المرأة التونسيّة شريك أساسي في التنمية

تونس بلداَ يحلو فيه العيش في الحاضر والمستقبل

تونس ـ يشهـد سجل التاريخ التونسي على أن المرأة ساهمت بقسط وافر في الكفاح الوطني إبّان حقبة الاستعمار الفرنسي وساندت الحركة الوطنيّة من أجل الحرية والاستقلال وعاضدت جهود بناء الدولة الحديثة التي خصّتها بالتشريعات الجديدة التقدميّة من خلال مجلة الأحوال الشخصيّة التي صدرت في 13 أغسطس ـ آب 1956 مباشرة بعد الاستقلال في 20 مارس ـ آذار1965 وكذلك قبل إعلان النظام الجمهورية في 25 يوليو ـ تموز1957 وإصدار الدستور في 1 يونيو ـ حزيران 1959.

كما إن المرأة التونسية التي كانت في طليعة القوى التي ساندت خيارات التغيير الذي يقوده بنجاح الرّئيس زين العابديــن بن علي منذ 7 نوفمبر ـ تشرين الثاني 1987 ظلت وفيّة لإرث حركات الإصلاح والبناء بدافع انحيازها للجهود الأخيّرة التي تبني لأسس المجتمع الجديد القائم على العدل والحرية والمساواة.

ولئن مثلت مجلة الأحوال الشخصيّة غداة صدورها قبل 54 عاما منعرجا حاسما في تاريخ المرأة التونسيّة فإن حركة التغيير منذ 1987 هي التي كرّست الخيارات الحضاريّة لدولة الاستقلال بما وطد الخيارات التنموية وأسس الديمقراطية والحريّات وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين.

كما إن الإجراءات والمبادرات والتشريعات الجديدة التي خصّ بها الرّئيس بن علي المرأة لا سيما الإجراءات الرئاسيّة بتاريخ 13 أغسطس أ آب 1992 وتشريعات 12 يوليو ـ تموز 1993هي التي كرّست المساواة بين الجنسين لأنها لم تطوّر على مستوى الشكل والمضمون نصوص ومحتوى مجلة الأحوال الشخصيّة فحسب بما يتماشى وتطوّر المجتمع، بل أدخلت تعديلات وتنقيحات مهمة على ثلاث مجلات أخرى هي مجلة الجنسيّة ومجلة الشغل والمجلة الجنائية بهدف تخليصها من عديد الأحكام التي لم تعد متماشية مع التحوّلات المتسارعة التي ما فتئ يشهدها المجتمع التونسي والتي اقترنت بمقاربة غايتها الارتقاء بمنزلة المرأة إلى درجات أسمى على سلّم المساواة وتعزيز مشاركتها الفعلية في الحياة العامّة وفي التنمية الشاملة والمستدامة لمجتمع تحكمه دولة القانون والمؤسسات.

المرأة شريك أساسي في التنمية المستدامة

يعتبر مفهوم التنمية المستدامة مفهوما حديثا ولم يقع تداوله من طرف المجتمع الدولي بهذا التواتر المكثف إلا منذ سنة 1987 لما أصدرت اللجنة العالمية حول المحيط والتنمية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة ما عرف بتقرير "بروندلاند" تحت عنوان : "مستقبلنا المشترك".

فهذا التقرير الذي استمدّ تعريفه من اسم رئيسة اللجنة النرويجيّة السيّدة غروهارليم بروندلاند هو الذي حدّد المفاهيم الجديدة للتنمية المستدامة التي تتمحور أساسا على النموذج التنموي المستجيب للحاجيات الأساسية والضروريّة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لأجيال الحاضر بدون المساس بحاجيات وحقوق أجيال المستقبل في الغذاء والسكن والشغل ونوعيّة الحياة.

ولقد تضمّن مفهوم نموذج التنمية المستدامة أهدافا وغايات لها طابع إنساني كأن تتركّز جهود التنمية على النهوض بالفئات الأقل حظا وإعطائها الأولويّة، وهو ما دأبت على انتهاجه تونس على مدى العشريتين الماضيتين.

