح السياسي والبرلمان، وأصبحت جزء من المعادلة السياسية، بل فرس الرهان بالنسبة للقصر المالكي، فلقد خرج الملك والقصر الملكي والشعب الأردني والأردن أقوى من السابق، وعندما سارع الى الانتخابات النيابية الشجاعة والتي هي بمثابة "معركة أستباقية" ضد مخططات الدولة الإقليمية وضد مخططات إسرائيل، وها هي العشائر لبت النداء الوطني وسارعت لتلتحم مع القيادة والملك في الأردن، لتقوي الجبهة الداخلية في الأردن، وبنفس الوقت بعثت برسالة واضحة لجميع المخططين والمتربصين بالأردن، بأن الأردن خط أحمر، وأن القول العشائري المنضبط أقوى من القول الحزبي المنشطر.

رسالة لعشائر وقبائل العراق والمنطقة

والحقيقة هي رسالة من قبائل وعشائر الأردن الى جميع القبائل والعشائر في الدول العربية كافة، وخصوصا في بلاد الشام والخليج والعراق لتأخذ دورها الوطني المنضبط في أدارة وقيادة هذه الدول التي تتمركز فيها، فمشاركتها في الحكم والسلطة والقرار ومن خلال أبنائها المتعلمين لهو درع واقي لهذه الدول، وحصانة ضد التشرذم والمخططات الطائفية والعرقية الوافدة، وكذلك هي رسالة خاصة لقبائل وعشائر العراق بأن تنهض من السكون والسبات لتاخذ دورها الوطني لحماية العراق والشعب العراقي من المشاريع الإقليمية الخطيرة التي تؤمن بضم العراق الى دولة إقليمية لازالت تنظر للعراق كحديقة خلفية لها، لا بل محافظة تابعة لها، وأخذ دورها الوطني في تحرير العراق من الأحتلال والأختلال والتغلغل (ما حك جلدك مثل ظفرك.. فتولى أنت جميع أمرك). فمبروك للأردن ملكا وشعبا.

سمير عبيد

كاتب عراقي وباحث في الشؤون السياسية

Sam.samir350@gmail.com