فتش في دمائك عن عبدالمطلب وأحمد صدقي

بقلم: أحمد الخميسي
جمال من نوع خاص

كان صوت محمد عبدالمطلب يصلنا ونحن صغار عبر الراديو فتصفه جدتي خديجة مطمئنة إلى رحمتها وعدالة حكمها: "حمار الإذاعة بيغني".

مقارنة بكارم محمود وعبدالعزيز محمود وعبدالغني السيد ثم عبدالحليم حافظ كان صوت عبدالمطلب يبدو أجشا قبيحا خشنا يفتقد عذوبة وطلاوة أصوات المطربين التي تذيب القلوب. باختصار لم يكن صوت عبدالمطلب "جميلا" بمعايير الجمال السائدة حينذاك، أضف إلى هذا أن وجهه كان يشبه حبة بطاطس ضخمة مليئة بالنقر.

الآن بعد أن غربل الزمن المطربين، واستصفي من الماضي أجمل ما فيه، يتضح أن عبدالمطلب في القمة مع عدة أصوات قليلة.

الجئير اليقظ في صوت عبدالمطلب، والتفجر الذي تدور في فضائه أتربة الحياة، وخشونة الصوت المؤدي الأقرب للواقع، عاش أطول من الجمال الذي كانوا ينمقونه بعناية وفقا لمواصفات محددة.

قدم عبد المطلب جمالا من نوع خاص لا يبالي بالجمال المتعارف عليه، جمال لا يزال قادرا على أن يرجَّ المشاعر حين يغني رائعة عبدالعظيم محمد "في قلبي غرام مصبرني على خصامك.. وطول بعدك".

وعبدالمطلب (1907 – 1980) فلاح جاء من شبراخيت إلى القاهرة وأصبح مذهبجيا (مردِّدًا) في فرقة محمد عبدالوهاب، ثم شق طريقه الخاص بأغنية "بتسأليني بأحبك ليه؟" ثم قدم بعضا من أروع الألحان المصرية على الإطلاق منها لحن العبقري حسين جنيد "ما بيسألشي علي أبدا.. ولا بتشوفه عنيه أبدا"، وتحفة رياض السنباطي "شفت حبيبي وفرحت معاه"، وغيرها.

ونحن كثيرا ما نفتش في عقولنا لنرى أسماء كبار الكتاب الذين أثروا فينا، والتيارات والمذاهب الفلسفية التي شكلت رؤانا، لكننا قلما نفتش في دمائنا عن الموسيقيين الذين صنعوا وجداننا العاطفي، وارتبطت ألحانهم بكل لحظة عشق أو حزن أو فرح في حياتنا.

نحن لا نفتش في دمائنا عن السلم الموسيقى مع أنه الأشد تأثيرا في كثير من الأحيان، فالكتب والأفكار تظل مرتبطة بطبقة جديدة من العقل، أما الموسيقى فإنها مرتبطة بمراكز عصبية أقدم في تاريخ التكوين البشري.

ولم تكن مصادفة أن يقول ابن خلدون إن أول ما ينهار من الأمم صناعة الموسيقى وصناعة المعمار. لكننا لا نرى، ولا نحاول أن نرى الألحان التي تصنعنا والملحنين الذين ألفوها، لا نرى عبقريا مثل الملحن أحمد صدقي (1916 – 1978)، وقد ترك ما يناهز خمسة آلاف لحن، إذا ذكرتكم ببعض منها ستندهشون وتعرفون قيمة ذلك الملحن العبقري. من ألحانه غنت نجاة علي "إن رحت مرة تزور عش الهوى المهجور سلم على قلبي". هل ينساه أي منا؟ من ألحانه غنت ليلي مراد في فيلم شاطيء الغرام "رايداك والنبي رايداك.. أحلف لك بدمع العين.. ومالكش على يمين.. إن فاتت على سنين.. ح أفتكرك ولا أنساك"، وغنى له محمد قنديل "إنشاء الله ما أعدمك"، وليس هناك مطرب أو مطربة لم يلجأ لألحان لأحمد صدقي حتى عبدالحليم حافظ وشادية.

وكان ذلك الملحن العبقري نحاتا ومثالا، التحق بمدرسة الفنون الزخرفية عام 1932 وبعدها بعام التحق بمعهد فؤاد للموسيقى العربية، وشارك في تلحين أغنيات ما يقرب من مئة وخمسين فيلما، غير المشاهد الغنائية التي قدمها للإذاعة، ومنها مشهد بعنوان "يا ليل يا عين" عن قصة لعلي أحمد باكثير إعداد نجيب محفوظ!

ارتبط أحمد صدقي أيضا بصوت محمد عبدالمطلب الخشن، وبجئيره المحبب، فلحن له رائعته التي مازلنا نرددها "أصعب على روحي لما أشوف حالي"! وأغنية "صحبة" وغيرها. والآن، بعد مرور نحو نصف القرن، يفتش المرء في دمائه، فيجد ذلك الجمال الحي الذي اغترف من أغاني الريف وأزقة المدن، ويرى أحمد صدقي وعبدالمطلب في مجرى روحه وذكرياته وخلاياه.