وهذا التوجّه للتنمية المستدامة بلورته أكثر قمة الألفية التي عقدت في شهر سبتمبر ـ أيلول 2000 لمّا حدّدت أهدافا أساسيّة إلى غاية عام 2015 من أبرزها العمل على المستوى الدولي على تجسيم المساواة بين الجنسين وتحرير المرأة بالكامل من كل المكبّلات التي تعيق مشاركتهـا في التنمية وتأمين التعليم في مرحلته الابتدائية للجميع وللجنسين والنزول بنسبة 50% من ظاهرة الخصاصة والفقر وإرساء شراكة دوليّة للتنمية المتضامنة والعمل على الحدّ من وفيات الأمّهات بنسبة ثلاثة أرباع وبنسبة الثلثين من وفيات الأطفال دون سنّ الخامسة.

ولقد كان للسياسة التي انتهجتها تونس في مجال التنمية المستدامة في قمة الألفية صداها الواسع لدى كافة الأوساط المشاركة في القمة، دولا ومنظمات حكوميّة وغير حكوميّـة لأنها أنجـزت منذ فتـرة التسعينات من القرن العشرين كامل أهداف الألفيّة بل تخطتها في عديد المجالات.

فنموذج التنمية الذي اتبعته تونس بتشريك المرأة، حقق نتائج لافتة منها تحسين ظروف العيش لمختلف الفئات والجهات وتحقيق نسب نموّ سنوية معتبرة تجاوزت في بعض السنوات 6% ولم تنزل تحت 3% حققت تنمية اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وخلّصت المجتمع من عاهة الفقر التي نزلت إلى 7.3% مع تربيته على إتباع أنماط إنتاج واستهلاك متوازنة... وبذلك كان أنموذج التنمية المستدامة في تونس مثالا في قمة الألفيّـة لأنّه لم يقص المـرأة بل شرّكها على قدم المسـاواة مع الرّجل في عمليّة التنمية الشاملة والعادلة ممّا ساهم في بروز طبقة وسطى تمثل أغلب التونسيين اليوم وصلت إلى حدود 80% من مجموع السكان.

المعادلة بين التنمية المستدامة والتنمية الشاملة

كثيراَ ما يقع الخلط بين مفهومي التنمية المستدامة والتنمية الشاملة نظرا للتداخل والارتباط بين هذين المفهومين للتنمية، ويزداد المفهومان غموضا وتعقيدا في اتجاه الأفضل أو الأسوأ بمدى مشاركة المرأة فيهما.

ففي المجتمعات التي أقصت المـرأة أو لم تشـركها بالقدر الكافي في التنمية، ظلت هذه المجتمعات تعاني خللا في مسارها التنموي ولا مجال للأمثلة هنا لأنها محرجة.

أمّا بالنسبة للمجتمعات التي انخرطت فيها المرأة في عمليّة التنمية فإن أوضاعها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافية تبدو أفضل.

ولقد أمسكت تونس بطرفي معادلة التنمية الشاملة والتنمية المستدامة، فبالنسبـة للتنميـة المستدامة عملت على إشاعـة ثقافــة في صفوف مجتمعها "رجالا ونساء" مفادها أن تونس تعيش في رقعة جغرافية محدودة المواد الطبيعيّة وفي عالم موسوم بالإختلالات وبنزعة الهيمنة التي تصل إلى حدّ التطرّف وتغذّي كل ذلك قوى جديدة أفرزتها العولمة.

وأمام هذه الأوضاع اجتهدت تونس في السيطرة على تحديّات العولمة ومغالبتها والاستفادة ممّا تطرحه من فرص للتقدّم وذلك بمواكبة العولمة بأدوات المعرفة والتكنولوجيات الحديثة وبالانخراط في ما أصبح يعرف بـ "الاقتصاد الجديد" الذي دخلت المرأة غماره من بابه الواسع.

وبفضل مشاركة المرأة في عمليّة التنمية تمكّنت تونس من إنجاز مخططاتها الخماسيّة وفق الأهداف المرسومة لا سيما ما تضمنه المخطط الخماسي الحالي 2007 ـ 2011 إذ ناهز معدل النموّ السنوي بالأسعار القارّة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من المخطط (2007 ـ 2009) 6.4 % رغم تداعيات الأزمة المالية العالمية وبلغ الدخل الفردي 5630 دينارا.

