الغيرة المصرية من أبوظبي السينمائي هل تحولت لضغينة؟

كتب - محمد الحمامصي
بيتر سكارليت جعل القضية الفلسطينية في قلب اهتمام المهرجان

هل يعتبر قرار اتحاد نقابات المهن التمثيلية في مصر برئاسة المنتج ممدوح الليثي وقف التعامل مع مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي وتحذير أعضائها، وراءه غيرة من نجاح المهرجان وتحقيقه مكانة عالمية باختياراته لأفلام عالية الجودة الفنية ومصداقية جوائزه وقدراته المالية على دعم السينما والسينمائيين العرب، في الوقت الذي تراجعت فيه مهرجانات القاهرة السينمائية بما فيها مهرجانها الدولي بشهادة المصريين أنفسهم، على مختلف المستويات بدءا من الأفلام التي تشارك فيه ومرورا بفقره المدقع وتسوله الدعم من رجال الأعمال تارة ومن وزارة الثقافة تارة أخرى وانتهاء بإدارته غير الفاشلة؟

قرار خطير وساذج سيضاف الى سجل قرارات مصرية مشابهة ولا نستغرب أن "أمير أفكار" مقاطعة النجوم العرب نقيب الفنانين المصريين أشرف زكي من ورائه خصوصا وهو الموقع الثاني على القرار/البيان.

لقد انتهت فعاليات مهرجان أبوظبي يوم 23 أكتوبر 2010 أي منذ ما يزيد عن عشرة أيام وجوائزه معلنة منذ ليلة الختام ونشرتها كافة الوكالات والصحف عربيا وعالميا. فجأة استيقظ هؤلاء ممن خرجوا بتهمة التطبيع لأبوظبي متأخرا أم ترى أن وراء الأمر قصدية للنيل من المكانة التي حققتها أبوظبي ثقافيا وفنيا؟

هل للأمر علاقة بفشل فوز الأفلام المصرية في المهرجان بأي من جوائزه على مدار الدورتين الأخيرتين، خاصة أن الدورة الأخيرة شهدت دخول فيلم رسائل البحر لداود عبدالسيد مسابقة أفضل فيلم روائي عربي، هذا الفيلم الذي أقام الدنيا وأقعدها في مصر لم ينل شيئا، لأن الفيلم اللبناني المنافس توفرت فيه كافة عناصر الفن السينمائي موضوعا ومعالجة وتصويرا وأداء تمثيلا.

لماذا لم يعترض بيان نقابة المهن التمثيلية المصرية والصحفيون الذين تحدثوا في الأمر وهاجموا المهرجان على الفيلم الذي عرض "القنوات الخلفية : ثمن السلام" وتناول السلام المصري الإسرائيلي والجري الحثيث للنظام المصري إلى عقد اتفاقية السلام في كامب ديفيد، والذي كشف الفيلم عن وقائع بالغة الأهمية حول ما جرى سرا/القنوات الخلفية قبل أن يذهب الرئيس السادات للقدس!

أم ان تطبيع مصر الرسمية التي يسبح امثال الليثي واشرف زكي بحمد نظامها حلال، وتسلل مشكوك فيه لمنتجة بريطانية مولودة في مدينة برمينغهام وتعمل في السينما البريطانية ومتخصصة في انتاج افلام تدافع عن ضرورة احترام معتقدات المسلمين حرام. التهمة التي تعذر بها هؤلاء انها اسرائيلية.

مهرجان أبوظبي السينمائي ليس مخفر أمن وتحريات. وليس من الوارد ان يقوم بالاستقصاء عن المئات من المشاركين في المهرجان. هذه المهمة تليق أكثر بالشرطي السابق والمنتج الحالي ممدوح الليثي الاب الروحي لقرار المقاطعة.

لقد تابعت مهرجان أبوظبي منذ تولى مديره الحالي بيتر سكارليت، وسمعت من الصحفيين زملائي عن الدورتين السابقتين لتوليه، وبالطبع هذا لا ينال من الجهد الذي بذلته السيدة نشوى الرويني، لكن مهرجانها لم يكن كمهرجان بيتر سكارليت من حيث الأفلام وحضور النجوم العالمين والعرب والتنظيم والندوات وغير ذلك.

هذا الرجل بيتر سكاريت الذي تكال له الاتهامات، وهذه الهيئة الوطنية القومية هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، حشدت أفضل الأعمال السينمائية الروائية والوثائقية الطويلة والقصيرة وكذا أفلام مسابقة الإمارات، لقضية العرب والمسلمين قضية فلسطين.

