المجلس الأعلى العليل بين دواء الحكيم ومطرقة الصدريين

بقلم: ياسين البدراني

يجمع المراقبون على ان المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق عليلٌ تزيد حالته سوءا يوما بعد يوم وهو اقرب الى ان يلفظ أنفاسه الأخيرة من ان يتعافى. وبين هذا وذاك فان الدواء يبقى في يد زعيمه الحكيم عمار وان منيته هي مطرقة الصدريين. فهل يتعافى المجلس العليل ام يلفظ انفاسه الاخيرة في موته بشعة بضربة قوية وقاسية من الصدريين؟
لا شك ان المراقب اليقظ للوضع السياسي العراقي يلاحظ الرسم البياني المتصاعد او الهابط للقوى السياسية العراقية المؤثرة في المشهد السياسي العراقي اذ ان متابعة هذا المؤشر تعطي تصورا ادق عن القوة الفعلية للقوى السياسية ودورها الحالي والمستقبلي. وسبق لنا وان اشرنا مثلا ومن خلال هذا المؤشر ان جبهة التوافق العراقية كانت تلفظ انفاسها الاخيرة قبيل الانتخابات البرلمانية العراقية الماضية وقد اكدت نتائج الانتخابات المذكورة مصداقية ما ذهبنا اليه فانهارت الجبهة وكانت النتيجة هزيمة مذلة حتى في اقوى معاقلها لصالح القائمة العراقية. اذن من خلال التجربة فان قراءة توقع ما سيؤول اليه الحدث هو عبارة عن قراءة متلازمة للماضي والحاضر والمستقبل.
في حالة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق فلقد كانت اقوى ضربة بل الضربة التي كسرت شوكة المجلس الأعلى هي في الاغتيال المفاجئ والمبهم لزعيمه محمد باقر الحكيم والذي دخل العراق بعد سقوط النظام السابق على يدي الأميركان دخول الفاتحين محاطا بالملايين من مناصريه غير معترفا او مكترثا بالقوة الأميركية المحتلة في العراق فجاء الرد بموت مريع له فت من عضد مناصريه. وبفسح مجال اكبر من قبل الادارة الأميركية لمنافسه الجديد مقتدى الصدر والذي سرعان ما استفاد من النفوذ التاريخي لوالده في مدينة الثورة الشعبية في بغداد والتي تسكنها اغلبية مليونية شيعية مستعينا بذكاء عدد من دهاة السياسة والعسكرة ليشكلوا جبهتين احدهما سياسية والثانية مليشياوية.
بدأت حينها معركة كسر العظم مع عبدالعزيز الحكيم الذي تولى رئاسة المجلس خلفا لاخيه فتم تصفية الوجود السياسي والمليشياوي المتمثل بفليق بدر في مدينة الثورة على يد مليشيا جيش المهدي لتبدأ معها معركة اقسى وابشع لفرض سيطرة جيش المهدي على كافة ارجاء العاصمة بغداد، بالتوازي مع معركة تدمير الخصم سياسياز وكانت اول النتائج هي نجاح الصدريين في تسليم رئاسة الوزراء الى زعيم حزب الدعوة الجعفري القريب من الصدريين. هذا الخطأ الفادح الذي ارتكبه عبدالعزيز الحكيم دفع ثمنه العراق كله فلقد خضع الجعفري كليا لنفوذ الصدريين مما ادى الى خضوع كامل لاجهزة الجيش والشرطة لهم وحتى الوزارات العراقية.
بدأت عملية تصفية سياسية ثم تحولت الى عملية تصفية طائفية حتى في الوزارات المدنية والحوادث ربما لا تعد ولا تحصى في سابقة لم يعرف لها العالم الحديث حالة مشابهة حيث تولى زمام تنفيذ عمليات القتل الطائفي والسياسي اناس وصفوا بالمدنيين ولكنهم في الحقيقة قادة رعب مليشياوي تولوا مناصب مدنية رفيعة سخروها لاغتيال موظفيهم وتصفيتهم وفقا للتوجه السياسي والطائفي.
