هل يدخل مسلمو ومسيحيو مصر مرحلة العنف الطائفي؟

القاهرة
شحن الناس البسطاء أصبح سهلا للغاية

شهدت الفترة الأخيرة تصاعد خطيرا في وتيرة الشد والجذب بين المسلمين والمسيحيين في مصر.
فعقب هروب زوجة أحد الكهنة وخروج تظاهرات تندد باختطافها على يد مسلم، ثم اكتشاف أن الأمر لم يكن كذلك، خرج تسجيل يؤكد إشهارها لإسلامها، وتظاهر مسلمين من أجل إطلاق سراحها، ثم خرج المفكر الإسلامي محمد سليم العوا متهما الكنيسة بالاستبداد على الدولة المصرية والاستقواء بالخارج والتسلح، الأمر الذي جعل الكثير من المراقبين يرون في ذلك إنذارا لإمكانية وقع فتنة طائفية، وأن الأمر قد يخرج من دائرة التراشق بالكلام وتبادل الاتهامات إلى دائرة العنف، ومن ثم كان السؤال هل يمكن يؤدي التصعيد إلى فتح الطريق إلى العنف؟.

الأنبا مارتيروس الأسقف العام وممثل الكنيسة القبطية أكد أن التصعيد لن يصل إلى طريق العنف، وقال "لا أعتقد ذلك، لماذا؟ لأن كل ما يحدث مجرد ردود أفعال، لتصريح خاطئ، لحدث وقع في أي مكان في مصر، وكل هذه ردود أفعال لا ترقى لتؤهل البلد ـ لا قدر الله ـ لفتنة طائفية، ليس ذلك ممكنا، لأن المصري بطبيعته محب، طيب، يحب العشرة، يحب أخيه، يحب جاره، يحب تراب بلده، يحب نيل بلده، هذا هو الصون الوحيد لتماسك البلد وتماسك وحدتها، تماسك الصف المصري الذي يدخل فيه المسيحي والمسلم والأرثوزكسي وغيره ومختلف العقائد، كل من يعيش في مصر".
وأضاف "لكني أريد أن أقول شيئا مهما جدا، هل من الممكن أن نبتعد عن الأسباب التي يبقى فيها ردود فعل من كلا الطرفين؟ هل يمكن أن ننفي هذه الأسباب التي توجب ردود الأفعال؟ ردود الأفعال هذه هي التي تجعل الناس "تطقطق آذانها للسمع ومن ثم تتابع، ما قال هذا؟ وبماذا رد هذا؟" وإن كان ـ أؤكد لك ـ نحن كرجال دين في الكنيسة القبطية الأرثوزوكسية لا نهين أحدا إطلاقا في عقائدهم ولا في أشخاصهم ولا في ثقافاتهم، وإن حدث رد فعل منا، فهو رد فعل على شيء حدث من قبل، إهانة للإنجيل، إهانة لرجال الدين، وإن كان صاحب القداسة البابا شنودة الثالثة يعلمنا أن الرد يحتاج ردا آخر، والرد الرد يحتاج لرد ثان، فالصمت هو الطريق الأمثل، وكما يقول الكتاب المقدس "ليصمت العاقل في هذا الزمان لأنه زمان ردئ".
ويوضح ممثل الكنيسة القبطية أن هناك أمورا لا نقدرها ولا ندركها، وهي إطلاق الحرية التي نطالب بها ونريدها، "الدولة أعطتنا الحرية، حرية في الصحافة والرأي، واختيار الشخص الذي يمثلك، حرية في الكتابة، حرية في كل حاجة، لكن للأسف الشديد نحن نسئ لهذه الحرية ونستخدمها خطأ، المفروض عندما أتكلم أو أكتب أو أقول رأيا، ليكن ذلك في حيز من المعايير والمقاييس السليمة وليس في إطار حيز من الشتائم، وتتطاول هذه الشتائم حتى على الرئاسات وكبار الناس، أو تطاول على أمور ومؤسسات".
"المفروض قبل أن أتطاول على أحد وأسئ استخدام الحرية ضد دين آخر وضد عقيدة أخرى، أن أدرس أولا عقائد الآخر وأكلمه في حيز من معايير الاحترام والبعد الاجتماعي الذي يجمع الناس ببعضهم البعض، يعني أنا عندما آتي وأقول رأيي لابد أن أضع في اعتباري هؤلاء الناس، البعد الشعبي، الناس الذين يقيمون في شارع واحد، وفي عمارة واحدة، إن تجاهلت كل هذا، فأنا أهين مصر بلدي وكرامتها وكذا عقيدتي. من هنا فكرة المناخ المفتوح الذي أصبح في مصر الآن لابد من التعامل فيه بفهم ومعايير".

