ذاكرة الحرب... شيعة العراق والسياسة الايرانية

بقلم: هادي والي الظالمي

على جانبي حدود متعرجة تمتد لأكثر من 1200 كيلو مترا اندلعت الحرب العراقية - الايرانية في العام 1980.
الحرب التي دامت لثمان سنوات وخلفت وراءها اثارا كارثية، انتهت دون منتصر، وهي لم تكن تمثل المخرج الوحيد لأزمة لا حل لها سوى استخدام السلاح.
الا ان شراسة الحرب وملحميتها وعمرها، اشرت بما لا يقبل الشك انقيادا اعمى وراء ماض من الصراع العربي - الفارسي، وان قيادتي البلدين حينها كانتا اسيرتين لهذا التاريخ المؤلم الذي لم يتجرأ احد على تجاوزه استجابة لمعطيات العصر ومتغيراته والمصلحة القومية للبلدين.
كانت الاحقاد المتراكمة في الذاكرة التاريخية لعلاقة البلدين كافية لاشعال الرغبة لدى قيادتي البلدين الجارين، في الاقتصاص لهزائم حصلت في الماضي او لبعث امجاد امبراطوريات لم يعد لها وجود على ارض الواقع.
كان هناك نظامان عقائديان فاشيان ومتخلفان. نظام قومي في العراق، ونظام ديني في ايران.
نجح كلا النظامين، والى حد كبير، في تسويق خطاب سياسي الى الداخل الوطني لشعبيهما كان قادرا على رفد آلة الحرب بوقودها البشري. لم يكن ذلك الخطاب يرتكز الى اية اسانيد منطقية. كان الأندكاك في الماضي بذكرياته المؤلمة والدفاع عن الحاضر باعتباره امتداد حتمي له هما الحافز الوحيد لادامة دوران رحى الحرب، مع وعود ساذجة وغيبية بمستقبل افضل.
وانتهت الحرب. الا ان نهايتها التي رافقتها احتفالات بالنصر على اطلال من الخراب على كلا الضفتين، لم تنه الاحلام الامبراطورية التي كانت تراود مخيلات رجال النظامين.
سارع صدام في العام 1990 الى اجتياح شقيقته الصغرى الكويت تحت جنح الظلام، الا ان كابوس ابتلاع الكويت آل الى احتلال العراق، وسقوط صدام ونظامه بعد خمسة وثلاثين عاما من الحكم.
لا يزال النظام الايراني بعد واحد وثلاثين عاما قائما حتى الان، رغم المعارضة المتنامية له في الداخل، واشكال من الحصار والعزلة الدولية الآخذة في الاحكام حوله.
على الرغم من مرور اكثر من 22 عاما على نهاية الحرب بين العراق وايران، واكثر من سبع سنوات على سقوط صدام عدو ايران الاول، وقيام نظام سياسي يهيمن عليه حلفاؤها العقائديين، فان سياسة الجمهورية الاسلامية اليوم تجاه العراق تمثل تداعيات وارتدادات لصراع الماضي بما يعكس روح الشك والانتقام وتصفية الحسابات وهاجس الهيمنة. فايران التي تنتهج سياسة خارجية تمتلك قدرا كبيرا من البراغماتية والمرونة والمناورة مكنتها من لعب دور اقليمي خطير وحضور لافت على المشهد الدولي، قد عملت على توظيف كل المعطيات لتكريس نفوذها في العراق، واستطاعت في النهاية اجبار الولايات المتحدة على سحب العراق من صدارة الاولويات الاميركية. فالواردات الاميركية والغربية من النفط العراقي ونفوط دول الخليج التي تشكل اكبر هواجس التواجد الاميركي في المنطقة والتي تمر عبر مضيق هرمز بات ضمان وصولها الى الغرب مرهونا بالتهدئة مع ايران، بعد امتلاك الاخيرة لترسانة عسكرية جوية وبحرية وارضية قادرة على احراق ابار البترول ومنشآته وناقلاته في حالة استثارة الغضب الايراني.
