الترجمة تُعرّب قصائد جان سالمة وُتفقدها روحها

بيروت
إعادة خلق أم إساءة للمحتوى؟

تعيد مجموعة الروائي اللبناني جان سالمة الشعرية المكتوبة بالفرنسية والتي ترجم عدد من الشعراء والادباء قصائدها الى العربية طرح أسئلة قديمة عن ترجمة الشعر والى أي مدى هي ممكنة دون أن تتحول الترجمة الى "اعادة خلق" قد تشبه الاصل أو تبتعد عنه.

وماذا اذا ترجم غير شاعر قصيدة ما الى اللغة العربية وجاءت الترجمات قليلة الشبه بعضها ببعض.. هل يمكن اعتبار هذا الاختلاف عائدا الى قدرة شاعر ما على نقل ما قاله الشاعر الاساسي المترجم له ام نقول ان القصيدة الاساسية تحولت هي نفسها الى ما يشبه التجربة الشعورية اي الى موضوع شعري والذي يقوم بالترجمة في هذه الحال يتفاعل معها بطريقة مختلفة عن تفاعل مترجم اخر معها.

يجرنا هذا الى اسئلة منها اين هي في القصيدة المترجمة حصة الشاعر وحصة المترجم. نشعر احيانا كأن المترجم اخذ موضوعا هنا وعبر عنه من خلال تفاعله معه ومن خلال ثقافته وذوقه والثقافة والذوق يختلفان من شخص الى اخر.

نقرأ بعض قصائد سالمة بالفرنسية فتخلق في انفسنا اجواء معينة ولا نلبث ان نقرأ ترجمة معينة لها ويشعر البعض بان الترجمة الشعرية اتية من عالم مختلف ينقلنا بعضه الى عالم الكلاسيكية العربية ودويها بينما كتب سالمة بهدوء وبما يشبه ما اطلق عليه الناقد المصري الراحل الدكتور محمد مندور تعبير "الشعر المهموس" في حديثه عن قصيدة "أخي" لميخائيل نعيمة.

اذن هل يمكن ان نلتقي الشاعر نفسه من خلال قصيدة مترجمة له؟

يبدو ان الجواب هو انه يمكن ان نلتقيه الى حد بعيد. وبعض الترجمات تحافظ احيانا لا على روحية القصيدة المترجمة بل على شكلها التعبيري او تاتي قريبة جدا منه.

وفي أي حال فأمامنا هنا عمل شعري بالفرنسية تحت عنوان " قصائد" كما ورد بالترجمة العربية وردت فيه 14 قصيدة.

وبلغ عدد الصفحات الفرنسية 117 صفحة متوسطة القطع والعربية 131 صفحة. الصفحات انيقة والغلاف أيضا وفي الكتاب رسوم فنية.

أجواء القصائد الفرنسية اجمالا هادئة خفيضة الصوت بنبض فيه بساطة وبوح وجداني أحيانا أما القافية حيث ترد والايقاع فمموسقان بقدر كبير من الهدوء.

نقرأ مطلع قصيدة "معا" التي ترجمها الى العربية الدكتور عصام حداد. يقول "الليل داج وكل ما حولي ساج/ الا أنا وحدي تعبان سهران/ كأنما شدّت الى النيراـ عيناي/ كامد ولكني صامد كما لي في الاعاصير".

نلاحظ هنا بلاغة وفصاحة النص العربي ومتانته الا أنه قد لا يذكرنا تماما نبضا وايقاعا بما كتبه سالمة بالفرنسية بقدر ما نتذكر خطبا قديمة من مثل "ليل داج وسماء ذات ابراج..."الخ.

الشاعر ريمون عازار في ترجمتة قصيدة "عشرة أعوام" كان اشد موسقة في الايقاع والقافية فيقول في بداية القصيدة واضعا القارىء في اجواء النص الاصلي "عشرة مرّت وجرحي ما اندمل/ عجبا من قال أحيا بعد اعصار جلل../ كل شيء ينتهي.. كل شيء ينطوي ( وحده الحب.. فلا يطوى) ويبقى في تلاوين الازل".

قصيدة "أحاج" نقلها الى العربية اثنان متعاونان هما أمين لطف الله وجوليا زيدان.

اسلوب المترجمين القريب من اجوء قصيدة النثر او "الشعر المنثور" على الاقل جعلا النص يتلاءم الى حد بعيد مع الاصل الفرنسي.