المرأة في مخططات التنمية

اقترن الحرص على ربط حقوق المرأة وتدعيم مكانتها في المجتمع بالمفهوم الشامل للتنمية الشاملة والمستدامة وكذلك بالمقاربة الشمولية لحقوق الإنسان.

وقد أسهم هذا الخيار في الانتقــال بدور المـرأة في التنميــة إلى مستوى الشراكة الكاملة في عمليّة البناء التنموي بإرادة سياسيّة ثابتة ذات بعد استراتيجي تتكامل فيه البرامج ضمن تصوّر مبدئي يوفر الظروف السانحة لتثبيت مبدأ تكافؤ الفرص بين المرأة والرّجل للارتقاء بمكانة المرأة في المجتمع من مجرّد القيام بأدوار تقليدية وهامشيّة إلى مستوى الشراكة المتكافئة في مختلف المجالات الاجتماعيّة والاقتصاديّـة والسياسيّـة.

وبعد أن ترسّخ الاقتناع بأن التنمية الشاملة والمستدامة لن تتحقق إلا إذا اقترنت بالمساهمة التامّة لكل الموارد البشريّة مهما كان جنسها فقد كان ذلك كفيلا بالرّفع من مستوى إسهـام المـرأة في عمليّـة التنميـة من ناحية واستفادتها من مختلف البرامج والمشاريع التنموية بكل أبعادها بما أسس لمشروع مجتمعي وحضاري أراد له الرّئيس بن علي أن يكون مرتكزاَ على دعامتين رئيسيّتين مترابطتين ومتكاملتين وهما الديمقراطية والتنمية.

ولئن مثلت المرأة في سوق الشغل سنة 1966 نسبة 5% ونسبة 21% عام 1985 فقط فإنها تمثل اليوم نسبة 30%.

ولتفادي الفجوة بين الجنسين جاء قرار الرّئيس بن علي في شهر يونيو ـ حزيران 1991 القاضي بإحداث "لجنة المرأة والتنمية"، وتكليفها بإعداد خطط عمل خماسيّة لإدماج المرأة في التنمية كمشاركة فيها ومستفيدة منها.

ولقد أعدّت اللجنة أوّل خطة لإدماج المرأة في التنمية في المخطط الثامن (1992ـ 1996).

تخطيط حسب النوع الاجتماعي

اعتمدت تونس منذ الاستقلال عام 1956 منهجيّة التخطيط لتنفيذ سياستها التنموية وذلك من خلال مخططات تتضمّن أهدافا تنموية متوسطة المدى يتمّ من خلالها وضع البرامج والمشاريع والإجراءات الكفيلة بتحقيقها لكنه لم يقع اعتبار المرأة كعنصر قائم الذات في عمليات التخطيط وهو الخلل الذي عملت تونس منذ 7 نوفمبر ـ تشرين الثاني 1987 على تفاديه عند إنجاز أوّل مخطط خماسي تنموي يضعه أي المخطط 1992ـ 1996 بعد أن استنتج صعوبة المحافظة على نسق متواصل في تطوّر أوضاع المرأة في ظلّ غياب هياكل وآليات تسهر على تثمين ما تحقق للمرأة من مكاسب ومتابعة تطوّرها انطلاقا من الأهداف التي حدّدها مخطط التنمية لفائدة المرأة وتخصيص أنشطة تستهدفها في البرامج التنموية القطاعية تتكفّل الدولة بتجسيمها.

ومكّنت الجهود المبذولة من طرف الدولة من خلال الهياكل والمؤسسات التي ركّزتها ومنها وزارة شؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنّين التي تنفذ سياسة الحكومة في مجالات اختصاصها تعزيزا لإدماج القدرات النسائيّة في مجهود التنمية وتستعين الوزارة في أداء مهامها بثلاثة هياكل أساسية هي المجلـس الوطني للمرأة والأسرة والمسنيّن وهو جهاز استشاري يضمّ ممثلين عن مختلف الوزارات والمنظمات والجمعيات الوطنيّة وعددا من الكفاءات الوطنيّة.