الفهم الاميركي لهذا التعقيد جعل اميركا تتغاضى عن النفوذ الايراني في العراق الذي صار حديقة خلفية لطهران. لذا نلاحظ تراجع الالتزام الاميركي بحماية الديمقراطية في العراق، بل وممارسة ضغوط اميركية للقبول بمرشح ايران لرئاسة الحكومة العراقية القادمة، خروجا على القواعد الديمقراطية والنتائج الانتخابية والتوافق الوطني. واستطاعت ايران اقناع اطراف عربية واقليمية، كانت حتى الامس ترفض هذا المرشح، بدعمه. ان تراجع الجهد الاميركي في قيام شرق اوسط ديمقراطي، بل وحتى عراق ديمقراطي، وهو ما بشرت به ادارة بوش الابن، دفع انظمة الجوار الى العمل على افشال التجربة العراقية من الداخل بفرض نظام دكتاتوري يفرغ العملية السياسية من مضامينها الديمقراطية.
وكبديل عن المواجهة المسلحة والمباشرة مع ايران التي تصر على ولوج العصر النووي العسكري، فأن اميركا تعيد اتباع اساليب الحرب الباردة التي انتهجتها ازاء السوفيت، معها. فهي تحاول ارهاق ايران بادخالها في سباق تسلح لا طاقة للاقتصاد الايراني بتحمله مع تفاقم مشاكلها الداخلية، والدفع باتجاه انهيار المنظومة السياسية الحاكمة في طهران من الداخل كما حصل للنظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي السابق واوربا الشرقية. خلال هذه الفترة الانتقالية تجني الصناعة العسكرية الاميركية ومؤسساتها الاقتصادية والتجارية الاخرى ارباحا طائلة من تصدير السلاح والمعدات والتجهيزات والتقنيات والخبرات لدول جوار ايران النفطية الغنية التي تجد نفسها مضطرة لدخول هذا السباق المحموم، والذي اتضحت ملامحه بشكل جلي من خلال صفقات سلاح مع دول الخليج العربي تجاوزت قيمتها هذا العام وحده المئة مليار دولار.
السياسة الاميركية المذكورة ازاء ايران والمنطقة، والتي تصب في المصلحة الاميركية السياسية والاقتصادية في تحريك الركود الاقتصادي وخفض مؤشرات البطالة وانتهاء بسقوط المنظومة الدينية الحاكمة في ايران تقف وراء المراجعة الاميركية لدورها في العراق، والذي كان مكلفا بشكل باهظ في القياسات السياسية والاقتصادية.
الا ان انهيار النظام السياسي الايراني قد يترافق بانهيار الدولة الايرانية التي تعاني من مشاكل بنيوية ناشئة عن تعدد الاعراق والقوميات والاديان والاضطهاد القومي والسياسي وكبت الحريات المدنية والسياسية فيها. ومايدفع الى هذا الاعتقاد، هو تنامي مد الثقافة الطائفية والمطالب القومية التي تأججت في المنطقة بعد غزو العراق خصوصا، وساهمت ايران في تكريسها.
هذه المقاربة المقلقة اذا ما حصلت وأضيفت الى المعضلة العراقية والقضية الفلسطينية وصراعات المنطقة الاخرى فانها ستدخل الشرقين الاوسط والادنى في وضع كارثي يصعب الخروج منه، وسيجعل منهما بؤرا للتوتر والقلق العالميين. وان على ايران قبل غيرها مراجعة ستراتيجياتها السياسية في المنطقة بما يجنبها كابوس السيناريو المذكور، وان ذلك يستلزم منها الانخراط في المجتمع الدولي والتخلي عن احلام الهيمنة والتوسع واعادة امجاد الامبراطورية الفارسية والكف عن انتهاج سياسة مراهقة تقوم على الابتزاز والاستفزاز والمقايضات المجحفة وخصوصا تجاه جيرانها العرب.
على خلاف السياسات التي تنتهجها القوى الاقليمية الرئيسية كتركيا والسعودية ومصر في تعظيم نفوذها الاقليمي والتي تعتمد المحاور الاقتصادية والتجارية والدبلوماسية مما يمنحها القوة والديمومة والقبول لدى شعوب المنطقة، فان ايران تحاول جعل عقيدتها السياسية - الدينية جسرا لمصالحها الى الاخرين، لذا فهي تعمل على ايجاد مواطئ قدم وبؤر توتر قابلة للانفجار تعمل كرؤوس حربة لايران لكي تكون قادرة على اشعال معاركها خارج حدودها، مما يحقق لها درجة عالية من الابتزاز والمقايضات غير المتكافئة والامن المفترض. ان منطلقات هذه السياسة التي تعبر عن نفسها بشكل واضح في العلاقة مع حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والحوثيين في اليمن وخلايا نائمة في دول الخليج العربي، والعلاقة مع بعض الاحزاب الدينية والمجاميع المسلحة في العراق، لا يعكس الحرص المطلوب لحماية المصالح القومية الحقيقية لدولة ايران والتي يمكن رعايتها بوسائل معروفة، بقدر مايجسد نزعة التوسع والهيمنة التي تطمح اليها ايران بمقدمات ثقافية لتسويق عقيدتها الدينية، ومن ثم ربط المنطقة بعلاقة التبعية - الهيمنة.