وننتقل الى اسم اخر من اسماء مقدري جان سالمة وهو الدكتور يوسف شريم في ترجمته قصيدة "أكاليل الغار". يأتي النص ربما سيرا مع الاصل الفرنسي شعرا كلاسيكيا خطابيا مدويا.

يقول "أنت لبنان كنت تغفو بماض ولديك التحولات الكبار مقصد الفاتحين أرضا ودنيا والاساطير والقنا والغبار".

وكذلك ترجمة الشاعر جورج شكور لقصيدة "أمس" التي تذكرنا بأجواء من قصيدة "وطن النجوم" لايليا أبي ماضي. ففي الترجمة التقاط لاجواء الحنين الى زمن أفل وأمكنة ابتلعها الزمن أو كاد.

والنص العربي شاكل الاصل الى حد بعيد بل أعطاه أحيانا مزيدا من الموسيقى الحزينة خاصة حيث يقول "أنذا جئت أحييك يها الحي القديم/ حيث كنت الطفل طفل الشيطنات .../أترى تعرفني تذكرني تدرك سرك (أم تراها أحنت الايام ظهرك".

ولعل المثل الابرز على ما ورد في بداية الموضوع هو ترجمة شاعرين او اكثر لقصيدة واحدة كما في قصيدة "العصفور الدوري" نبدأ بترجمة الشاعر جورج شكور للقصيدة حيث يقول "صباحا أيها الدوريّ لم تنزاح عن دربي.. اليّ اليّ تعرف ان ذاك الامس كاليوم ولا شيء سواك اليوم يعجبني ايا حبي فهيّ اليّ مقتربا بلا خوف ولا لوم..." الى أن ينهي القصيدة قائلا "ستذهب باكرا اه لماذا سوف تتركني ترى ترجع.. بي شكّ وهذا الشك يؤلمني ولكني برغم الشكّ منذ غد سأنتظر يها الدوريّ يا حبي أحبك لا كما البشر".

وننتقل الى ترجمة للقصيدة عينها قام بها جورج هيمو وفيها يقول "عم صباحا ايها الدوري اللطيف لم الهرب مني../اذن انت تعرف جيدا ان البارحة مثل اليوم/ لا شيء في الكون يعجبني بمقدار قربك مني" يا للروعة يا للسحر وخصوصا الرشاقة في الحركة... ابق قليلا يا صديقي لا تغادرني/ قل لي اين تذهب الحق بك عن كثب ..."

وقد يبدو للقارىء بصرف النظر عن المعاني المشتركة ان هناك ثلاث قصائد بينها وجوه شبه مع شيء من الاختلاف في "الروحية".

اما قصيدة "نهر الايام المنسية" فلها أيضا ترجمتان عربيتان الاولى للشاعر الياس عطوي حيث قال "نهر الايام المنسية عد لي تنساب كأغنية يا حب صباي وخاتمتي بشروق جمال الابدية سافر .. فطريق الحب على شمم الابطال جنوبية...".

اما الترجمة الثانية فقام بها الدكتور احمد علبي وجعل عنوانها "جدول الايام المنسية" وفيها يقول "ايا جدول الماضي ياصبوة فتوتي/ واصل مجراك على ايقاع الحبور/ كان ذلك البارحة لم يكن سوانا/ كان ذلك الزمن الغابر السعيد او زمن الاعترافات".

مرة اخرى نشعر بان هناك ثلاث قصائد واحدة بالفرنسية واثنتان بالعربية وان بين الثلاث قدرا من الشبه دون شك لكن في كل منها "روح" ونبض مختلفان.

ونعود لنسأل هل يكتب مترجم القصيدة هذه القصيدة بالعربية أم انه ايضا يكتب نفسه فيها الى حد بعيد.

يشار الى ان قصيدة "مصرع النسر" التي ترجمها الشاعر ريمون قسيس ومطلعها "نسر الجبال القوي انتابه الهرم/ من قبل من اشهر واللين ينعدم" انما تذكر بموضوعها وحتى بعنوانها بقصيدة الشاعر الكبير الراحل عمر ابو ريشة "مصرع النسر" التي يروي فيها قصة هرم نسر وعجزه وانه قرر وللمرة الاخيرة ان يطير الى القمة حيث كان يعيش كي يموت هناك.

تطل علينا القصيدة بمطلعها الرائع اذ يقول "أصبح السفح ملعبا للنسور فاغضبي يا ذرى الجبال وثوري واطرحي الكبرياء شلوا مدمّى تحت اقدام دهرك السكير".