محمد علي دزدار وإشكالية ترجمة ديوانه 'النائم الحجري'

كتب ـ أحمد فضل شبلول
أنت لا تعرفُ شيئا عن البلدة التي أكمنُ فيها

عندما وقع اختيار مجلس أمناء مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري على مدينة سراييفو عاصمة جمهورية البوسنة والهرسك لتكون مكانا لانعقاد الدورة الثانية عشرة (19 ـ 21/10/2010) رأت المؤسسة أنه من الضروري أن يطلع القارئ العربي على نماذج من الشعر البوسنوي، وبالمقابل تتيح للقارئ في البوسنة فرصة الاطلاع على نماذج من إبداعات الشعر العربي.
وقد وقع اختيار المؤسسة على الشاعر البوسنوي الكبير محمد علي دزدار/ماك دزدار (1917 ـ 1971) لتكريم اسمه مع الشاعر العربي خليل مطران، كما قامت باختيار مجموعة من قصائده التي جاءت في أشهر كتبه "النائم الحجري" المترجم إلى اللغة الإنجليزية، ليترجمها إلى العربية الكاتب الأردني إلياس فركوح، وهي قصائد ومقطَّعات شعرية حملت صوت البوسنة والبوسنويين وآمالهم والتي كبتت قهرا وظلما منذ مئات السنين.
وقد عُرف الشاعر البوسنوي محمد علي بلقب "ماك"، وهو الاسم الذي استخدمه للتمويه ليتفادى المخاطر المحدقة به أثناء الغزو الذي تعرضت له بلاده، فكتب العديد من القصائد والمجموعات الشعرية التي ينادي فيها بحرية وطنه المستباحة.
ويطرح إلياس فركوح في مقدمته إشكالية ترجمة الشعر عن لغة وسيطة، وإشكالية الحفر المعرفي في تاريخ الفضاءات التي يتحرك النص في أمدائها.
ويوضح فركوح أن عنوان الديوان يشير إلى أن ضحايا الاضطهاد الديني الراقدين تحت شواهد القبور سوف يُبعثون من جديد هازئين بقاتليهم، قضاة محاكم التفتيش، وبالتالي فهم ليسوا نياما تحجَّروا (الحجارة ميتة إلى الأبد) بل النيام تحت الحجارة وبينها ينتظرون ساعة قيامهم ليستيقظوا.
ويضيف المترجم إلى أنه عند القراءة المتأنية لمجموعة القصائد الموزعة على الأقسام أو الأبواب الخمسة التي تشكل الديوان يبدو واضحا لجوء الشاعر إلى لغة باتت مفرداتها مهجورة، وبالتالي تحوَّلت، هي نفسها، إلى مادة تحتاج إلى عمليات سبر وإعادة اكتشاف مثلها في ذلك مثل الفضاءات المرسومة المحمولة في تضاعيف القصائد.
ويشرح فركوح ما واجهه من صعوبات جمة أثناء الترجمة من الإنجليزية إلى العربية، ومنها لجوء المترجم الإنجليزي فرانسيس ر. جونز إلى مفردات باتت مهجورة في كل من اللغتين الإنجليزية والاسكتلندية، مجاراة للغة مهجورة استخدمها الشاعر البوسنوي الذي اشتغل على مرحلة من تاريخ بلده لا بوصفه مجرد شاعر، وإنما الباحث والدارس والمنقِّب في آن، كأنما جعل من نفسه ومن تلقائها مؤرخا يعيد إحياء التراث الوطني الذي يختص بشعب تراكمت فوقه خطوب الزمن، وتكالبت عليه سطوة الإمبراطوريات والدول.
أما الشاعر البوسنوي الأعظم في القرن العشرين محمد علي دزدار، فقد عرفه القراء باسمه الأدبي "ماك"، وبكتابه "النائم الحجري" الذي شكَّل نقطة تحول في الشعر البوسنوي وجنوبي السلاف في القرن العشرين. وقد ظهرت الطبعة الأولى من هذا الديوان عام 1966، وأعيدت طباعته في عام 1973 بعد وفاة الشاعر.
ويتحدث الديوان عن المسيحي المؤمن بالكنسية البوسنية المنشقَّة في العصور الوسطى، الذي استلقى منتظرا يوم الحساب بين القبور الحجرية البيضاء. ويعود صوته ليتكلم من جديد بعد مئات من سنين الصمت، إنه صوت البوسنة الذي حجب في الرموز المقدسة المنحوتة والمدوَّنة في القرارات، وسجلات التاريخ، والتي نجت من جميع محاولات تدميرها.
احتوت الترجمة العربية لديوان "النائم الحجري" لمحمد علي دزدار/ماك دزدار على أكثر من خمسين قصيدة أو نصا شعريا، وتعقيب للمترجم إلى الإنجليزية فرانسيس ر. جونز.
يقول محمد علي دزدار في إحدى قصائده: سوفَ تجيء ذات يومِ على رأس رَتْلٍ مُسلَّحٍ من الشمال
وتُدمِّرُ مدينتي وتُحيلها دَبْشًا
قائلا
لنفسك
ها هي الآن دُمِّرت وسُوِّيت بالأرض
ورفَعت
عهدَ
إيمانها
الكافر
لكنك بعد ذلك سوف تُدْهَش
لسماعكَ لي أمشي وسط
المدينة من جديد
أُطاردكَ خِلْسةً
من جديد
وبِسرِّية وخُبْثٍ مثل جاسوسٍ شرقيّ
سوف تحرقُ بيتي حتى تسوّيه بالأرض
إلى أن يسقط
بكامله
وبعدها ستقول هذه الكلمات المظلمة
هذا الوكرُ انتهى الآن
هذا الخسيس الملعون
ذُبِحَ
متألمًا
لكن بمعجزةٍ ما سأبقى حالما هنا على الأرض
وكمراقِبٍ حكيم من الشرق
مانعًا الآخرينَ من الحلمِ والتفكير
ستسكبُ
السمَّ
في النبعِ
الذي منه
أشربُ
وسوف تضحكُ
سوف تقهقهُ
ذلك إني
ما عُدتُ كائنًا
(أنت لا تعرفُ شيئا عن البلدة التي أكمنُ فيها
أنت لا فكرة لديكَ عن البيت الذي آكلُ فيه
أنت لا تعرفُ شيئا
عن بئرِ المدينة
التي منها
أشربُ).