حتى ليمكن أن يطلق على هذه الدورة دورة القضية الفلسطينية من كثرة الأفلام التي عرضت دفاعا عن فلسطين والفلسطينيين وكشفا للجرائم الوحشية للاحتلال الإسرائيلي، لم يخل قسما من أقسام المهرجان من فيلم أو اثنين وأحيانا ثلاثة أفلام تعالج القضية ومأساة الفلسطينيين. والأهم من عدد الأفلام التي حشدت دفاعا عن القضية الفلسطينية قضية العرب جميعا وليس بلدا عربيا بعينها، أن نسبة كبيرة من صناعها غربيين، "ميرال"، "أطفال الحجارة أطفال الجدار"، "دموع غزة"، و"وطن".

ثم يأتي من يحارب أبوظبي ويطعن في وطنيتها ويحرض عليها، ليس هناك منطق وراء ذلك إلا منطق العداء للنجاح والتفوق الذي لم يعد يملكه البعض، البعض المكتفي بإرث الماضي ويفقد القدرة على الإضافة إلى ماضيه العريق حقا وصدقا، لكن إلى متى سيظل يبيع هذا الفخر بالماضي، للأسف دون ان يسأل نفسه، لأن الواقف بكاء على الأطلال يعجبه، لكن العصر ليس عصر أطلال ولا بكاء، العصر عصر عمل متميز، لن يقبل منك إلا عملا متميزا، وهكذا تفعل أبوظبي العمل المتميز، ولا تقبل من أحد إلا العمل المتميز مثلها مثل أي دولة في العالم تقدر قيم العمل الجاد والمتميز سبيل للتقدم والتطور والسبق.

إن الفيلم الذي تقوم الدنيا عليه وتقعد منذ فترة وشارك فيه المصري خالد النبوي "لعبة عادلة"، فيلم يفضح الإدارة الأميركية برئاسة بوش، ويدينها في غزوها للعراق، مؤكدا أن المعلومات الاستخباراتية وراء غزو العراق كانت ملفقة وكاذبة. الفيلم، بالمناسبة، من انتاج شركة ايميج نيشن أبوظبي وهي الشركة الصاعدة في عالم اختراق هوليوود وهو الشيء الذي عجز عنه الليثي واشرف زكي وبقية شلة المزايدات.

القضية الفلسطينية لم تكن وحدها الحاضرة بقوة في مهرجان أبوظبي بل كانت القضيتان العراقية واللبنانية أيضا حاضرتين بنفس القوة، من خلال أعمال جيدة جدا، مثال القضية العراقية فيلم "في أحضان أمي" لعطية ومحمد الدراجي، عن أطفال العراق الذين شردهم الاحتلال الأميركي، وفيلم "كرنتينة" الذي كشف عما أدي إليه الاحتلال من دمار للمجتمع العراقي حتى بات مستقبله مهددا بالعنف والقتل العشوائي، كذلك القضية اللبنانية من خلال الفيلم الأكثر من رائع "حرائق" والذي لم يكتف بالإدانة المستترة للحرب الأهلية وما قامت به من تخريب اجتماعي وإنساني وحشي، بل أدانها بشكل واضح وصريح عبر صور مؤلمة لوحشية الأطراف المتصارعة، فضح قتل المسيحي للمسلم لأنه مسلم، وقتل المسلم للمسيحي كونه مسيحيا، فضح التعذيب والاغتصاب، في رسالة شديدة القسوة، من اغتصبتها هي أمك وهؤلاء الأبناء أبناؤك.

وإذا ذهبنا إلي أفلام مسابقة الإمارات وجدنا نفس الأمر، القضايا العربية تسيطر بسطوة غريبة على شباب السينمائيين الشباب في الخليج وعلى رؤيتهم، مثل فيلم "طائر الفينيق" الذي يدين الاحتلال الإسرائيلي وينتظر للمقاومة، وفيلم "القندرجي" الذي أيضا يدين التعذيب في سجون العراق.

أما عن فريق العمل الذي أشير إلى أنه أمريكي يهودي أو من أصول يهودية، فعن نفسي منذ وصلت مطار أبوظبي حتى خروجي منه جميع من تعاملوا معي داخل أروقة المهرجان وإداراته وخارجه كانوا عربا، هناك العراقي والتونسي واللبناني والمغربي والمصري والإماراتي، الطاقم الوحيد الذي كان أغلبه إمارتيا كان طاقم المتطوعين من "فزعة" وهم مجموعة من الشباب المشرف والذي يتمني المرء أن يكون أي واحد فيهم ابنا له من فرط الأدب والتهذيب الذي كانوا يتعاملون به.

لقد اشتغلت وتشتغل أبوظبي في دأب وصمت ودون إدعاء، ومشروعات هيئة أبوظبي للتراث والثقافة واضحة وجلية، إذ يمتد نشاطها شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وهي لا تحتاج لمثلي لكي يدافع عنها، فأعمالها كفيلة بالدفاع، ولكن لأن الأمر فيه ما يشبه الغيرة التي تحولت إلى شبهة ضغينة وتحريض.