كركوك النفطية قنبلة موقوتة في برميل بارود

استقرار كركوك.. استقرار العراق

كركوك (العراق) - يستعد الحاج محمد اسماعيل وهو شيخ عشيرة في كركوك التي يوجد فيها أحد أكبر حقول النفط في العراق للاسوأ بمجرد أن تغادر القوات الأميركية البلاد ويصبح العرب والاكراد في مواجهة بعضهم بعضا ولا يوجد من يمنع المعركة.

وصباح السبت، اعلنت الشرطة العراقية اصابة 34 شخصا بثلاثة اعتداءات متزامنة بسيارات مفخخة استهدفت منازل مسؤولين في الاتحاد الوطني الكردستاني في مدينة كركوك المتنازع عليها في شمال العراق.

والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة رئيس الجمهورية جلال طالباني.

وقال اسماعيل (80 عاما) وهو عربي بينما كان يستند الى جدار من الطوب اللبن في قريته القريبة من المدينة المتنازع عليها في شمال العراق "بمجرد أن تغادر القوات الأميركية العراق ستنشب حرب أهلية. في مكان كهذا القوي سيلتهم الضعيف".

ومضى يقول "هناك كثير من التوتر. الناس يطردون من بيوتهم ويهانون. يريدون الثأر. سيحدث ما لا تحمد عقباه".

والقلق الذي يؤرق اسماعيل يؤرق أيضا أناسا عاديين ومسؤولين في كركوك التي تتناثر في سهولها -التي تلفحها الشمس- مشاعل منصات النفط.

ويعتقد أن المنطقة ترقد على أربعة بالمئة من احتياطيات النفط العالمية وهي جذابة للمستثمرين الاجانب لكن المخاوف من أعمال عنف جديدة تمنع التنقيب عن الخام.

وفي هذه المدينة ذات المنازل منخفضة الارتفاع فان رائحة النفط تذكر دائما بالثراء الراقد تحت الرمال. ويطالب كل من العرب والاكراد بالسيادة على كركوك.

وبينما ينحسر العنف في مناطق أخرى في العراق ينظر الى الصراع على كركوك باعتباره تهديدا رئيسيا لجهود العراق لاعادة الاستقرار بعد سنوات من العنف الطائفي وقد ينزلق الاقليم الى العنف عندما تنسحب القوات الأميركية في العام القادم.

واشتعلت التوترات من جديد قبل تعداد سكاني مقرر في ديسمبر/كانون الاول بعد تأجيله عدة مرات وهو حدث مهم قد يحدد ما اذا كان الاكراد يشكلون الان أكبر كتلة عرقية في كركوك.

وقالت الحكومة المركزية التي يقودها العرب مؤخرا انها قد تحذف سؤالا عن الانتماء العرقي من المسح مما أثار غضبا بين الاكراد الذين يخشون من أن يحرمهم ذلك من فرصة لاثبات أن كركوك وبحيرة النفط الهائلة التي ترقد تحتها من حقهم.

واتهمت عائلات عربية الاكراد باجبارها على ترك بيوتها لتغيير التوازن السكاني في المدينة مما دفع القوات الأميركية الى تشكيل دوريات مشتركة مع الجنود العراقيين في المناطق المتنازع عليها.

ويعود الصراع الى جهود "التعريب" في عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين والتي أدت الى نزوح الاف الاكراد وتسوية قراهم بالارض في الثمانينات. وعاد الاكراد بأعداد غفيرة بعد عام 2003 ويريدون ضم كركوك الى اقليم كردستان شبه المستقل في شمال العراق وهي خطوة ترفضها الحكومة المركزية التي يقودها العرب في بغداد.

واقليم كردستان هادئ نسبيا على النقيض من كركوك المضطربة. ونجح الاقليم في جذب المستثمرين واعادة بناء مدنه وتوقيع نحو 40 اتفاقا مع شركات نفط عالمية.

ومما يسلط الضوء على المخاطر السياسية التي يواجهها المستثمرون واحتمال نشوب نزاع طويل ومتفاقم بشأن كركوك تعتبر بغداد كل الاتفاقات التي أبرمتها حكومة اقليم كردستان غير قانونية لان النفط والغاز في العراق موارد اتحادية.

وتسبب النزاع في وقف الصادرات من الاقليم.

وأنهت الولايات المتحدة رسميا العمليات القتالية في العراق في أغسطس/اب الماضي بعد أكثر من سبع سنوات على الاطاحة بصدام حسين وتقول ان العراق بات أكثر أمنا.

ووفرت القوات الأميركية المتمركزة في موقع عسكري خارج كركوك يرجع الى عهد صدام حسين منطقة عازلة في الصراع بين العرب والاكراد وحاولت تهدئة العداوات القديمة.

وقال قادة أميركيون انهم على دراية بالجولة الاحدث من التوترات في كركوك وانهم مستعدون للتعامل مع أي اشتعال جديد للاوضاع.