اصطدمت طموحات ايران في البروز كقوة عظمى بالواقع الجيوسياسي، فمن الشمال هناك تركيا العضو في حلف الناتو بامكاناتها العسكرية والاقتصادية الكبيرة، وروسيا الدولة الكبرى مع دول الاتحاد السوفيتي السابق التي تحتمي بالمظلة الروسية، والى الشرق باكستان النووية وافغانستان التي تعتبر مقبرة لغزاتها على امتداد التاريخ. فكان التطلع الايراني متركزا على الحدود الغربية لايران والمتمثلة بالعراق ودول الخليج ذات الاعداد السكانية الصغيرة والغنية بالنفط.
حاولت ايران الاسلامية بعد العام 1979 تصوير نفسها كقوة عظمى جديدة جاءت لتخليص المستضعفين في كل ارجاء الارض، وطرحت عقيدتها السياسية الدينية التي ترى في القوى الكبرى القائمة دولا للاستكبار العالمي، وان اميركا هي الشيطان الاكبر، ولم تتردد في التوعد بمحو اسرائيل من الخارطة مرارا. كان الموقف الايراني من اسرائيل والذي ابتدأته الثورة الجديدة بغلق سفارة اسرائيل في طهران واحلال ممثلية لمنظمة التحرير الفلسطينية مكانها جذابا لقوى المقاومة الفلسطينية وسوريا وليبيا اللتين وقفتا الى جانب ايران في حربها على العراق كجزء من المزايدات الثورية التي اوجدها المتغير الايراني في المنطقة.
الا ان ايران كانت ترى في العراق بوابتها الى تحقيق الحلم الامبراطوري الفارسي القديم والذي جددته الثورة الاسلامية وألبسته ثوبا جديدا. فهناك شيعة العراق العرب الذين يشكلون اكثرية سكانية ويعانون من الاضطهاد السياسي على يد النظام البعثي القمعي بما يجعلهم ينظرون بعين الاعجاب الى شعارات الثورة الايرانية في العدل والمساواة والحرية. لكن اندلاع الحرب وتداعياتها اثبتا خطل الحسابات الايرانية بخصوص المراهنة على ولاء شيعة العراق والذين اثبتوا ان اعجابهم بشجاعة الثوار الجدد لا يصمد امام شعورهم بالواجب الوطني، وان عداءهم لنظامهم السياسي لا يعني تخليهم عن التزامهم في الدفاع عن بلدهم، فشهدت ساحات المعارك الطاحنة محرقة مروعة لشباب البلدين الجارين المسلمين كان جلهم من الشيعة.
بات واضحا لدى قيادة الثورة الايرانية بعد حربها مع العراق استحالة قدرتها على توظيف العامل الشيعي الشعبي لدعم طموحاتها في العراق، فاقتصرت في علاقتها على قوى سياسية دينية معارضة احتضنتها على الارض الايرانية، واعتماد النشاطات الثقافية التبشيرية بعقيدتها السياسية - الدينية والتي تخفي وراءها بعدا قوميا.
