هواة المسرح العراقي بين لغة الجسد والحوار

بقلم: د. محمد حسين حبيب
من عروض مهرجان هواة المسرح

تحت هذه التسمية سعت العروض المسرحية الأربعة الأولى المشاركة في مهرجان هواة المسرح العراقي في منتدى المسرح للفترة من 1- 7 / 11 / 2010, سعت للكشف عن جديد طروحاتها المسرحية التي انقسمت إلى لغة الجسد (دراما دانس) من جهة ولغة الملفوظ الحواري من جهة اخرى.

يندرج في القسم الاول مسرحيتي: "نائمون والطوفان" تأليف واخراج عماد نافع ومسرحية "تمرد اللاوجود" فكرة وتجسيد عبدالرحمن مهدي.

في كلا المسرحيتين لجأ مخرجاها الى اختيار المكان المفتوح (المسرح الصيفي وحديقة المنتدى على شاطيء نهر دجلة) والذي أضفى هذا الاختيار المكاني جمالية شكلية حفزت على تنشيط وتفعيل عنصر المشاهدة للوهلة الاولى، لكن سرعان ما تكشف لنا عن غياب المسوغات الموضوعية الفنية لهذا الاختيار المكاني فمن الممكن تقديم العرضين داخل مسرح العلبة التقليدي والمغلق.

في عرض "نائمون والطوفان"، ومنذ اللحظات الاولى سقط العرض في التسطيح والمباشرة عبر استخدامه للونين الاسود والابيض بوصفهما زيا مسرحيا بث لنا دلالته الواضحة دون ان يجعلنا نغوص في البحث والتأويل عن عنصري الصراع الدرامي، وبهذا ضاعت فرصة الاكتشاف على المشاهدن ومن ناحية اخرى تبدت في خطاب العرض الكثير من الحركات الخالية من المعنى والمتكررة لأنها سعت الى استعراض الآلية الحركية الجسدية في منطقة المبنى دون منطقة المعنى, فمثل هذا النوع من العروض يتوجب الامر تكافؤ هذين العنصرين (المبنى والمعنى) للتعبير عن كل موقف درامي بل عن كل لحظة جزئية من لحظات العرض المرتبطة بكل صغيرة وكبيرة.

وهذه المسألة تنسحب أيضا على العرض الثاني "تمرد اللاوجود" في اختياره للمكان المغاير ومحاولة توظيف شاطيء نهر دجلة وجعله ضمن الفضاء المكاني لطقسية العرض، ولكن ثمة ربكة إخراجية حالت دون تحقيق هذا التوظيف فضلا عن استخدام شاشة التلفاز التي أخذت حيزا مهما وسطيا في المكان حيث أخذت تعرض لنا ذات العرض نفسه دون هدف أو جدوى فنية ما, الأمر الذي شتت المشاهد في التركيز على الفعل الحي للمثل والفعل التلفازي نفسه مما أربك الفحص والقراءة لعين المتفرج, كان من الممكن توظيف هذه الشاشة لتنقل لنا ما لم يكن من الممكن مشاهدته اسفل شاطيء النهر العميق الذي خرجت منه الممثلة مبتلة بمياهه.

وتجدر الاشارة هنا الى عرض مسرحي أخرجه الاكاديمي المرحوم د. جلال جميل في تسعينيات القرن الماضي لمنتدى المسرح ايضا الذي وظف وللمرة الاولى شاطيء نهر دجلة مسرحيا، وكان توظيفه ذاك يمتلك مسوغاته الفنية بموضوعية واضحة لكنها اختفت هذه المسوغات في هذا العرض.

أدائيا حاولا مجسدا العرض (سارة الشافي وعبدالرحمن مهدي) ان يكشفا لنا القابلية الجسدية بكل طاقتها لكنها بحسب ما نرى كانت بحاجة إلى المزيد من التمرين المسرحي والتدريب الجسدي المتواصل والذي لا علاقة له بعرض محدد. لان هذا النوع من الفنون الأدائية يشترط التدريب المتواصل والمرتبط ببرنامج غذائي وتدريبي في معاهد خاصة يتم إنشاؤها لهذا الغرض ومنذ سنوات عمرية مبكرة للممثل.

