إسرائيل تتحايل على الجغرافيا والديمغرافيا فماذا عن الزمن؟

بقلم: ماجد كيالي

قبل عقود من الزمن سادت فكرة مفادها أن إسرائيل تلهث وراء التسوية والتطبيع مع العالم العربي، وأن على العرب أن يحذروا من ذلك، لأن التسوية سترسّخ مكانة إسرائيل، ولأن التطبيع سيفضي إلى هيمنتها على هذه المنطقة من النواحي الاقتصادية والأمنية والسياسية، وحتى أنه سيغيّر هويتها (العربية)!

وبغض النظر عن تناقض هذه الفكرة مع منهج الاستخفاف بإسرائيل، وما تتضمنه من مبالغة وتهويل وأخطاء، فإن وقائع عملية التسوية الجارية منذ عقدين، أكدت عكس ذلك. هكذا شهدنا أن إسرائيل عاشت صراعات داخلية حامية لنبذ التوجه نحو التسوية والتطبيع، بل إن الأمر وصل بها حد مخاصمة دول أوروبية، ومناكفة إدارات أميركية (وهو ما نشهده حتى اليوم)، لإصرارها على التملص من عملية التسوية.

وكنا في مقال سابق ذكرنا بأن عدم مسايرة إسرائيل لعملية التسوية ينبع من عدم وجود ما يضطرها لذلك، لا في موازين القوى بينها وبين العالم العربي (وضمنه مع الفلسطينيين)، ولا في المعطيات الدولية والإقليمية السائدتين. وهذا يعني أن ثمة ضغوط من نوع مختلف تحثّ الإسرائيليين على نقاش التسوية، مايفسّر مقولة أن "الإسرائيليين يتفاوضون مع أنفسهم"، وكأن عملية التسوية تتعلق بتقرير مستقبلهم، أكثر مما تتعلق بمستقبل علاقاتهم مع الفلسطينيين، وأكثر مما لها علاقة بتقرير مصير هؤلاء.

في هذا الإطار يمكن ملاحظة أربعة عوامل تعمل في هذا الاتجاه، وبمعزل عن علاقات القوى العسكرية والمادية والسياسية السائدة، أولها، الديمغرافيا، وثانيها، متطلبات السياسة الدولية (خصوصا الأميركية)، وثالثا، عامل نزع الشرعية، ورابعها، الزمن.

بالنسبة للعامل الأول، لم يعد خافيا خشية إسرائيل من رجحان الميزان الديمغرافي لصالح الفلسطينيين، فما الذي يمكن أن تفعله الصواريخ والدبابات بهذا الشأن، لاسيما أن ميزان الهجرة إلى إسرائيل لم يعد كما في التسعينيات (حيث استقبلت إسرائيل حوالي مليون مهاجر من دول الاتحاد السوفييتي السابق)، وأن مخططات الترحيل ("الترانسفير") للفلسطينيين لم تعد تصرف في هذه المنطقة؟ وفي كل الأحوال فثمة نضوب في البلدان المصدرة للهجرة، ويهود الولايات المتحدة غير مستعدين للقدوم لإسرائيل، في حين أن هذه لم تعد جاذبة لليهود، بخاصة أنها أكثر دولة لاتتيح استقرارا واطمئنانا لهم؛ بعكس الهدف من إنشائها.

ومن المعلوم أن المسألة الديمغرافية تمسّ تعريف إسرائيل لذاتها، فهل هي دولة يهودية أم ديمقراطية؟ أهي دولة لليهود أم لمواطنيها؟ أهي دولة عنصرية أم ثنائية القومية؟ ومعلوم أن هذه الأسئلة تلحّ على الإسرائيليين لأنها تخصّ تعريفهم لهويتهم (يهودية أم إسرائيلية؟)، وثقافتهم (دينية أم علمانية؟)، ونظامهم السياسي (عنصري أم ديمقراطي؟)، أكثر مما تتعلق بالآخر، الذي يكاد يكون ممحوا، وغير ذي صلة، في هذه النقاشات.

من جهة أخرى، لاشك أن للاعتبارات السياسية الدولية والإقليمية دورها الضاغط على إسرائيل بشأن التسوية، ولو أنها لم تصل، ولم تشتغل، إلى الدرجة المناسبة،. وفي هذه المرحلة، مثلا، باتت عملية التسوية بمثابة ضرورة لتسهيل السياسة الأميركية (لاسيما إزاء ملفات إيران والعراق ولبنان)، بحيث أنها باتت تعتبر جزءا من الأمن القومي للولايات المتحدة، ماوضع إسرائيل في موقف صعب (داخليا وخارجيا)، فهي غير جاهزة للتسوية، وبنفس الوقت لاتستطيع معارضة السياسة الأميركية والظهور بمظهر من يخرب عليها، لأن ذلك يعني بداهة إضعاف إسرائيل، وإضعاف الدعم الأميركي لها.

من ناحية اخرى فإن الخلاف مع الإدارة الأميركية ينعكس على شكل خلافات داخلية في اسرائيل، وتوتر بين الحكومة الإسرائيلية ويهود الولايات المتحدة؛ ودليل ذلك ماحصل في مؤتمر عقد في القدس مؤخرا، وحضره مئات من قادة اليهود في العالم. ففي حين دعا هؤلاء القادة اسرائيل لمسايرة عملية التسوية، قام نتنياهو بصد هذه الدعوة بذريعة الحرص على امن اسرائيل، وضرورة مواجهة الاسلام المتطرف وإيران النووية، بينما أيد شمعون بيريز هذه الدعوة بقوة. وقال بيريز حينها: "إسرائيل غير قادرة على إعطاء الولايات المتحدة ما تعطيه لإسرائيل، ولكنها قادرة بطريقتها على مساعدتها من خلال «وقف الصراع مع الفلسطينيين والتركيز على التهديد المركزي – إيران». ويتضح من ذلك بأن إسرائيل تجد نفسها اليوم في مكانة حرجة بشأن موقفها من عملية التسوية، على الصعيد الدولي إزاء الولايات المتحدة (وأوروبا)، مايفسر محاولاتها إيجاد مخارج أو حلول وسط للخروج من هذه الحال، علما أن إسرائيل هذه لم تقل يوما إنها ضد عملية التسوية، مع إنها عمليا تفعل كل شيء في هذا الاتجاه.