وقال اللفتنانت كولونيل جوزيف هولاند "سيكون هناك قدر كبير من الانفعال أثناء وقرب موعد التعداد".

واستطرد قائلا "سيخرج الناس للتظاهر في الشوارع. واذا شعر البعض حقا أنهم جرى استبعادهم فقد تقع حوادث عنف عندئذ".

ومن المعتقد أن المناطق المتنازع عليها والتي تشمل مناطق أخرى علاوة على كركوك تضم ما يصل الى 13 في المئة من الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العراق لكن المخاطر أوسع من النفط.

فالخلاف الذي طال أمده حول تشكيل حكومة جديدة بعد مرور ثمانية أشهر على الانتخابات غير الحاسمة التي لم تسفر عن فائز واضح جعل الاكراد صناع الملوك وهم يضغطون على رئيس الوزراء نوري المالكي للاستجابة لمطالبهم بشأن كركوك مقابل دعمه لفترة ولاية جديدة.

واقتربت المنازعات على كركوك من الانزلاق الى العنف في السابق لكنها اقتصرت أساسا حتى الان على التراشق اللفظي.

وقال اللواء تورهان يوسف معاون قائد شرطة كركوك الذي كان يتحدث وخلفه صورة للرئيس العراقي جلال الطالباني وهو كردي ان التوازن الهش في كركوك قد يتفكك سريعا.

وقال يوسف وهو تركماني "وجود القوات الأميركية في كركوك ضروري جدا. بصراحة هم يعتبرون نقطة التوازن للقوى حاليا في المدينة وخاصة بالنسبة للمشاكل الموجودة بين السياسيين".

واضاف "لهذا فان (رحيل) القوات الأميركية قبل حل الوضع السياسي في كركوك باعتقادي سيكون خطأ قاتلا".

وعند سؤاله عما اذا كان من الممكن اندلاع عداوات مفتوحة صمت برهة ثم قال ان ذلك هو ما سيحدث على الارجح.

وتظل كركوك التي لم يحسم مصيرها وتجنبتها الاستثمارات مكانا كئيبا، كثير من أحيائه محروم من الخدمات الاساسية كالمياه النظيفة والكهرباء.

وقال الكولونيل لاري سويفت قائد القوات الأميركية في كركوك "لو كنت في مكان شركة نفط فلن اتي الى هنا". وتابع قائلا "لذلك ما ان ينتهي هذا الغموض، اعتقد أن الاستثمارات النفطية هنا ستهون من قيمة أي مساعدات أجنبية يتلقاها الاقليم".

وفوق ربوة في شمال كركوك كان علي حسن المجيد مساعد صدام حسين والذي أشرف على حملة الانفال ضد الاكراد يملك فيلا فخمة. ونفذ حكم الاعدام في حسن المجيد الذي اشتهر أيضا باسم "علي الكيماوي" في يناير/كانون الثاني الماضي ويعيش في الفيلا الموجودة على الربوة الان مسؤول كردي كبير.

وتتناثر فوق السهول المحيطة عمارات سكنية بناها الاف الاكراد الذين تدفقوا عائدين الى المدينة منذ عام 2003.

وكان من المقرر اجراء استفتاء على وضع كركوك في موعد أقصاه ديسمبر/كانون الاول 2007 ولكنه تأجل بعد أن اتهم العرب والتركمان الاكراد بملء المدينة بأقاربهم.

وكذلك جرى تأجيل التعداد السكاني -وهو منفصل عن الاستفتاء على وضع المدينة- عدة مرات بسبب مخاوف من أنه قد يؤدي الى أعمال عنف اذا ثبت أن الاكراد هم الجماعة الاكثر عددا في المدينة.

وقالت شعثة عبد الواحد (33 عاما) وهي امرأة عربية كانت تتحدث أمام متجرها ان عائلتها تتلقى تهديدات منذ أوائل سبتمبر/أيلول كي يحزموا أمتعتهم ويغادروا المدينة.

وقالت بينما وجهها تبدو عليه علامات الخوف والغضب "عندما جاءوا قالوا: يجب أن ترحلوا عن كركوك".

ورفضت أن تصف من هددوهم وهزت رأسها خوفا وقالت "نريد البقاء هنا. أعاننا الله. لكن سنضطر للرحيل اذا جاءوا مرة أخرى".

وقال ممتاز محمد (53 عاما) ان أحد جيرانه العرب اضطر لدفع 1700 دولار هذا الشهر لرجال مجهولين كي يتمكن من البقاء في بيته.

وقالت سهام أحمد (37 عاما) وتملك أيضا متجرا ان 16 عائلة عربية في الحي الذي تعيش فيه في كركوك غادرت المدينة الى مناطق أخرى في العراق بعد أن تلقوا تهديدات على مدى الشهرين الماضيين.

وقالت "الامور كانت أفضل كثيرا في السابق. الان الامور تزداد سوءا". ومضت تقول "الناس خائفون للغاية".