يختلف هذا التدريب تماما عن الحركات التعبيرية التقليدية التي نشهدها سريعا في عرض مسرحي ما يجمع بين لغة الجسد والملفوظ الحاري, أو عروض المسرح الصامت وعروض فن الباليه الراقصة او الاوبرا وحتى عروض المسرحيات الغنائية أو الاوبريت, فلغة المسرح الراقص لها خصوصيتها المختلفة تماما عن كل هذه المصنفات الفنية الأدائية لأنها تتعامل مع روحية متصوفة تستند إلى ذوبان الراقص في الحركة ومعناها داخليا وخارجيا لا مجرد أداء خارجي استعراضي بعيد عن جوهر المعنى والإيمان به تماما.

أما المسرحيتان: "شارع الواقعة" المستندة في رؤياها الى مسرحية الموقعة لهاينر موللر اخراج تحرير الاسدي، ومسرحية "كوميديا الايام السبعة" تأليف علي عبدالنبي الزيدي واخراج خالد علوان، كان الملفوظ الحواري هو العنصر الفني الأساس الذي يجنس مثل هذه العروض ضمن العرض المسرحي الدرامي التقليدي لكن لا يعني هذا خلوه من التجريبية التي تنأى بعيدا عن التقليدية، وخاصة نحن ازاء مهرجان مسرحي وان استظل تحت مفردة (هواة) لكنه بالضرورة ينبغي عليه السعي وضمن رؤاه وفرضيات اخراج عروضه أن يكون في المنطقة الابداعية والجمالية.

في عرض "شارع الواقعة" كنا امام رؤية إخراجية واعدة من شأنها أن تحقق اكثر في المستقبل وذلك لامتلاك المخرج تحرير الاسدي ادوات اخراجية اساسية اولى حيث كان يعرف ماذا يريد وبماذا يفكر وكان حريصا على مكانه وتحولات بقعه الضوئية ومحاولة خلق فضاء سينوغرافي معقول مع تأكيده وحرصه على اظهار ممثليه (وسام عدنان واحمد صلاح) بدقة ادائية متناغمة وشفرات العرض الرمزية منها والتعبيرية التي جاءت عبر سيناريو مونتاجي متقن ومترابط وعبر ايقاع مسرحي منضبط في الكثير من مواقف العرض ومشاهده برغم كل لحظات الاظلام المتكررة لكنها انسجمت هارمونيا مع شكل العرض وخطابه الذي حاكى الشارع العراقي ومآسيه الاقتصادية والامنية والاجتماعية والدينية والسياسية في مشاهد مقتضبة وسريعة ومكثفة وهي في النهاية عرفت هدفها لان مخرجها ادرك جيدا كيف يسدد كراته الى الهدف مباشرة.

اما رابع عرض في المهرجان "كوميديا الايام السبعة" فقد جاء معاكسا لكل ما قلناه عن عرض الاسدي, فلم يدرك المخرج قراءة نص (الزيدي) جيدا وبالتالي ارتبك نص العرض عليه وعلينا وراح يلهث وراء السطحية والمباشرة في التجسيد فتصور النص من عنوانه على انه كوميديا – وكان على العكس تماما - فانسحب هذا التصور على بنية العرض وعلى اداء المثلين ايضا.

ولم تكن فكرة النص واقعية لكن كان كل شيء في العرض يلهث نحو لا الواقعية المعروفة حسب, بل نحو تسطيح الاشياء – برغم امتلاك الممثلين (مكي حداد وجبار مشجل وعبدالقدوس قاسم) قدرات تمثيلية واضحة – الا انهم استسلموا لقراءة المخرج فوقعوا في المدرسية والكوميديا التي تتوسل ضحكة جمهور لكن لا ضحك هناك ولا كوميديا، ولم تسعفهم في ذلك كل اضافاتهم الحوارية من مفردات اللهجة العامية الكثيرة التي أساءت لهم ولخطاب العرض برمته.