هل من مشروع مسيحي - إسلامي مشترك لمواجهة التحديات المقبلة؟

بقلم: قاسم قصير

ينعقد في الفاتيكان ما بين العاشر والرابع والعشرين من شهر تشرين الأول المقبل «السينودوس الخاص بالشرق الأوسط»، ويجمع هذا اللقاء بابا الفاتيكان بنيديكتوس السادس عشر وحشد كبير من الكرادلة والمطارنة من أجل دراسة أوضاع المسيحيين في المنطقة والتحديات السياسية والديمغرافية والأمنية والاقتصادية التي تواجههم.
والهدف الأساسي من وراء هذا السينودوس، دراسة أسباب الهجرة المسيحية من الشرق الأوسط والبحث في امكانية دعم الوجود المسيحي ومستقبل العلاقات الإسلامية - المسيحية، وفق التعاون بين المسلمين والمسيحيين.
وتمهيداً لعقد هذا السينودوس، تشهد العواصم العربية سلسلة من المؤتمرات والندوات التي تبحث واقع المسيحيين في العالم العربي والإسلامي. وقد عقد مؤخراً في القاهرة مؤتمر تحت عنوان «مسيحيو الوطن العربي: التاريخ، الدور، المستقبل» بدعوة من الفريق العربي للحوار الإسلامي - المسيحي وبالتعاون مع مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، كما أقامت مؤسسة الامام الحكيم في بيروت ندوة متخصصة حول واقع المسيحيين بين لبنان والعراق شارك فيها عدد من المختصين، ثم تم اصدار عدد خاص من نشرة «العراق اليوم» التي تصدرها المؤسسة تضمن ملفاً متكاملاً عن أوضاع المسيحيين في المنطقة.
ويعقد مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية في بيروت مؤتمراً تحت عنوان «احياء الدور المسيحي في المشرق العربي» يومي السبت والاثنين في 25 و27 أيلول يشارك فيه شخصيات لبنانية وعربية.
فما هي الأسباب التي دعت الفاتيكان والقيادات المسيحية والإسلامية للاهتمام بواقع المسيحيين في المنطقة العربية والإسلامية؟ وهل هناك امكانية لاقامة مشروع مشترك مسيحي - إسلامي لمواجهة التحديات التي تتعرض لها هذه المنطقة والتي تنعكس سلباً على جميع أبنائها وخصوصاً المسيحيين منهم؟ لماذا الاهتمام بالمسيحيين؟ بداية، ما هي الأسباب التي دعت الفاتيكان والمؤسسات المسيحية والإسلامية للاهتمام بالوجود المسيحي في الشرق؟
في الدراسة التمهيدية التي أعدها مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية حول الوجود المسيحي في المشرق والتي تلخص الرؤية التي دفعت بالفاتيكان لعقد السينودوس الخاص بالشرق الأوسط، جاء فيها: «يقف المشرق العربي، إذ يواجه واقع المسيحيين فيه، امام خيارات دقيقة وتاريخية، فهناك احتمال استمرار هذا الواقع بما في ذلك من هجرة مسيحية واسعة الى خارج المنطقة نتيجة تفاقم العنف ضد المسيحيين وتراجع دورهم العام، وهناك خيار الحفاظ على المسيحية في المشرق العربي وتنمية دور المسيحيين في شتى مجالات الحياة».
وتضيف الدراسة «تطل قضية الاقليات المجتمعة والأقليات المسيحية بصورة أخص على مسرح الأحداث كتحد رئيسي يواجه المنطقة العربية بحكوماتها وشعوبها، وفي هذه المرحلة تطرح هذه القضية تحت وطأة معطيات مستجدة ومتفاقمة، فالمسيحية المشرقية العربية باتت ظاهرة متراجعة باستمرار سواء لجهة الوجود العددي أو المساهمة النشيطة والفاعلة في الحياة العامة في المنطقة».
مصادر مسيحية مطلعة تعتبر «أن الدور والوجود المسيحي في لبنان والمنطقة يشهد تراجعاً كبيراً في ظل الصراعات التي تشهدها هذه المنطقة وخصوصاً في لبنان وفلسطين والعراق ومصر، وان الهجرة المسيحية وصلت الى معدلات كبيرة، إن لأسباب اقتصادية أو أمنية أو بسبب تنامي بعض التيارات المتشددة».
