حراس الصمت: سيرة فتاة دمشقية تُدعى غادة السمان

دمشق - من راشد عيسى ورضاب فيصل نهار
إيقاع بطيء

كثيرون رأوا في فيلم "حراس الصمت" الذي عرض أخيرا في "مهرجان دمشق السينمائي الدولي الثامن عشر" سيرة الاديبة السورية المغتربة غادة السمان، وهو المأخوذ عن روايتها "الرواية المستحيلة: فسيفساء دمشقية"، غير أن صناع الفيلم، كما الكاتبة، يصرون على أن فيه مجرد أصداء من السيرة الذاتية للكاتبة دمشقية المولد.

الفيلم، الذي أخرجه سمير ذكرى هو حكاية فتاة دمشقية، تتحدى بالكتابة التقاليد الصارمة والأعراف الاجتماعية السائدة في زمنها، فيكون انتصارها أولا بإثبات نفسها كاتبة تتحدى حراس الصمت والممنوع والحرام.

يتابع الفيلم نشأة هذه الكاتبة التي تشهد بأم العين مقتل بنت مشكوك بعذريتها لمجرد تأخر في دورتها الشهرية، ثم تتوالى الاكتشافات والحكايات، إلى أن تكتشف البنت، واسمها هنا زين (تؤديها نجلاء الخمري) أن أمها أيضا قضت مقتولة بعد أن رفض العم عرضها على طبيب.

وفي محاولاتها الدؤوبة لمعرفة أسباب مقتل الأم تصطدم زين بجدار كتيمة من الصمت. إلى أن تتعرض هي نفسها إلى طلقات في ظهرها من قبل أولاد العمومة، حراس الصمت والممنوع والحرام. غير أن ذلك لا يمنعها من مواصلة الحكاية، الحكايات التي تكتبها للناس.

ويرى البعض أن الفيلم يصور بعض ملامح الحارة الدمشقية ولكن بشكل غير نمطي مختلف عن الدراما، فهي "واقعية فعلاً وفيها شرائح متعددة ومتنوعة وليست مقتصرة على شريحة واحدة مثلما تصورها لنا المسلسلات التلفزيونية، وحارة الفيلم تضم الجهلة والمثقفين من رجالٍ ونساء وتبين الصراع الأساسي الذي يدور بينهم".

ويقول مخرج الفيلم في حوار سابق "ما يهمني أن الفيلم مقطع من حياة سوريا، منذ العام 1945، العام الذي ولدت فيه بطلة العمل، وحتى العام 1957، أي قبيل الوحدة السورية المصرية".

ويتميز الفيلم بكثرة اللقطات الشاعرية التي تتكامل لتبدو وكأنها لوحةً مرسومةً بإتقانٍ ومع أن هذه الرومانسية والشفافية التي في الفيلم ساعدت على معالجة موضوع "حقوق المرأة" بطريقة درامية سلسة، إلا أنها كانت شبيهة بالصورة النمطية التي تقدمها السينما السورية للمرأة.

وتقول الناقدة السينمائية نور أتاسي "يحسب للفيلم أنه قدم دمشق في فترة الأربعينيات والخمسينيات كما لم نراها من قبل في السينما أو في الدراما التلفزيونية، بشكل حضاري ومتحرر".

وتضيف "خاصة بما يتعلق بصورة المرأة، فهي هنا الطالبة وصاحبة الرأي والتي ترقص وتحب وتخرج في المظاهرات".

ولا يخفى أن الفيلم يحاول أن يقدم أطياف الحياة الاجتماعية والسياسية في تلك الفترة، كما لا تخفى محاولته تقديم ذلك بالصورة والحركة، لا بالكلام وحده.

فخلال مشهد تتعلم فيه مجموعة من الفتيات رقص الباليه سنرى كل الأحزاب الفاعلة عبر محاولة الفتيات استقطاب زميلتهن زين. الحوار كله يجري والرقص مستمر، فهذه تنتمي إلى "حزب البعث"، وتلك إلى "الحزب القومي السوري"، هذه تدعوها إلى ارتداء الحجاب، وتلك إلى اجتماع حزبي. كانت محاولة جميلة ولو أنها تحتاج إلى رشاقة وخفة أكبر.

ومرة أخرى سنرى تاريخ سوريا كله على جدار في غرفة الجدة (أدتها الممثلة نجاح حفيظ) التي وضعت صور الزعماء والرؤساء الذين مروا على البلد، تجمعهم على الجدار مثل هواة جمع الطوابع، منتظرة بشغف صورة الزعيم المقبل، من دون أن تتخلى عن الصور القديمة.

الناقدة أتاسي أشارت أيضا إلى "إيقاع الفيلم البطيء"، وتقول "إن سببه مشكلة السرد، فبينما أنت تتابع شخصية البطلة زين، تجد نفسك أمام شخصيات أخرى تروي حكاياتها كما لو كان كل منها فيلما مستقلا".

وتشرح الناقدة "يروي الفيلم قصص الخادمة التي تتزوج ابن الباشا، ولكن ليجري التعامل معها على أنها خادمة من جديد، وحكاية العم الذي أسهم بقتل الوالدة بعدم قبوله عرضها على طبيب، فيعذبه جسده في شيخوخته تعبيرا متأخرا عن الذنب، وسواها من الحكايات التي تثقل الفيلم".

الناقد السينمائي بشار ابراهيم يقول كذلك "الفيلم جاء مثقلا بحمولة أدبية أكبر مما يحتمل فيلم يمكن للعموم مشاهدته"، وأضاف "قام المخرج بتشظية الحكاية مما خلق صعوبة في التلقي".

ويختم ابراهيم "أسلوب كسر الإيهام، والتوجه للمتفرج مباشرة بالروي، زاد من غربة المتلقي وأبقاه على مسافة من شخصيات الفيلم".