مرحلة الحرب الاهلية والتطهير الطائفي والسياسي عاشها العراق بانهار من الدماء اسيلت امام انظار العالم دونما حراك دولي لوقف هذه المذبحة،، ولكن تزايد القتل والجثث التي ملئت شوارع العراق وقتل النساء والاطفال خصوصا والتنكيل بالجثث وضعت الولايات المتحدة راعية حقوق الانسان في موقف صعب الامر خصوصا مع تحول هذه المليشيات وفرق الموت نحو مهاجمة الاهداف والقوات الأميركية، الامر الذي دفع الأميركان الى دحرجة الجعفري بعيدا عن كرسي الحكم وتولية المالكي والذي وصف بانه معتدل وقابل للطي والثني من قبل الإدارة الأميركية والتي نجحت فعلا ولو على مراحل في جعله يوجه القوات العراقية نحو مهاجمة المليشيا الصدرية ليقهرها في ابرز معاقلها ثم أجبرته على القبول بالمليشيات السنية التي أسستها القوات الأميركية في المناطق السنية والتي جابهت القاعدة ودحرتها.
وسط هذه المعمعة السياسية والعسكرية كانت اسهم المجلس الاعلى تتهاوى يوما بعد يوم، يوم لصالح الصدريين واخر لصالح القادم الجديد المالكي والذي نجح بمظهره المدني الحديث والذي جعله يظهر للعراقيين على انه علماني اكثر من راديكالي اسلامي الامر الذي دفع الكثيرين الى التعلق به على اعتبار ان الامل الذي سيخلصهم من الحرب الطائفية التي قادتهم اليها العمائم السنية والشيعية.
ازدادت علة المجلس الأعلى وشدة مرضه مع تدهور الحالة الصحية لعبدالعزيز الحكيم ثم وفاته فنشب صراع مرير بين قادته على خلافة الحكيم. ورغم ان نجل الحكيم الشاب عمار تمكن من حسم النزاع لصالحه الا ان ذلك لم ينه الصراع بين قادة أجنحة المجلس بل جعل الجمر يسكن خلف النار منتظرا هبوب الريح ليتأجج. وقد زاد من توهج هذا الجمر وقرب تأججه هو الهزيمة التي ألحقها المالكي بالمجلس الأعلى في انتخابات المحلية.
ولم تكن الحالة افضل في الانتخابات البرلمانية فلم يحصل الائتلاف الشيعي الأعلى الا على 69 مقعدا في مقابل 89 للمالكي و91 لعلاوي.
تتجلى حقيقة أزمة المجلس الاعلى ربما اكثر اذا ما عرفنا بان الصدريين يشكلون ما يفوق عن أربعين مقعدا من المقاعد 69 التي حصدها الائتلاف. فالمجلس الأعلى بكل تاريخه السياسي والعسكري والديني لم يحصل الا على ما يقارب 20 مقعدا.
في وسط صراع السلطة المحتدم بين المالكي وعلاوي، فان القوى السياسية المختلفة كانت ايضا تلعب لعبتها.
وفيما يعنينا هنا في هذا الموضوع فان الصدريين وهم عالمون بانه لا مجال سياسيا امام أي قائد من تيارهم لتولي رئاسة الوزراء لانه سيجابه برفض اميركي كردي سني ناهيك عن الرفض الاقليمي عدا إيران فانهم بأي حال لم يكونوا ليؤيدوا علاوي المرفوض إيرانيا ولكنهم فتحوا معه حوارا لزعزعة ثقة المالكي بهم فلما لم يفلحوا اذ لم تنطل على المالكي هذه اللعبة فهو يدرك ان الفيتو الإيراني على علاوي لا يمكن للصدريين بأي حال تجاوزه، فان عملية الابتكار ومجابهة الموقف والرؤية الصحيحة كانت حاضرة لدى القادة السياسيين للتيار الصدري والذين سارعوا لتحويل اتجاه الأنظار نحو مرشح كان المالكي اصلا طحنه طحنا شخصيا وسياسيا من خلال ما يعرف بفضيحة سرقة مصرف الزوية.
