الإبيجراما العربية في رسالة دكتوراه

فن أدبي جديد

القاهرة ـ يعد فن الإبيجرام من الفنون الجديدة على الدرس الأدبي العربي. وعلى الرغم من عراقة هذا الفن في الآداب الغربية، إلا أن النقاد العرب لم يلتفتوا إليه أو لم يهتموا به الاهتمام المناسب، باستثناء الدكتور طه حسين الذي يعد أول من أشار إلى هذا الفن في أدبنا العربي في كتابه "جنة الشوك"، ثم تلاه الدكتور عز الدين إسماعيل في ديوانه "دمعة للأسى ... دمعة للفرح".
وتعد أطروحة الدكتور عبدالله رمضان الأولى من نوعها التي تدرس هذا الفن بشمول وعمق تناول مكوناته المتعددة وخصائصه وسماته التي حددها الباحث.
ويذكر أن كلمة إبيجرام “Epigram” مأخوذة من الكلمة اليونانية: Epigramma وجمعها إبجراماتا Epigrammata، وهي مقطوعة شعرية قصيرة، ومعناها في الإنجليزية الحديثة: الحكمة، أما المعنى الاصطلاحي الذي توصل إليه الباحث فهو: "الإبيجرام شكل أدبي – شعر أو نثر- يتميز بالتركيز والتكثيف وواحدية الفكرة التي تطرحها المقطوعة الواحدة منه، وقد يعتمد على لغة المفارقة وبنية التضاد، سواء على مستوى الألفاظ أم المعاني، وغالبا ما ينتهي بنوع من أنواع المفاجأة أو الإدهاش. وتتنوع موضوعات هذا الفن، ومن أبرزها النقد الاجتماعي والسياسي. وقد تأتي الإبيجرامة الواحدة في هيئةِ بنيةٍ مستقلة، أو داخل بنيةٍ أكبرَ منها تمثِّل هي إحدى مكوناتها".
وهذا الفن من الفنون الإغريقية القديمة، ولم يعرف باسمه هذا في أدبنا العربي القديم، وإن كان هناك أنماط إبداعية عربية قديمة لا تقل شأنا عن هذا الفن بل توجد بها أكثر سماته، ومن ذلك مثلا ما عرف بالأجوبة المسكتة، وكذلك الهفوات النادرة، وهي تستحق دراسة مستقلة، كما أوضح الباحث.
واستطاع رمضان أن يمايز كذلك بين الفهم الشائع الذي يخلط بين فن الإبيجرام بسماته المحددة الواضحة وبين فن التوقيعات، حيث فرق بين الفنين وأوضح أن التوقيع يختلف عن الإبيجرام من عدة أوجه منها أن التوقيع لا بد أن يكون في سياق يتمثل في وجوب معرفة القارئ بالمرسل والمرسل إليه وموضوع الرسالة، أما الإبيجرام فهو إنتاج إبداعي خالص لا يرتبط بمكونات سياقية حتى يتكشف مغزاه.
وقد أوضح عبدالله رمضان في مقدمة أطروحته الجامعية الصعوبات التي واجهته والدراسات الأكاديمية السابقة، ومنها رسالة ماجستير بعنوان "فن الإبيجراما بين طه حسين وجون دن"، وهي تندرج تحت الدرس المقارن، وعلى هذا لم تعن بدرس هذا الفن في أدبنا العربي بمبدعيه المتعددين ونطاقاته الجغرافية المتعددة، وهناك رسالة أخرى لأحد الباحثين درس فيها بناء قصيدة الإبيجراما في الأدب العربي الحديث، وقد ركزت على جانب من جوانب فن الإبيجراما، وهو بنية القصيدة، وعلى جنس من أجناس القول، وهو الشعر، ولم تركز على السمات الفارقة لفن الإبيجراما، حتى إنها درست الكثير من القصائد القصيرة ولم تلتفت إلى أن الفارق كبير بين القصيدة القصيرة وبين الإبيجراما، فالإبيجراما قد تأتي في هيئة قصيدة قصيرة، لكن ليست كل قصيدة قصيرة تصلح إبيجراما.
وقد جاءت رسالة الباحث عبدالله رمضان في أربعة فصول، الفصل الأول يتناول المصطلح والماهية من حيث التعريف والتأريخ والتحديد. والفصل الثاني يتناول اتجاهات الدلالة في فن الإبيجرام، وقد توزعت اتجاهات الدلالة في هذا الفن على المسارات التالية: الاتجاه الفلسفي، وموضوعاته: الجمال والجبر والاختيار، والإنسان والكون، والشك واليقين، والموت والحياة، والقضاء والقدر. والاتجاه الاجتماعي، وموضوعاته: الصراع والتفرقة الطبقية والعنصرية، ونقد مثالب المجتمع الأخلاقية. والاتجاه السياسي، وموضوعاته: الموقف من الحروب والصراعات، والحرية، والموقف من الحكام، والموقف من المحكومين، والقضية الفلسطينية، والموقف من العروبة. الاتجاه الوجداني، وقد تناول الفراق واللقاء، والحب.
أما الفصل الثالث فقد تناول روافد فن الإبيجرام، وقد تعددت بين الرافد الأدبي العربي سواء أكان شعرًا أم نثرًا، أم نصوصًا أدبية من الأدب اللاتيني، والرافد الديني الذي شمل: القرآن الكريم، والحديث الشريف والكتاب المقدس، وفي أحيان أخرى بعض المعتقدات الأرضية، والرافد الأسطوري، وقد شمل الأساطير اليونانية، والأساطير العربية، والأساطير الفارسية.
وبالنسبة للفصل الرابع والأخير فقد تناول التشكيل والبناء، فركز على السمات الفارقة لفن الإبيجرام ومنها الاعتماد على المفارقة والتضاد، والتناص، والسخرية والهجاء، والوحدة الموضوعية، والتكثيف والتركيز .. الخ، وكذلك عرض للأنماط المتعددة التي يرد عليها هذا الفن.
يذكر أن لجنة المناقشة والحكم على أطروحة الباحث عبدالله رمضان تكونت من: أ. د. محمد عبد المطلب، مشرفا ورئيسا، وأ. د. محمد حسن عبد الله، مناقشا، وأ. د. مصطفى عبد الشافي الشورى، مناقشا.
وتوجت المناقشة بحصول الباحث عبدالله رمضان على درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها بمرتبة الشرف الأولى.