فوق هذا وذاك فقد برز في الآونة الأخيرة عاملا جديدا من عوامل الضغط على إسرائيل، ويتمثل ببروز شبكات المجتمع المدني الدولي، التي باتت تتحكم بالرأي العام، بعد تضعضع سيطرة الحكومات والاحتكارات على الفضاء الإعلامي، بفضل التطورات التكنولوجية في مجال الإعلام والمعلوماتية. فبدفع من هذه التطورات توسعت حركات التضامن مع الفلسطينيين، وباتت حقيقة إسرائيل كدولة استعمارية وعنصرية ودينية أكثر انكشافا في العالم؛ وقد شهدنا تأثير ذلك عليها، بمفاعيل تقرير غولدستون (بشأن ارتكابها جرائم حرب في غزة)، وبتداعيات هجومها على أسطول الحرية، وجريمة اغتيالها قيادي من "حماس" في دبي، مع كل ما يتعلق بممارساتها الاحتلالية والاستيطانية والقمعية ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع المحتلين.

وقد نشأ عن كل ذلك تزايد ظاهرة مقاطعة إسرائيل في أوروبا والولايات المتحدة (مقاطعة اقتصادية وأكاديمية وثقافية وفنية)، كما نشأ عنها مابات يعرف بمسار نزع الشرعية عن إسرائيل. ولاشك بأن إسرائيل تبدي حساسية كبيرة إزاء هذا المسار، الذي نزع منها احتكار صورة الضحية، بل إنها باتت تعتبره بمثابة تهديد استراتيجي لها (ربما لايقل خطورة عن التهديد الإيراني)، لاسيما أنها تخشى أن يفضي بها إلى نفس مصير نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا. ومشكلة إسرائيل إنها لاتستطيع شيئا إزاء هذا التحدي، فهنا ليس ثمة جيش، ولا عمليات عسكرية، ولاحكومات، ولا إقليم جغرافي معين، ولا عدو محدد، وإنما مجموعات بشرية، منتشرة في كل المجتمعات في العالم، لا ضغوط عليها، ولا مصالح تهدد بها، ولا قيود تكبحها. وهي مجموعات تتميز بوعيها لدورها، وتعمل من أجل سيادة قيم الحرية والعدالة والسلام، عبر شبكات "الانترنيت" و"الفيسبوك" و"تويتر" و"اليوتيوب".

أخيرا، ومنذ قيام إسرائيل كان ثمة عامل الزمن، الذي ظل يشكل إقلاقا شديدا لها، بشأن دوام استقرارها وأمنها ومستقبلها، وهذا يشمل الزمن الديمغرافي والسياسي والاقتصادي والعسكري لها، كما لدول المنطقة. وشدة ضغط هذا العامل تنبع من ضآلة حجم إسرائيل، لجهة الجغرافيا والديمغرافيا والموارد والعمق التاريخي، بالقياس لمحيطها العربي. ولعل ذلك يفسر هستريا القلق التي تنتاب إسرائيل وحرصها المزمن على دوام تفوقها الاستراتيجي على محيطها، وفي مجالها الإقليمي أيضا، لاسيما في مجال الأمن؛ وضمنه دوام احتكارها لما تسميه سلاح يوم الآخرة (السلاح النووي).

واضح أن إسرائيل تأخذ كل هذه الاعتبارات القلقة في حسابات استقرارها وتطورها ومستقبلها، ولكن مشكلتها إنها تأخذه على طريقتها، أي على أساس حفاظها على وضعها كدولة يهودية، استعلائية وغريبة، في هذه المنطقة، وعلى الضد من الحسابات التي قد تفضي لتحولها إلى دولة عادية، أي دولة مواطنين، بدون احتلال، وبدون أيدلوجية صهيونية عنصرية، وبدون ادعاءات دينية وخرافية.

ومثلا، فقد ردّت اسرائيل على ماتسميه الخطر الديمغرافي بالانسحاب الأحادي من غزة، وبالتلويح بذات الخطوة في بعض مناطق الضفة، وبطرح يهودية الدولة. وبما يتعلق بمتطلبات السياسة الأميركية هاهي اسرائيل تلتف على ذلك بتأجيل ملف التسوية، وبطرح تسويات مرحلية جديدة، بدعوى معالجة ملف إيران أولاً. أما بالنسبة لحملات المقاطعة ضدها فهي تشكك بمقاصدها، وترميها بتهمة "اللاسامية"؛ مع إن هذه التهمة لم تعد ذات جدوى، مع انكشاف الممارسات الإجرامية الإسرائيلية. ويبقى عامل الزمن، وهو لها وعليها، حيث تراهن إسرائيل على بقاء العالم العربي على الحال التي هو فيها.

هكذا تحاول إسرائيل التملص من عملية التسوية، بتحايلها على الجغرافيا والديمغرافيا، وعلى العالم، وعلى الزمن، ولكن إلى متى؟

ماجد كيالي