وعمل هذا المجلس على الاستجابة للأهداف الإستراتيجيّة التي تضمّنها البرنامج الذي خاض به الرّئيس بن علي حملة الانتخابات الرئاسيّة للفترة 2004 ـ 2009 والذي خصّص فيه محورا حمل شعار "المرأة من المسـاواة إلى الشراكـة الفاعلـة".

ولقد جدّد الرّئيس بن علي في ذلك البرنامج عزمه على مواصلة تعزيز حضور المرأة في كافة قطاعات الاقتصاد ومجالات الحياة العامّة وكذلك في الوظائف العليا وعلى دعم مكاسبها من أجل مزيد التقدّم بأوضاعها من خلال حضور أوسع لها في مواقع القرار والمسؤولية وتوفير فرص أكبر لكي توفق بين الحياة الأسريّة والحياة المهنيّة، وذلك بإقرار نظام خاص يمكنّها حسب رغبتها من العمل نصف الوقت مقابل الثلثين من الأجر مع الحفاظ على كل حقوقها في التقاعد والتغطية الاجتماعية.

كما دعم البرنامج الانتخابي للرّئيس بن علي مفاهيم المساواة والشراكة بين الجنسين.

وبالقياس إلى كثافة مشمولات المجلس الوطني للمرأة والأسرة والمسنّين تفرّعت عنه لجان أخرى منها "لجنة مشاركة المرأة في الحياة العامّة" التي تتابع وضع المرأة ومكانتها في الحياة العامّة بمختلف أبعادها تجسيما لخيار الرّئيس بن علي القاضي وقتها بتحسين نسبة وجود المرأة في مراكز القرار لتبلغ 30% عام 2009 وهو الهدف الذي وقع تجاوزه لا سيما في المجالس البلديّة المنتخبة في شهر مايو أيار2010.

أمّا "لجنة التوفيق بين الحياة الأسريّة والحياة المهنيّة" فإن أعمالها حسّنت من الأداء المهني للأزواج بفضل تطوير مفهوم تقاسم الأدوار بينهما داخل الأسرة.

ولقد قدّم "مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة" خدمات جليلة لوزارة شؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنّين خاصّة وللحكومة عامّة باعتباره الجهاز العلمي الذي يتولى إصدار الدراسات والبحوث في مجال المرأة والمساهمة من خلال آلياته المتخصّصة مثل "الشبكة المغاربيّـة للمعلومات حول المرأة" و"آلية متابعة صورة المرأة في وسائل الاتصال والإعلام".

وظلت كامل أعمال «اللجنة الوطنيّة للمرأة والتنمية» متميّزة باعتبارها جهاز التخطيط والتقييم والتقويم في إطار سياسة تونس للتخطيط من أجل التنمية ولذلك كان إدراج الباب الخاصّ بالمرأة منذ المخطط الخماسي الثامن استئناسا بمنهجية المقاربة حسب النوع الاجتماعي التي نادى بتطبيقها وتعميمها المؤتمر العالمي الرابع حول المرأة (بيجين 1995).

وهكذا كرّست عمليّة مقاربة النوع الاجتماعي في بقية مخططات التنمية الخماسية ضمن تصوّر تنموي متكامل ساهم وبشكل فعّال في بروز المرأة كعنصر أساسي وبشكل فعّال في عمليّة التخطيط الكمّي والنوعي للتنمية في كنف السلم الاجتماعيّة.

والرّئيس بن علي الذي فتح آفاقا متجدّدة أمام المرأة أكد في برنامجه الانتخابي يوم 24 أكتوبر ـ تشرين الأول 1999 "إن الفضل في هذا التوازن الاجتماعي الذي تنعم به بلادنا يعود إلى تحرير المرأة وتعميم التعليم دون تمييز بين الفتيان والفتيات، فتونس تختلف عن المجتمعات التي أبعدت المرأة "وهي نصف المجتمع" عن الحياة العامّة، فقد اختارت أن تسير إلى الأمام وقد جمعت بين نصفي مجتمعها، وإني على يقين أن بلادنا قد ضاعفت قدراتها ونوّعت الفرص المتاحة أمامها بفضل إسهام المرأة والرّجل جنبا إلى جنب في مسيرة التنمية".

