سوريا: جمعيات رعاية الأطفال المعنّفين تحتاج إلى رعاية

أحلام كبيرة تتحطم على صخرة الواقع

دمشق – تبلغ رشا من العمر 3 أشهر، وقد تركتها والدتها في مستشفى "الزهراوي" مصابة بفجوة في الرأس وفتق في القدم والبطن وميلان في قدمها، وبعد إرسالها من مستشفى الزهراوي الى مستشفى الأطفال بغرض علاجها لم تستطع الشرطة العثور على أمها في العنوان المتروك عند المستشفى حيث ولدت.

واليوم تتمتع رشا بوضع صحي جيد وتعيش مع 36 طفلاً آخر من أعمار مختلفة في جمعية "المبرة" النسائية التي تأوي أطفالا تعرضوا لظروف قاسية فرضت عليهم العيش محرومين من عائلة حقيقية ترعاهم وتقدم لهم الحنان والاهتمام.

ويتلقى الأطفال في الجمعية المعونات والتبرعات من "المحسنين"، وتؤكد إحدى القائمات على الجمعية لموقع "سيريا نيوز" أن "مقدار التبرعات الحكومية التي تصل للدار سنوياً قليلة جداً ومضحكة".

وتضيف "أرسل مجلس الوزراء للجمعية مبلغ 3 آلاف ليرة سورية (حوالي 60 دولار) هذا العام كمعونة، بينما أرسل العام الماضي مبلغ 5 آلاف ليرة (حوالي 100 دولار) فالمعونة تتناقص بدلا من أن تزداد مجاراة لغلاء المعيشة"، مشيرةً إلى أن "محافظة دمشق تبرعت بمبلغ 5 آلاف ليرة سورية كمعونة للجمعية عن العام كله".

وعن تأمين الرعاية الصحية للأطفال تقول رئيسة الجمعية ندى دياب إن "أطفال الجمعية يتلقون رعاية طبية من عدة أطباء متبرعين يزورون الجمعية أسبوعياً للاطمئنان على صحة الأطفال، فضلاً عن تأمين الدواء اللازم لهم"، مشيرة إلى أن "العمليات الجراحية يدفع أجرها المتبرعون".

ويزور الجمعية أشخاص يقدمون التبرعات بمختلف الأشكال، حيث يأتي طلاب الجامعات وغيرهم لتقديم المساعدة في الدراسة للأطفال.

وتسرد دياب قصصا غريبة ومحزنة لبعض الأطفال الذين تأويهم الجمعية، أبرزها قصة محمد (3 سنوات) الذي قام والده بطعن أمه بخنجر، وبعدها قررت الأم الهروب من المنزل خوفاً من التعرض لما هو أسوء، وتركت خلفها أربعة أطفال تحت رحمة أب مدمن للكحول والمخدرات.

وتضيف دياب "أقدم الأب على حرق ابنته الكبيرة بالزيت المغلي والصغرى بالكبريت، بينما ضرب ابنه الكبير مسبباً له كسراً في الكتف، أما ابنه الصغير فكان نصيبه الرمي من شاحنة والإصابة بالعديد من الكسور في مختلف مناطق جسمه".

وتشير إلى أن الأخوة الأربعة انتقلوا إلى الجمعية عن طريق شرطة العباسيين ليتلقوا الرعاية اللازمة بعيدا عن والدهم الذي لم يفكر بزيارتهم بعد خروجه من السجن.

وتقول المرشدة النفسية مكرم القائد المشرفة على أطفال جمعية "المبرة": "أزور الجمعية ثلاث مرات أسبوعياً، وأعمل على التقرب من الفتيات في عمر المراهقة لمساعدتهن على تخطي صعوبات هذه المرحلة الحساسة".

وتضيف "أعمل على إعطاء الأمهات العاملات في الجمعية عدة دروس على شكل دورات، تزيد من تفهمهم لوضع الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية وكيفية التعامل معهم وتأكيد الأساس العلمي في طريقة التعامل مع الأطفال في مختلف المراحل العمرية واستيعاب متطلبات كل مرحلة على حدة".

وبخصوص حالة المراهقات النفسية في الجمعية، أوضحت المرشدة النفسية أن "وضعهن جيد ولا يوصف بالمتأزم، وإنما ألحظ اختلافاُ مبرره الوحيد حرمانهم من الرعاية الأسرية وغياب الوالدين، فتكون انفعالاتهن زائدة عن الحد الطبيعي بشكل بسيط وعنادهن أكبر أيضاَ".

ويسعى عدد من مؤسسات المجتمع الأهلي في سوريا للعمل على إنشاء مشاريع تهدف إلى حماية الأطفال من العنف والتشرد، غير أن أغلب هذه المشاريع تفتقر إلى الدعم المادي الحكومي والخاص.

وتهتم جمعية "حماية الطفل" في مدينة حمص بحماية الأطفال من جميع أنواع العنف (الجسدي، الجنسي، المعنوي) وكذلك حمايتهم من التشرد والعمالة.

وتعمل على إصدار برامج تأهيل وتوعية وإرشاد موجهة للأسر في مجال حقوق الطفل والتربية، فضلا عن دورها في معالجة الأطفال من الأضرار الجسدية والنفسية في حال تعرضهم للعنف، وتوعية الأطفال بحقوقهم الإنسانية لضمان إلمامهم بها.

ولكن أمين سر الجمعية المهندس ملاذ ميلص يؤكد أنها تعاني من معوقات كثيرة أبرزها قلة الموارد المالية "حيث أن التمويل يكون عن طريق التبرعات فقط، وكذلك عدم تمكننا من إيجاد مركز لإيواء الأطفال المشردين والمعنفين على الرغم من وجود مشروع بيننا وبين وزارة الشؤون الاجتماعية بانتظار توقيع العقد، كما أن الجمعية لا تملك سلطة لحل مشاكل الأطفال إلا بالطرق السلمية ومحاولة التواصل مع الأهل لتوعيتهم".

ويرى مراقبون أن الحديث عن حماية الأطفال من كافة أشكال يبقى ناقصاً ما لم يتم إحداث تغيير في طريقة التعاطي الجهات الحكومية السورية بشكل جدي مع هذه المشكلة والاعتراف بها على أنها مشكلة وطنية حقيقية تتطلب من الدولة والجمعيات الأهلية على السواء تكثيف الجهود للبحث عن حلول ميدانية تضمن الوصول الفعلي إلى هذه الفئة الأكثر تعرضاً للانتهاك والتمييز.