ورغم ان هذه المصادر تعترف بـ«ان الهجرة تشمل المسلمين والمسيحيين وخصوصاً في لبنان»، فإنها تشير الى انه نظراً لأن عدد المسيحيين أقل من المسلمين فإن تأثير الهجرة عليهم أكبر والمسيحيون عندما يهاجرون لا يعودون الى بلدانهم وسيستقرون في أوروبا وأميركا واستراليا، أما المسلمون فإنهم يحرصون على العودة وابقاء التواصل مع أوطانهم».
كما تتحدث هذه المصادر عن مشاكل لها علاقة بدور المسيحيين السياسي وموقعهم في الحياة العامة بعد سلسلة التراجعات التي واجهوها من السنوات الأخيرة. نحو مشروع مشترك اذاً، في ظل المشكلات التي يواجهها المسيحيون بشكل أساسي والتي تطال بعض وجوهها المسلمين أيضاً، هل يمكن التوصل لمشروع اسلامي - مسيحي مشترك يساهم في وقف الهجرة المسيحية ويؤدي الى نشر الاستقرار في المنطقة؟
مصادر مطلعة لها علاقة بالمرجعيات الإسلامية تعتبر «ان المشكلة التي تواجهها المنطقة لا تطال المسيحيين فقط، بل هي تطال المسلمين ايضاً، ففي فلسطين المعاناة تشمل جميع الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين ومواجهة الاحتلال الاسرائيلي تتطلب تعاوناً مشتركاً.
أما في العراق فالاستهداف الأمني لا يطال المسيحيين بل هو يطال فئات عراقية متنوعة وما يتعرض له المسيحيون قد يكون أقل من غيره من ناحية التفجيرات وعمليات القتل».
أما على صعيد الأوضاع في بعض الدول العربية والإسلامية فإن الظلم وغياب الحريات العامة وعدم اقامة النظام العادل هي مشاكل عامة وتطال جميع أبناء هذه الدول.
اذن، إن المشكلات مشتركة بين المسلمين والمسيحيين، وهذا يتطلب تعاوناً وتنسيقاً بين المرجعيات الإسلامية والمسيحية. كذلك فإن الحملة التي تستهدف الإسلام والمسلمين في الغرب والتي كان آخرها الدعوة «لحرق القرآن» ورفض اقامة مسجد في موقع احداث 11 أيلول في نيويورك وحظر الحجاب والنقاب ومنع اقامة مآذن المساجد في بعض الدول الأوروبية، كل ذلك ينعكس سلباً على واقع المسلمين ويؤدي احياناً لردود فعل غاضبة، اضافة للسياسات الأميركية في المنطقة والحروب التي شنت ضد العراق وأفغانستان والتي انعكست سلباً على الأوضاع العربية الإسلامية، وعلى ضوء ذلك فإن المطلوب حسب المصادر الإسلامية البحث عن خطوات عمل مشتركة بين المسلمين والمسيحيين، واذا كان الفاتيكان يدعو بعض القيادات الإسلامية لحضور السينودوس الخاص بالشرق الأوسط كما جرت العادة وذلك للاستماع الى وجهات نظرهم، فإن المطلوب عدم الاكتفاء بعقد هذا السينودوس بل العمل لتشكيل لجان مشتركة اسلامية - مسيحية تبحث كل المشاكل بعمق وتضع حلولاً وبرامج عملية يتم التحرك لتنفيذها.
وقد يكون ما ورد في التوصيات الختامية لمؤتمر «مسيحيو الوطن العربي» الذي انعقد في القاهرة ما بين 17 و19 أيلول بدعوة من الفريق العربي الإسلامي - المسيحي مهماً جداً ويشكل مدخلاً للتعاون، ومما ورد في التوصيات «ان المطلوب بناء رؤية استراتيجية اصيلة للعلاقات الإسلامية - المسيحية تسمو بهذه العلاقات عن الوقوع في أسر الحدث العابر وتجعل من المحافظة على ثوابت هذه العلاقات أمراً واجباً. وان ما يعانيه المسيحيون العرب يعني في الوقت نفسه المسلمين العرب وهذه المعاناة يجب ان تشكل حافزاً لعمل إسلامي - مسيحي مشترك يحافظ على الحضور المسيحي العربي».
فهل يتم الاستفادة من هذه التوصيات في المرحلة المقبلة؟ قاسم قصير