المعرفة في خدمة التنمية

جاءت اختيارات تونس منذ نهاية فترة الثمانينات من القرن الماضي محملة بقيم الحداثة وبالجرأة الفكريّة ومستوعبة للتحديّات ومستشرفة للتحوّلات الداخلية والخارجية التي يختزلها اليوم واقع العولمة.

ولرفع تحديات هذا الواقع الجديد وضع الرّئيس بن علي برنامجا للفترة 2009ـ 2014 اختار لمحتواه عنوان "معا لرفع التحديات" وهذه الفقرة من التقديم الوارد في البرنامج الرئاسي "نرفع معا التحديات لنرسخ مجتمع المعرفة والاقتصاد الجديد ولتكون تونس دوما بلد الحضارة الأصيلة، بلد الحداثة والرقي، بلد الإبداع والابتكار والتجديد، بلد الحريّة والتضامن والتسامح بلد الكرامة والعزّة لكل أبنائها وبناتها دون إقصاء ولا تمييز"، تشير بوضوح إلى الطريق الذي تمضي فيه تونس بسلاح المعرفة لكل أبنائها وبناتها.

لقد خطط الرّئيس بن علي في برنامجه هذا لتكون المرأة التونسيّة رمز أصالة وعنوان حداثة ولتكون الأسرة عماد التماسك الاجتماعي.

ومن السياسات الجريئـة التي اتخذها، مزيد دعم حضـور المرأة في مواقع القرار لبلوغ نسبة 35% على الأقل عوضا عن 30% حاليا، وإجراء دراسة استشرافية للتحـوّلات الاجتماعيّـة تستهدف التعـرّف على ملامح أسرة الغد.

المرأة عنوان مجتمع المعرفة ومحرّك لعمليّة التنمية

يعطي الاتجاه العام في النظريات الحديثة للتنمية الأولوية لعمليات المشاركة وضمان الإرادة الحرّة وتمكين المجموعات المستهدفة من التدخّل وتحميلها المسؤولية في اتخاذ القرار وفي تصريف شؤون التنمية وتقاسم ثمارها بين كل المعنيين بها باعتبارها تغييرا اجتماعيّا واقتصاديّا شاملا.

ولقد حصل وعي لدى العلماء والدارسين والمخططين والمسؤولين السياسيين بأن التنمية الشاملة والعادلة والمتضامنة والمستدامة لا يمكنها إدراك أهدافها بمعزل عن التنمية البشريّة التي تهدف إلى بناء الإنسان معرفيا وعلميّا وإلى تحسين أوضاع المعيشة للسكّان، ومن هنا حصل الاتفاق على ضرورة تطوير القدرات البشريّة انطلاقا من خيار مبدئي وأساسي وهو مبدأ تكافؤ الفرص.

وتونس لم تحد عن هذا المبدأ فدستورها ومجلاتها القانونيّة وسير نظامها الإداري وسلوك مجتمعها... يقرّ مبدأ تكافؤ الفرص الذي يقف على خطه كل التونسيين والتونسيات بدون أي تمييز في مؤسسات التربية والتعليم والتكوين وفي مؤسسات الإنتاج والمؤسسات العموميّة والخاصّة.

كما أدركت تونس مبكراَ أن التنمية الشاملة لا تتحقق إلا بكلّ القوى وبواسطة موارد بشريّة مؤهلة ومتسلحة بالمعرفة.