ويقول د.عصام عبد الله أستاذ الفلسفة ومدير وحدة دراسات الحضارات المعاصرة جامعة عين شمس"تصاعد وتيرة الأحداث الطائفية المتكررة منذ الخانكة 1972 وحتي نجع حمادي 2010، وتصدر ملفات ساخنة المشهد كله، أبرزها ملف " الأسلمة " و" التنصير "، وتعمد إهانة " الآخر" عبر" التبشير" و"الدعوة" من خلال حروب الفضائيات الدينية وغرف البالتوك ومجموعات التواصل الاجتماعي "كالفيس بوك"، أصبح السؤال المتكرر هو: ما السبيل إلي منع الأحداث الطائفية المؤسفة في مصر؟"
وأضاف "لقد عمدت المؤسستان : السياسية والدينية "بالتناوب" - من خلال "دور العبادة والتعليم والإعلام" منذ السبعينيات من القرن العشرين - إلي " تديين" كل شئ في المجتمع المصري، عن طريق تحويل "أنصاف الاعتقادات" عند الناس إلي "اعتقادات تامة".
ويرى د.عصام أنه وسط هذا المناخ المشبع بالحساسية الدينية أو قل الهوس الديني "ينعدم التمييز بين التقوى الحقة والمظاهر الدينية التزيدية، بين الأشياء الروحية والأشياء الزمنية، وعندئذ تختلط شهوة الاستشهاد بشهوة سفك الدماء، وتصبح الجماهير لديها قابلية شديدة للثوران فجأة، إلى درجة لا مثيل لها من الانفعال الديني، تلبية لكلمة متحمسة تصدر عن واعظ هنا، أو إشاعة مغرضة من خطيب هناك، وهو ما حدث ويحدث مع كل فتنة طائفية في مصر".
ويقول "ما يحدث اليوم، وعلي كافة الأصعدة، داخل المجتمع المصري، يؤكد علي أن "الانتماءات ما قبل الوطنية " هي التي تسعي إلي فرض علاقتها بالدولة، في ظل انتعاش كبير للمؤسسة الدينية التي أصبحت تلعب اليوم، أدواراً مركبة ومتعددة في الحياة العامة، وتتدخل بدرجات متفاوتة في العمل السياسي العام ، وتدلي بدلوها ، عبر الفتاوى والعظات العامة في أمور مدنية بحتة، ناهيك عن الشحن الطائفي وخطاب الفتنة، ، وهو ما يهدد ما بقى من كيان الدولة الوطنية في الصميم".

ورأى د.عادل المنشاوي أستاذ العمارة والتخطيط العمراني أن الأمر يتلخص في الجهل "التعصب مقابل للجهل، فإذا نحن بدأنا ننمي العلم، وكل شخص عرف قدر حجمه من الآخر، سنتعلم كيف نحترم بعضنا البعض، ومن ثم لا تصبح هناك مشكلة بين أطراف المجتمع".
وأضاف "المشكلة تتولد من الجهل بالأخر، عندما أظن أنني وحدي فقط الموجود وأتعلم أن لا أتقبل الآخر، بالتأكيد ستحدث مشكلة، إنني أعتبر هذا الآخر غير موجود وهذا يضايقه لتبدأ المشاكل، وهذا يحدث في أي مجتمع، فتهميش الأقباط أو غيرهم في المجتمع يخلق المشاكل، في حين أن الحفاظ على الحقوق والواجبات لا يحدث معه أي مشاكل".