وسيطر الخوف على الغالبية لدرجة أنهم لم يرغبوا في الافصاح عن مصدر التهديدات. البعض ألقى المسؤولية على الاسايش وهو جهاز الامن الكردي مرهوب الجانب. بينما قال اخرون ان "زعماء سياسيين" يقفون وراء الاضطرابات.

وقال سويفت الذي كان يتحدث من القاعدة الأميركية انه تلقى تقارير تفيد بأن مجموعات من الناس يطوفون على البيوت ليلا زاعمين أنهم موظفو التعداد السكاني ويضغطون على العائلات كي ترحل.

وقال "غالبيتهم من العرب ولكن كان هناك أكراد أيضا". ومضى يقول "يوجه اللوم بالطبع الى جهاز الاسايش وأحزاب سياسية وجماعات ارهابية".

وأضاف "جرى الاتصال بكل من الاحزاب السياسية والاسايش وأبلغوا بأنه اذا كانت لهم أي علاقة بهذا، فيتعين عليهم التوقف فورا. وانه اذا كانت هناك مجموعة مارقة داخل أجهزتهم فينبغي السيطرة عليهم".

ومما يضيف بعدا اخر للصراع أن المسلحين يحاولون استغلال التوترات العرقية لزعزعة الاستقرار في الشمال حيث يمتد خط أنابيب لنقل النفط من كركوك الى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط بطول 970 كيلومترا.

وتعرض خط الانابيب الذي ينقل حوالي ربع صادرات النفط العراقي مرارا لهجمات على جانبي الحدود العراقية التركية والتي تلقى مسؤوليتها في العراق عادة على المسلحين السنة وفي تركيا على متمردي حزب العمال الكردستاني.

وينشط مقاتلو القاعدة المحليون ومقاتلون موالون لحزب البعث المنحل ويقصفون القاعدة العسكرية الأميركية يوميا تقريبا بقذائف المورتر حيث تدوي صفارات الانذار في أرجائها بشكل منتظم.

وحوادث اطلاق النار والتفجيرات باتت أشياء معتادة في الحياة اليومية هناك كما أصبح الخط الفاصل بين هجمات المسلحين والجريمة ضبابيا على نحو متزايد. وفي 26 أكتوبر/تشرين الاول الماضي قتل ثمانية أشخاص على الاقل في كركوك عندما هاجم مسلحون بقنابل يدوية سوقا للصاغة.

ولا تزال هناك ستة ألوية أميركية في العراق بموجب اتفاق أمني ثنائي موقع بين البلدين ومن المقرر أن تغادر في أواخر عام 2011.

وهناك مخاوف من ألا يكون الجيش العراقي قادرا على سد الفجوة التي ستتركها القوات الأميركية.

ويساور الشك العميد خطاب عمر عارف قائد قوة الشرطة الخاصة في كركوك.

وقال انهم سئلوا في اجتماع حكومي عقد مؤخرا عما اذا كانت قواتهم جاهزة وكان جوابه بالنفي واتفق معه ضباط اخرون وهو رأي كرره كثيرا العديد من المسؤولين والجنود العاديين العراقيين في كركوك.

لكن الجيش الأميركي يقول ان الجيش والشرطة العراقيين قادران على مواجهة التحدي.

وقال سويفت "لا يقدرون المستوى الذي أصبحوا عليه. ولا يقدرون المستوى الذي تراجع اليه التهديد. وفي حين أنه تنقصهم الثقة الا أنهم لا يفتقرون الى القدرة".

وفي دورة تدريبية مؤخرا في قاعدة مهجورة للجيش العراقي خارج بلدة ديبيس الشمالية شرح جنود أميركيون لوحدة من الجيش العراقي كيفية تأمين المباني ومداهمتها.

ولبناء الثقة شكلت القوات الأميركية دوريات مشتركة بين القوات العراقية ومقاتلي البشمركة الاكراد وشجعت القوات العراقية على التجنيد من كل الجماعات العرقية بشكل متكافئ.

وقال مسؤولون ان الاكراد يشكلون في الوقت الحالي حوالي 40 في المئة من شرطة كركوك بينما يشكل العرب 30 في المئة والنسبة الباقية موزعة بين أقليات عرقية أخرى مثل التركمان. ولكنهم ليسوا منسجمين دائما.

وقال يوسف وهو تركماني ان الصعوبة الاكبر في الوقت الحالي تتمثل في أن الضباط أكثر ولاء لجماعاتهم العرقية.

وقال الرقيب نجد رفيق توفيق (35 عاما) وهو جندي كردي في الجيش العراقي انه يحترم زملاءه العرب لكنه مصمم على الدفاع عن قضيته.

وتابع قائلا "هذه المدينة (كركوك) يجب أن تكون جزءا من كردستان. بذلنا من أجلها الكثير من الدماء. فلنحاول تحقيق حلمنا. ويمكنهم السعي وراء تحقيق أحلامهم".