وسجّلت المرأة التونسية سبقا في مجال التربية والتعليم خاصّة لأسباب عزاها فقهاء علم الاجتماع لإصرارها على تأكيد جدارتها بالسياسات والتشريعات التي حبتها بها الدولة بعد تجريم كل أشكال التمييز ضدّها وإقرار مبدأ تكافؤ الفرص في كل المجالات وهكذا عملت المرأة على تدارك ما فاتها في شتى مناحي الحياة لا سيما في مجال التربية والتعليم ممّا جعلها تتفوّق على الرّجل في نسبة الحضور وفي النجاح في مختلف مراحل التعليم وبما حوّلها إلى طاقة موارد بشريّة متزايدة بين مرحلة وأخرى وسنة بعد سنة وهذا التفـوّق بدت نتائجـه ملحوظـة على دور المرأة في عمليّة التنمية ولا عجب أن تصبح المرأة التونسية في المدى القريب أو المتوسّط هي المحرّك الأوّل لعجلة التنمية بالقياس إلى ما اكتسبته من معارف ومهارات وبالقياس إلى أعداد المتخرجين من مؤسسات التعليم والتكوين.

مؤشرات لها دلالاتها

المؤشرات المسجّلة خلال العشرية الأخيرة بالخصوص لها دلالاتها إذ تبرز الإنجازات المحققة النسق السريع الذي شهده ارتقاء الفتاة والمـرأة في مجال التعلّم والمعرفة بعد أن ساهم القانون الخاص بإجبارية التعليم واعتماد نظام تدريس ملائم لخصوصيات الوسط الريفي في الرّفع من نسبة تعليم الفتيات والحدّ من الانقطاع المبكّر في صفوفهن فضلا عن تمكّن تونس من تجسيد سياسة تكافؤ الفرص بين الذكور والإناث.

فخلال السنة الدراسية 1965ـ 1966 كانت نسبة تواجد الفتاة التونسيّـة في التعليـم الثانـوي 6.25% فقط وفي التعليم العالي 4.19 % من مجموع الجنسين.

وفي العـام الـدراسي 1986ـ 1987 كانت نسبة الإنـاث 43% في الثانوي و 36% في العالي.

وفي ظرف العشريتين الأخيرتين قلبت الفتاة والمرأة المعادلة والنسبة لصالحهما بعد أن كادت نسبة تعليم من هن في سنّ الدراسة تشارف على مائة بالمائة.

ولئن تقاربت نسبة الجنسين في مرحلة التعليم الابتدائي فإن الفتاة مثلت خلال العام الدراسي الحالي (2010ـ 2011) في مرحلة التعليم الإعدادي والثانوي نسبة 58% من مجموع الجنسيـن ونسبـة 60% في مختلف مراحل مؤسسات التعليم العالي وهذا التفوّق في النسبة سوف يكون له انعكاس مباشر بصورة آلية على حصّة مساهمة المرأة في عمليّة التنمية في مختلف مجالاتها وقد تتغيّر في المدى القريب أو المتوسط نسب حضور المرأة في كل المجالات والقطاعات المحرّكة لدورة التنمية.

إلاّ أن مؤشرات الحاضر تؤكد أن المرأة التونسيّة تمثل ثلث المجموعة البشريّة العاملة، أمّا مشاركتها في الحياة السياسيّة وفي القطاعات الاقتصادية والاجتماعية فيمكن اختصارها من خلال بعض هذه النسب والأرقام.

ففي البرلمان تطوّرت نسبة حضور المرأة من 3.4% في انتخابات 1989 إلى 8% في انتخابات 2004 ثم إلى 57.27% في انتخابــات 25 أكتوبر ـ تشرين الأول 2009.

كما تمثل المرأة نسبة 25% من أعضاء المجلس الدستوري 8.22% في المجلس الاقتصادي والاجتماعي و8.11% في المجلس الأعلى للقضاء و16% في السلك الدبلوماسي و60% في قطاع الإعلام والاتصال و 9.46% في قطاع الخدمات والتجارة و44% في الصناعة و42% في قطاع الطب و72% في قطاع الصيدلة والصناعات الدوائيّة و47% في مجالات البحث العلمـي و42.5% في المحامــاة و33% في سلطة القضاء و3.44% في إدارة القطاع العمومي و42% في هيئات ومنظمات وجمعيات المجتمع المدني التي تخطى عددها تسعة آلاف فضلا عن جود 140 جمعيّة نسائيّة بحتة يغطي نشاطها المجالات التنموية خاصّة.