فعادل عبدالمهدي المنزوي خلف الأنظار والمحبط سياسيا من تهاوي نفوذ المجلس الأعلى أعيد الى الواجهة على انه مرشح مقبول ومدعوم من الصدريين. هذه اللعبة انطلت على جميع القوى السياسية ربما وجعلت حتى قادة المجلس الأعلى ومنهم الحكيم يتنفسون الصعداء. ولكن سرعان ما اظهر اللاعب الصدري اوراقه فهو لن يقبل مطلقا بان يتولى المجلس الأعلى الذي هو خصمه السياسي والعسكري والديني منصب رئاسة الوزراء ليعيد ترتيب أوراق بيته المبعثرة على حسابه. وعلى هذا الأساس تمت مفاوضات خفية وعسيرة دارت حول المالكي والذي رضخ لشروط الصدريين بمنحهم الامتيازات والنفوذ التي كانت لهم ابان حكم الجعفري.
هول المفاجئة كان قويا على الحكيم والذي لم يهضم هذه الوجبة المسمومة والتي ستودي بحياة المجلس الأعلى.
عمار الحكيم اصبح في موقع الحكيم عمار ففي يديه المجلس الأعلى العليل. ودواؤه ان يتولى احد قياديه رئاسة الوزراء ليتمكن من مداواة جراحه وترتيب اوراقه ويعيد بناء ذاته وقوته. الا انه يواجه القرار الإيراني الصارم وهو يدرك ان قبوله بالقرار الإيراني وباعادة تولية المالكي لولاية ثانية سيعني ان مطرقة الصدريين الثقيلة ستهوي بقوة على رأس المجلس الأعلى لتعلن وفاته سياسيا وعسكريا ودينيا.
خيار صعب، وهو خيار حياة او موت ليس للمجلس الأعلى فحسب بل لعمار ايضا والذي ستتعرض حياته الى خطر التصفية الإيرانية ان هو رفض القبول بالقرار الإيراني.
تكمن المشكلة في ان الحكيم يدرك بانه يخوض هو والمجلس معركة الحياة والموت وهي معركته الأخيرة وهو يملك ان يخوضها خصوصا بعد التأييد الذي حصل عليه مرشحه عادل عبدالمهدي من قبل القائمة العراقية والتحالف الكردستاني بهم يستطيع ان يوزع الكعكة السياسية العراقية ابتداء من منصب رئاسة الجمهورية الى كافة الوزارات الأخرى حتى وان رفض الصدريين مشاركته فهو فقط يحتاج الى سحب الفضيلة معه واحداث انشقاق ممكن في قائمة المالكي لتنجح هذه الوصفة العلاجية المقبولة أميركيا واقليميا ايضا ولكنها مرفوضة رفضا قاطعا إيرانيا.
إيران والتي لن يروقها ان يكون علاوي في موقع قريب ومؤثر من السلطة ومن مصدر القرار حتى وان لم يكن يتولى رئاسة الوزراء الا ان الثمن السياسي الذي سيدفعه الحكيم هو المشاركة القوية لعلاوي في الحكم بصورة او باخرى هذه المشاركة ستنتج عنها عراقاً ذا ارادة سياسية اقرب الى الاستقلال منها الى الخنوع لإيران وهو بالضبط ما ترفضه ايران ولن تقبل به حتى لو كان الثمن هو سيلان دم الحكيم وجلسه على محراب النفوذ الإيراني في العراق.
يبقى الحكيم وحيدا يفكر في خيارين احلاهما مر. فاما يداوي مجلسه ويعيد اليه نشاطه السياسي ونفوذه العسكري والديني. او ان يمسك يديه ويقبل بالخضوع للقرار الإيراني باعادة تولية المالكي ويقرأ بعدها صورة الفاتحة على المرحوم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ويكتب بنفسه انا لله وانا اليه راجعون توفى الى رحمة الله المجلس الاعلى للثورة الإسلامية في العراق.
هذه الصورة الدراماتيكية هي الأقرب الى الواقع الذي يعيشه زعيم المجلس الأعلى. وستبين الأيام القادمة خياره الصعب ونتائجه. والى ان يحين ذلك ستبقى أعين المراقبين على الحكيم عمار لمتابعة قراره الذي سيكون ذو نتائج سياسية وعسكرية حاسمة بالنسبة للعراق. ياسين البدراني