وتخشى د.أليس إسكندر أستاذ الاجتماع والانثربولوجيا بكلية الآداب جامعة كفر الشيخ أن يصل الأمر إلى مرحلة سيئة يصعب العودة منها إلى "ما كنا عليه"، وقالت "لم يكن الأمر قبل ذلك يصل أبدا لدرجة التظاهر الجماعي ضد الكنائس، الآن يحدث، بشكل سريع ومنظم بفضل تقنية الإنترنت، أحيانا يكون الأمر مجرد شائعة، وتجد تدمير في أكثر من مكان في وقت واحد، هل كان ذلك ليحدث من قبل، لا، في القرن العشرين وحتى سنوات قليلة لم يكن ذلك يحدث، ما الذي جرى، قبل مطلع الألفية أجريت دراسة مقارنة بين احتفال مولد السيد البدوي في طنطا واحتفال مولد ماري جرجس في مصر القديمة، ووجدت أن كلا المسلمين والمسيحيين يحضران الاحتفالين، وجدت المسلم والمسيحي يفترشان الأرض ويتقاسمان رغيف العيش والحب والأخوة، لتتواصل العلاقات بينهما حتى بعد انتهاء المولد".
وتؤكد د.أليس إسكندر أن تغيرت الأمور الآن "تغيرت القيم في المجتمع المصري عامة، وليس بين المسلمين والمسيحيين خاصة، داخل الأسرة المصرية، تغيرات طالت قيم الاحترام المتبادل بين الزوج والزوجة، والأم وأبنائها والأب وأبنائه، هذا التغير طرأ على كل القيم عامة وليس القيم الدينية خاصة".
وتلفت إلى أن شحن الناس البسطاء أصبح سهلا للغاية "إلحقوا ماذا فعل المسيحيون بكم"، والعكس أيضا، نحن نخلق ذلك، نقول دسائس من الخارج فأين عقولنا إذن للتأكد من الفكرة ومضمونها وحقيقتها، هل هي صحيحة أم لا؟ ثم نتصرف بهدوء، لكننا عندما نتظاهر وندمر، على من نتظاهر ومن ندمر؟ تتظاهر وتدمر حبيبك وصديقك وجارك، المسلم يعيش إلى جوار المسيحي في بيت واحد، أنا عندما أمرض ألجأ لجاري المسلم، ليس شرطا أن يكون جاري مسيحيا، يجري معي ويذهب بي للمستشفى، وتضمنا أيضا المناسبات والحفلات الجميلة، كلنا مع بعض، فما الذي يجري؟ وما الذي طرأ؟ ولماذا نستغل الشباب في توجيهات غير سليمة؟ بدلا من أن أوجهه توجيها سليما لبناء البلد وحفظه أوجه لأخرى تهدد سلامة واستقرار البلد وتدمر أهله، ألسنا كلنا أهل".
وترى د.إليس أن الحل "أن الكل ليس الدولة وحدها أو الكنيسة وحدها أو الأزهر وحده بل والجمعيات الأهلية، والأسرة، الجميع يقوم بدوره في التوجيه وتربية النشء على المحبة والسلام واحترام الآخر، وأن نبدأ بالأسرة توعية الأب والأم لغرس هذه القيم النبيلة في أطفالهما بدلا من "لا تكلم فلانا لأنه مسيحي"، "لا تكلم فلان لأنه مسلم".
"التدين ليس معناه معادة الآخر، كل الأديان للمحبة والسلام والسعي لمرضاة الله في كل تصرفاتي من داخلي قبل أن تكون من خارجي، ولا أقوم وصيا وقاضيا على خطأ فلان وخطأ فلان وأعاقبه، ليترك الأمر لله".