الجنوب اليمني وتطوراته السياسية في كتاب جديد

كتب ـ د. إبراهيم خليل العلاف
يقظة الشعب اليمني

مازالت المدرسة التاريخية العراقية المعروفة، برصانتها، والتزامها المنهجية العلمية الصارمة والتي تؤكد أهمية العودة إلى الوثائق غير المنشورة والمصادر المعتمدة، تضخ بنتاجاتها بكل همة وجدية بالرغم مما يواجهه المؤرخ في العراق جراء عدم الاستقرار والتدهور الأمني الملحوظ.
وقبل أيام صدر عن دار جوامع الكلم في دمشق كتاب جديد بعنوان "التطورات السياسية في الجنوب اليمني 1918-1945". وقد جاء الصدور بحلة قشيبة، وتجليد فاخر يذكرنا بما كانت تصدر عليه الكتب العلمية في سالف الأزمان من زخرفة الغلاف، وأناقة الخطوط، ورقة الورق. والكتاب بالأصل أطروحة دكتوراه قدمها الدكتور صباح مهدي رميض القريشي إلى مجلس كلية التربية – ابن رشد بجامعة بغداد سنة 1997 بإشراف الدكتور طارق نافع الحمداني.
وتنبع قيمة الكتاب في اعتماد مؤلفه على وثائق مهمة بريطانية وأميركية وعراقية غير منشورة فضلا عن رجوعه إلى كم كبير من المصادر العربية والأجنبية وتقارير المفوضية العراقية في جدة ووثائق وزارات الدفاع والخارجية في البلدان ذات العلاقة بالموضوع وضمن الحقبة الزمنية التي تناولها الكتاب وهي حقبة خطيرة تقع بين نهاية الحرب العالمية الأولى ونهاية الحرب العالمية الثانية.
وكما هو معروف فإن الجنوب اليمني، شهد خلال تلك الحقبة، تطورات سياسية مهمة لموقعه الاستراتيجي المشرف على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وأدى ميناء عدن دورا كبيرا في الملاحة العالمية، وعدَّ مفتاحا بحريا لشبه الجزيرة العربية لذلك حرص الإنكليز على احتلاله منذ وقت مبكر من القرن التاسع عشر.
وضم الكتاب فصولا أربعة ومقدمة وخاتمة تابعت التطورات السياسية في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
ومما تطرق إليه الكتاب وفصَّل فيه الدوافع الكامنة وراء الاحتلال البريطاني لعدن وأساليب الإدارة البريطانية في إبرام معاهدات الصداقة والحماية مع أمراء وسلاطين ومشايخ الجنوب اليمني. كما تعرض لمشكلة الحدود الجنوبية والنزاع العثماني – البريطاني وانسحاب العثمانيين من لحج وعموم الجنوب اليمني 1918-1932.
وخلال المدة 1932-1937 اتخذت بريطانيا إجراءات لنقل مسؤولية إدارة عدن من حكومة بومباي إلى إدارة حكومة الهند ثم إلى وزارة المستعمرات البريطانية، وشجعت الهجرات الأجنبية إلى عدن، وعقدت معاهدة صنعاء مع الإمام يحيى إمام اليمن 1934.
وكرس الكتاب مباحثه لمعالجة واقع السياسة البريطانية في الجنوب اليمني 1937-1945 وصلاحيات المستشار البريطاني، والمواجهة الواسعة مع المقاومة اليمنية المتمثلة بالانتفاضات المضادة والنشاطات السياسية المناوئة للنفوذ البريطاني.
لم ينكر المؤلف جهود من سبقه من المؤرخين الذين وثقوا جوانب مهمة من تاريخ الجنوب اليمني، ويقف المؤرخ المصري نزيل عدن الدكتور سيد مصطفى سالم في المقدمة، فلقد أنجز هذا الرجل الكبير مؤلفات ودراسات غاية في الدقة عن الجنوب اليمني ولكن كتابه الموسوم "وثائق يمنية" يعد من الكتب المهمة التي لا يستغني عنها أي باحث في هذا الموضوع.
ورجع المؤلف إلى صحف عديدة كان من بينها جريدتا "أم القرى" الحجازية و"حضرموت" اليمنية، فضلا عن "المقطم" و"الأهرام" المصريتين، و"الاستقلال" و"البلاد" العراقيتين.
وخلص الكتاب إلى حقيقة أساسية تعد واحدة من ثوابت التاريخ العربي، وهي أنه بالرغم من الإجراءات والمخططات البريطانية التي بذلت خلال سنوات طويلة لفصل الجنوب اليمني عن شماله إلا أن هذه السياسة، وتلك المخططات باءت بالفشل الذريع بسبب يقظة الشعب اليمني وإصراره على التمسك بوحدته.