كما ظفرت المرأة التونسيّة بنسبة 33% من مقاعد المجالس البلدية المنتخبة في شهر مايو ـ أيار 2010 وهذه النسبة تعني وجود 1480 مستشارة بلديّة من مجموع 4478 مقعدا في 264 بلدية.

ورغم حداثة الغرفة البرلمانية الثانية في تونس (مجلس المستشارين)، استطاعت المرأة تأمين نسبة حضور بلغت 2.15%، أما في القطاع الزراعي الذي تميّز باتجاهه إلى المكينة على حساب اليد العاملة التقليديّة، فإن نسبة النساء نزلت إلى ثلث القوى البشريّة العاملة فيه (32%).

ولئن مثلت المرأة التونسيّة نسبا متفاوتة في القطاع الخاص فإن هناك 18 ألف امرأة تملك وتدير مؤسستها الاقتصاديّة الخاصّة.

والرّئيس بن علي العاقد العزم على مزيد دفع المرأة إلى مواقع القرار والمسؤولية وتأمين نسبة حضور لها في هذه المواقع تبلغ 35% عام 2014 بدلاَ عن 30% قد حقق هذا الهدف منذ سنوات داخل صفوف حزبه "التجمّع الدستوري الديمقراطي"، وهو حزب الأغلبيّة المضطلع بأعباء الحكم، حيث تمثل المرأة الآن نسبة 9.37% من مجموع أعضاء اللجنة المركزية وهي أعلى هيئة قياديّة لهذا الحزب الذي يرأسه الرّئيس بن علي، أمّا في التشكيلة الحكوميّة الحالية، فإن هناك خمس نساء عضوات في الحكومة.

عناصر الدعم وآلياتها

إن الآليات التي أحدثتها تونس لفائدة المرأة المنتجة لمزيد إدماجها في عمليّة التنمية محليّا وجهويّا ووطنيّا استفادت منها المرأة والمجموعة الوطنيّة وساهمت في تحريك الدورة الاقتصادية.

فالمنتدى السنوي للحرفيّات الذي تشارك فيه نساء من مختلف محافظات تونس والعديد من المنظمات والجمعيات، رفع من قدرات الحرفيات على مزيد الإنتاج.

ولمزيد إشعاع هذا المنتدى، تولّت السيّدة ليلى بن علي في 12 أغسطس ـ آب 2005 تدشين موقع "واب" للتجارة الالكترونية لفائدة الحرفيات تشجيعاَ لهن على دخول عالم التكنولوجيات الحديثة.

أمّا "آلية دفع المشاريع النسائيّة الصغرى" فقد رفعت من مردودية المشاريع النسائيّة في إطار الشراكة مع المنظمات والجمعيات غير الحكومية تفعيلا لدور المرأة المنتجة في مسيرة التنمية ومساعدتها على بعث موارد رزق قارّة بتسهيل انتفاعها بمصادر التمويل، كما أن اتجاه هذه الآلية بالخصوص إلى باعثات المشاريع الصغرى في الوسط شبه الحضري والريفي قد حقّق الفائدة للمرأة الريفيّة التي وضعت من أجلها خطة متكاملة العناصر للنهوض بها بدأت بتحسين ظروف عيشها والرّفع من قدراتها في التعليم والتكوين المهني وتطوير مساهمتها في دخل الأسرة عبر دعم دورها في القطاع الزراعي خاصّة وتفعيل مشاركتها في التنمية الجماعية.

وإلى جانب الهياكل والمؤسسات التي أحدثتها الدولة للرقي بالمرأة وتنمية قدراتها وإسهاماتها في عمليّة التنمية، تدعم نشاط المرأة بفضل نسيج من المنظمات والاتحادات على غرار الاتحاد الوطني للمرأة التونسيّة وهو من أكبر وأعرق الاتحادات التي عرفتها تونس منذ استقلالها.

أمّا "جمعيّة النّساء التونسيّات حول التنمية" التي تأسّست عام 1989 وهي أحد فروع جمعيّة النساء الإفريقيات للبحث حول التنمية فإن أهدافها تركّزت على القيام بالبحوث حول إدماج المرأة في التنمية.

