الجزائر: احتياطات نقدية بـ150 مليار دولار واقتصاد فقد بوصلته

قرارات انفعالية في تسيير اقتصاد دولة

الجزائر – بلغ احتياط الجزائر من العملة الصعبة 150 مليار دولار أميركي حتى نهاية شهر أغسطس/آب الماضي بحسب ما اعلنه مسؤول حكومي جزائري، وهو مبلغ لم تحققه البلاد منذ استقلالها، لكن هذا الاحتياطي الضخم لم يفلح في تحسين وضع ملايين الجزائريين ولم يسهم في تحقيق اقلاع اقتصادي حقيقي.
وأعلن علي بوكرامي، وزير الدولة المكلف بالاحصائيات في الحكومة الجزائرية أن احتياط البلاد من العملة الصعبة يأتي من في اغلبيته من عائدات النفط بسبب ضعف مساهمة النشاط الصناعي والزراعي في تمويل خزينة الدولة.
واعتبر بوكرامي أن مساهمة الانتاج الصناعي في الناتج الداخلي الخام تمثل معدلا يتراوح بين 5 و6% مما يحتم رفع هذا المعدل ليصل الى 10% على الأقل من الناتج القومي بحلول العام 2015.
وتحاول الجزائر التي خرجت من حرب اهلية مدمرة المضي في اصلاحات اقتصادية متعثرة بدأتها منذ التسعينيات الا انها لم فشلت في التخلص من تبعات فترة التسيير الاشتراكي لاقتصاد البلاد بسبب تخبط القرارات السياسية والطريقة الانفاعلية التي تتعامل بها الدولة مع المسائل الاقتصادية.
وتظهر الطريقة الانفعالية في تصرفات الحكومة الجزائرية، في الإجراءات الجديدة التي تضمنتها قوانين الموازنة التكميلية للسنة الماضية والسنة الجارية، والتي تعكس التوجه المبالغ فيه نحو عودة الدولة للتدخل في كل شيء، على حساب القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وهو ما ستكون له نتائج سلبية مدمرة على الاقتصاد والوضع الاجتماعي في البلاد.
واعطت الاجراءات الجديدة فضلا عن بيروقراطية الادارة الموروثة عن مرحلة التسير الاشتراكي انطباعا سلبيا لدى المستثمرين الاجانب والمحليين وهو ما يعكس تدني حجم الاستثمارات في القطاعات غير النفطية مثل الزراعة والخدمات والسياحة وهي قطاعات يمكنها ان تمتص نسب البطالة المرتفعة في البلاد وتنشط الحركة الاقتصادية.
وبات انخفاض الرواتب وغلاء المعيشة يؤرق شريحة واسعة من العمال والموظفين الجزائريين، الذين توعد الآلاف منهم بتصعيد احتجاجاتهم وشن إضرابات جديدة، فيما تواصل الحكومة إستراتيجية عدم التدخل في تفاصيل الحياة الاجتماعية باستمرار.
وتظهر سلبيات التوجه الجديد القائم على تفضيل القطاع العام على حساب المقاولة والمبادرة الخاصة، وتحجيم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، في رصد موارد خيالية عن طريق الخزينة العمومية في مشاريع بنية تحتية واقتصادية عمومية، لا تحقق سوى نتائج متواضعة جداً مثما كان عليه حال البلاد منذ استقلالها وتبنيها لسياسة الاقتصاد المغلق.
واثبتت تجربة السنوات العشر الماضية، أن برنامج الاستثمار العمومي الأول، وبرنامج تعزيز النمو الثاني (2001 - 2009)، بقيمة إجمالية تناهز 150 مليار دولار من الخزينة العمومية، لم تحقق نسبة نمو فوق 5 بالمئة في المتوسط خلال الفترة المذكورة، مقارنة مع معدلات نمو تجاوزت 6 بالمئة خلال الفترة نفسها بالنسبة للمملكة المغربية أو تونس، وبإمكانات مالية متواضعة جداً، ومن دون ثروة نفطية.
ولا يحتاج بلد شاسع مثل الجزائر بثرواته البشرية والفلاحية والسياحية الى النفط لكي يتحول الى عملاق اقتصادي في منطقته، الا ان السياسات الاقتصادية المتبعة منذ الاستقلال تعرقل اي انطلاق فعلي للبلاد برغم تكدس الثروة الناجم عن طفرات نفطية من حين لآخر.
ويمكن للجزائر ان طبقت سياسة اقتصادية بسيطة على غرار جيرانها ان تتحول الى سلة غذاء المنطقة المتوسطية بامكلها وان "تصبح سان فرانسيكسو المنطقة" بحسب ما أوردت أكدت "ذي غار ديان" البريطانية في صفحة خصصتها مؤخرا للسياحة وادت فيها أن "الجزائر تملك مؤهلات سياحية معتبرة تمكنها من أن تصبح وجهة سياحية هامة".

لكن الحكومات الجزائرية المتعاقبة منذ بداية الاصلاحات في التسعينيات ظلت تخطأ الطريق بالعودة في كل مرة الى الاقتصاد المغلق بحجة حماية الاقتصاد الجزائري، وهو توجه يؤكد في كل مرة عدم نجاعته ولا يساهم الا في هدر الثروات واستفحال الرشوة، بدلا من الحماية المتوقعة للثروات الوطنية.