بناء على ما تقدم، فانه عندما اتيح لايران استباحة الارض العراقية اثر الاحتلال الاميركي في العام 2003 فقد باشرت وعلى الفور في تصفية العناصر الشيعية القيادية التي ساهمت في الحرب ضد ايران او التي وقفت بوجه النزعة التوسعية لها. كما اوعزت الى حلفائها في السلطة بتصفية وعزل والتضييق على اخرين تحت مسميات "البعث والاجهزة المنحلة" بل ومسمى "اعداء الجمهورية الاسلامية" والتي طالت الجنود والمراتب الدنيا ممن ساهموا في المعركة، وعوائل الشهداء الذين سقطوا في ساحات القتال، والذي لم تتردد بعض دوائر الدولة من اشهاره بوجه مواطنين شيعة للانتقاص من حقوقهم او حرياتهم. لذا فان الموقف الايراني من الشخصية الشيعية الدكتور اياد علاوي ليس مستغربا وينتظم في سياق النظرة الايرانية التي ترى الشيعة العراقيين اعداء ما لم ينخرطوا في مشروعها القومي التوسعي، على الرغم من ان رئيس الوزراء العراقي الاسبق ورئيس اكبر كتلة نيابية والذي يتمتع بثقافة وخبرات سياسية كبرى يرى الى علاقات بلاده مع جارتها الشرقية بشكل مختلف تماما عما يراه الايرانيون وبما يحمل من مضامين ايجابية تصب في المصلحة الحقيقية للشعبين الشقيقين. الا ان العداء الايراني لعلاوي تصاعد مع تنامي نفوذ علاوي في الحياة السياسية العراقية وان اخذ شكلا اكثر استتارا، كما ان من غير المؤمل حصول تغيرات على هذا الموقف مع عناد السياسة الايرانية في كل الاتجاهات والتي تحاول تطويع مصالح ايران وفق عقيدتها السياسية.
التجربة الايرانية مع شيعة العراق تجعل ايران تحافظ على مسافة ثابتة منهم غير قابلة للتغيير، فإيران التي تتغنى بالمظلومية الشيعية على منابرها الدينية والسياسية لا تسمح بأن يكون ثمن رفع هذه المظلومية عن شيعة العراق هو قيام دولة شيعية في العراق كما يعتقد البعض. فقيام مثل هذه الدولة سيسحب من ايران زعامتها الروحية لشيعة العالم والتي عملت على اختطافها من مرجعية النجف الاشرف في العراق والتي تمثل رمزا للاعتدال والانصهار الشيعي في العالم الاسلامي والعربي. كما ان قيام هذه الدولة يعني قيام دولة كردية عراقية توقظ مشاعر اكراد ايران في دولة قومية مماثلة، وسينتهي بتفتت ايران المتعددة القوميات والاعراق والاديان، بل ان ايران غير متحمسة لقيام اقليم شيعي غني في وسط وجنوب العراق ينهي مبررات التدخل الايراني في الشأن العراقي.
الواضح ان ايران تنتهج سياسة تغذية الطائفية والصراع البيني الشيعي - الشيعي، والسني - الشيعي في العراق لإبقاء العراق في حالة من الاحتضار كجزء من ذاكرة الصراع التاريخي الذي يهيمن على العقلية الامبراطورية الحاكمة في طهران والتي تمارس عدوانية تجاه كل المنظومات الثقافية والحضارية التي لاتنسجم مع عقيدتها التي تعتمد الكثير من القيم الغيبية. وان ايران تطور ستراتيجياتها السياسية وعلاقاتها مع الخارج انطلاقا من تلك العقيدة التي تحمل الكثير من عقد الماضي وذكرياته الاليمة، مما يجعل العالم يتوجس من امتلاك ايران اسلحة دمار شامل قد لاتتردد في استخدامها ضد الاخرين لاتفه الاسباب في ممارستها لابتزاز العالم، ونشر عقيدتها الاحادية. وان على العراقيين ان يفهموا انهم وبكل طوائفهم، وبعيدا عن نواياهم الحسنة تجاه ايران، يقعون في قلب الذاكرة الايرانية الموتورة، وان عراقا قويا موحدا وندا كفؤا لايران يمثل الحل الامثل للانفلات من قبضة الجار المهووس بامجاده الغابرة. كما ان على العراقيين وقياداتهم المختلفة ان يدركوا ايضا ان التواطؤ الاميركي في استباحة الايرانيين للارض العراقية لا يعني نجاح الايرانيين في لي الذراع الاميركي وانما يمثل هدنة يعقبها صراع مزلزل بعد سحب القوات البرية الاميركية خارج العراق وجعلها في مأمن من نيران الايرانيين وحلفائهم، مما يستلزم انتهاج سياسة وطنية تقوم على الشراكة الحقيقية وتفعيل روح المصالحة واعتماد الهوية الوطنية، ونبذ اساليب التهميش والاقصاء. هادي والي الظالمي hadi_whali@yahoo.com