وبقدر ما تحظى المرأة التونسيّـة بدعم متواصل من قبل الرّئيس بن علي لتمكينها من كامل حقوقها التي ضمنها الدستور وجملة التشريعات والقوانين الصّادرة لفائدتها لتأمين مساواتها بالرجل وشراكتها معه ظلت السيّدة ليلى بن علي سيّدة تونس الأولى رئيسة منظمة المرأة العربيّة تبذل نفس الجهود تجاه المرأة التونسيّة والطفولة والأسرة والفئات ذات الاحتياجات الخصوصيّة، حيث تتولى "جمعيّة بسمة للنهوض بتشغيل المعوقين" التي ترأسها السيّدة ليلى بن علي رعاية فئة المعوقين وتنمية معارف أفرادها وتعزيز قدراتهم للتعويل أكثر ما يمكن على أنفسهم للاندماج في مسيرة التنمية.

ومنذ شهر مارس ـ آذار 2009 تاريخ تسلّمها رئاسة منظمة المرأة العربيّة، أصبح جهد السيّدة ليلى بن علي مضاعفا وموزّعا بالخصوص على العناية بالمرأة التونسيّة والعربيّة.

بيد أن هذه العناية كانت في حقيقة الأمر سابقة لشهر مارس ـ آذار 2009 بنحو عشرية من الزمن.

وبالعودة إلى المؤتمر الأوّل لقمة المرأة العربيّة في القاهرة خلال الفترة 18-20 نوفمبر ـ تشرين الثاني 2000، نجد السيّدة ليلى بن علي تطرح أفكارا وخططا وتقترح إصلاحات للنهوض بمنزلة المرأة العربيّة وتكريس مساهمتها في عمليّة التنمية الشاملة والمستدامة.

فأمام المشاركات في المؤتمر وبحضور الأمين العام لجامعة الدول العربيّة أكدت السيّدة ليلى بن علي في ذلك المؤتمر الأوّل "إن المرأة العربيّة مدعوّة اليوم إلى أن توظف طاقات التحرّر التي يزخر بها مخزوننا الحضاري والفكري لدعم مكاسبها وتثبيت مبدأ المساواة بين الجنسين ولا سيما في ميدان الشغل باعتبار المرأة عنصرا حيويّا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية إذ لا يمكن أن نتحدّث عن نهضة المرأة العربيّة وهي ما تزال تعاني من التهميش في العديد من مجتمعاتنا، ومن الواجب أن نركز في المرحلة المقبلة على التخطيط لتنمية عادلة وشاملة ومستدامة في كل أقطارنا تحظى فيها قطاعات التنمية البشريّة الواعدة بالأولوية كالتربية والتعليم والتكوين المهني والبحث العلمي والإعلام والاتصال...".

أهداف التنمية

عملت تونس على مدى العشريتين الأخيرتين على إقامة مشروع مجتمعي قائم على ثوابت تتجاوز البعد الاقتصادي لتشمل التنشئة التربوية والعلميّة والمجالات الصحيّة والثقافيّة والاجتماعية والسياسيّة مع إضفاء طابع إنساني على عمليّة التنمية الشاملة والمستدامة إذ لا قيمة للتنمية إذا لم تفض إلى إسعاد الإنسان.

كما جعلت تونس من التضامن قيمة ثابتة لمشروعها المجتمعي بما يجعل رباط التضامن عقدا اجتماعيا يوحّد بين كافة التونسيّين رجالا ونساء وفئات وجهات وأجيالا لا سيما بعد أن ارتقى التماسك الاجتماعي إلى مرتبة الدستور، فالتنمية الشاملة تعني شمولها كل السكّان بدون أي تمييز وكلّ الجهات.

ومن الأهداف الكبرى للتنمية المستدامة، محافظتها على ثروات تونس الطبيعيّة وترشيد التعامل معها بعدم استنفادها من طرف الأجيال الحاضرة ضمانا لحقّ الأجيال القادمة.

فديمومة العمل التنموي للأجيال الحاضرة تكمن في الحفاظ على كل ثروات البلاد الطبيعية بالبحث عن الموارد المتجدّدة للمحافظة على محيط سليم يجعل من تونس بلدا يحلو فيه العيش في الحاضر والمستقبل.