شاق واق: مخاطر التجارة باسم الدين في العالم العربي

'طرافة وخطاب واضح'

تونس - يحذر المخرج التونسي الشاب نصر الدين السهيلي في فيلمه "شاق واق" الذي اثار جدلاً وتم سحبه من المسابقة الرسمية لايام قرطاج السينمائية، من تنامي ظاهرة التجارة باسم الدين في العالم العربي.

وقال السهيلي بعد عرضه امام جمهور غفير تزاحم امام قاعة المونديال "اخيرا تم عرض الفيلم للجمهور بعدما تم سحبه من المسابقة الرسمية للمهرجان ولم يمنع تقديمه للصحافيين".

وكشف المخرج ان وزارة الثقافة والمحافظة على التراث طلبت منه في وقت سابق التوقف عن الإدلاء بتصريحات صحافية احتجاجا على إقصائه من المسابقات، في مقابل برمجة الشريط في اطار قسم بانوراما.

في المقابل اكد المنظمون ان "المخرج هو الذي قرر سحب الفيلم".

واضاف المخرج "لقد اردت (من خلال الفيلم) وضع الاصبع والتنبيه الى خطر كبير يحدق بنا دعمته القنوات الفضائية التي ما برحت تبث فتاوى على لسان مشايخ متزمتين الا وهو التطرف الديني والمتاجرة باسم الدين الاسلامي المعتدل".

وتابع "كما يتناول تلاعب السلطة بالشباب غير المثقف ومساهمتها في صنع ارهابيين".

ويستهل المخرج فيلمه بعملية دفن لامام جامع قرية صغيرة تسمى "شاق واق" تقع في سفح الجبل فيشرع المسؤولون المحليون في البحث عن امام مسجد جديد تتوفر فيه الشروط الضرورية لتولي هذا المنصب الروحي المهم لسكان القرية.

وعند انتشار الخبر يتسابق المنحرفون واللصوص والمجرمون وخريجو السجون للمشاركة في الاختبار في مشهد كاريكاتوري ساخر يفضح عقلية انتهازية مسكونة بالطمع.

ومن خلال هذه الشخصيات يكشف المخرج عن مخاطر التجارة باسم الدين وطمس روح الاسلام المتسامحة والثقافة التنويرية التي "يحاربها الجهلة المتسترون بالدين".

وعزا السهيلي الاقبال الكبير على مشاهدة هذا العمل رغم ان الافلام القصيرة لا تستهوي عادة الجمهور العريض الى "تعطشهم لحرية التعبير والافلام المستقلة التي تتسم باستقلالية كبيرة في طرح افكارها".

ومضى يفسر "لقد منع الفيلم من العرض في اطار ايام قرطاج السينمائية بعد سحبه من مسابقتها الرسمية بدون مدي بتوضيحات حول اسباب الرفض" قبل ان يلفت الى ان "ضغط الاعلاميين ومنظمات المجتمع المدني هي التي يعود اليها الفضل في برمجة هذا العرض اليوم".

واكد ان "السباق للفوز بجوائز المهرجان لا يهمني بقدر ما تهمني مشاهدة الجمهور لهذا المجهود وردود فعله".

ودعا السينمائيين الشبان الى المثابرة وان يكونوا في حجم المسؤولية "في هذه المرحلة التي تجاوزت فيها الرقابة كل الحدود وصارت افظع".

وهي المرة الثانية التي يتعرض فيها نصر الدين السهيلي الذي اخرج عمله "بدون دعم من احد" لهذه الضغوط. فقد سبق ان منع فيلمه الاول "بوتليس" العام 2008 "لان طريقة تناولي للمواضيع تزعج على ما يبدو وتخلق مشاكل" على ما قال.

ويروي هذا الفيلم قصة رجل عربيد يستولي على ارض شاسعة ويستغلها طيلة عشرين عاما بطريقة غير شرعية.

وفي سياق متصل قال عاطف بن حسين, الذي يتقاسم ادوار البطولة في الفيلم مع الممثلين البارزين لمين النهدي وفاطمة بن سعيدان وتوفيق الغربي "ان الفيلم مختلف في طرح الموضوع عن بقية الافلام التونسية وربما هذا يزعج الكثيرين". ونوه النقاد بالفيلم لما يتسم به من "طرافة وخطاب واضح".

ووصف الصحافي نور الدين بالطيب هذا العمل "بالموجع والجريء" ورأى فيه "خطابا واضحا في دفاعه عن التنوير كقيمة أساسية لتنمية مشروع التحديث والتنمية وفضحا لثقافة الجراد الاسود الذي يستهدف اجمل وأنبل أفكار التنوير والحداثة من خلال اغتيال الاختلاف ومصادرة التفكير".

وعلق مواطنه ناجي الخشناوي قائلا "ان زاوية الطرح تبدو طريفة وذكية وتنم عن قدرة في تفكيك ظاهرة التطرف الديني بطريقة بعيدة عن المباشراتية والسطحية"، متسائلا "متى ستنتهي مواسم الخوف والتردد لدفع الافق الثقافي والفكري الى مساحات اكثر حرية وتحرر"؟

وتستمر ايام قرطاج السينمائية الى الاحد ويتنافس فيها 47 فيلما طويلا وقصيرا من النوع الروائي والتسجيلي من ثماني دول عربية وثماني دول افريقية للفوز بالجوائز الثلاث الرئيسية للمهرجان".