الاتراك يراجعون والعرب يتراجعون

بقلم: د. خليل حسين

طبيعية هي المتغيرات التي يمكن ان تطرأ على حياة الأمم والدول، لكنه من غير الطبيعي ان تبقى الأمم والدول على نمط معين بذاته دون حراك فعلي نحو التغيير والتطوير.وان كان ثمة شروط ينبغي توفرها لأي عملية تغييرية، فإن العمل على تكوين الظروف الملائمة لتكوين واطلاق هذه الشروط،يعتبر شرطا ضروريا ولازما من الشروط الذاتية والموضوعية في حياة الأمم والشعوب. فهل تمكن الأتراك من ذلك وبالتالي انطلاقهم في عمليات المراجعة والتغيير؟ وفي المقابل ماذا عن العرب وتراجعهم عن الكثير من قضاياهم المصيرية؟
لقد تمكّن الأتراك من اجتياز مفصل تاريخي في حياة الدولة العلمانية التي ارسى اسسها ومعالمها كمال اتاتورك، عبر الاستفتاء الأخير الذي وضع حدا من حيث المبدأ للكثير من المسائل، وبخاصة دستور 1982 الذي فصّل الحياة السياسية التركية على مقاسات محددة لشرائح عسكرية وقضائية بعينها. وبصرف النظر عن تقييم تلك المرحلة وصفاتها ومكوناتها، فإن امر الانتقال من مرحلة الى مرحلة اخرى يعتبر تحديا كبيرا لصانعي السياسات التركية في هذه المرحلة بالذات وبخاصة حزب العدالة والتنمية.
طبعا ثمة شروط ومكونات ذاتية وموضوعية توفرت لعمليات المراجعة والاطلاق في الحياة السياسية التركية، وبصرف النظر عن كيفية الاستفادة من هذه التجربة من عدمها بالنسبة للعرب، ثمة اسباب ينبغي التوقف عندها في الحياة السياسية للدول العربية إن لجهة القضايا التي تحيط بهم وينبغي التفتيش عن حل لها،ام لجهة الأسباب الحقيقية لمجمل الإخفاقات التي وقعوا ويقعون فيها.
من بين الاخفاقات المدمرة التي واجهت العرب الصراع العربي الاسرائيلي الذي لم يضاهيه صراعا في التاريخ لجهة الوقت او الآليات او المسارات، ورغم ذلك لا زال العرب يقدمون المزيد من التنازلات والتراجعات عن المواقف المرة تلو الاخرى.لقد بدأ العرب بشعارات ربما كانت تشكل الحد الأدنى من مكونات الذاكرة الجماعية للعرب، وابسطه عدم الاعتراف بقيام دولة اسرائيل 1948. ومن ثم الانتقال الى شعار لا مفاوضات لا صلح لا اعتراف بعد حرب 1967، ومن بعدها السلام الدائم والشامل والكامل مقابل الارض ووفقا لقرارات الشرعية الدولية...، سلسلة من التراجعات التي تبدو لا نهاية لها، بل تؤسس لسلسلة نوعية أخرى من التراجعات غير المسبوقة في مسار المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية المباشرة الجارية حاليا، ان لجهة المستوطنات او الحدود او عودة اللاجئين والقدس وغيرها الكثير من التفاصيل التي لا تقل خطورة عن القضايا الاساسية.
وليس من باب جلد الذات، القول ان ثمة اسبابا ذاتية في مكونات المجتمع العربي باتت من المؤثرات الاساسية في تكوين وصناعة القرار السياسي الذي يبدو في مجمل مساراته تراجعيا وانحداريا وبشكل من الصعب السيطرة عليه او الحد من تداعياته وآثاره.كما انه من السهل علينا القاء اللوم على الغير، وملاحظة مظاهر باتت من ثوابتنا الانتقادية لجهة الغوص في اوهام المؤامرات رغم صحتها في احيان كثيرة.
اننا كمجتمع عربي مدني يلزمنا الكثير لإعادة تكوين واقع نقدي جديد هدفه اعادة تكوين بيئة فكرية موضوعية علمية تحاكي الكثير من المتغيرات التي تحيط بنا،وتعمل اولا على الحد من تأثيراتها السلبية ان وجدت،والعمل على مواجهة ما يضر بنا منها ثانيا،والاستفادة من بعض مكوناتها ثالثا. علاوة على عدم الركون بشكل دائم الى سلبية ما نواجه به دائما وابدا.
لقد هُزمت السلطنة العثمانية في حروبها الأخيرة وأعيدت جغرافيتها السياسية بما يتناسب مع حجمها الحقيقي. لكن كمال اتاتورك اعاد بناء تركيا الحديثة على قاعدة اعادة الحلم العثماني بثوب علماني يحاكي مستجدات قرن كانت بدايته وخيمة على العرب كما منتصفه وأواخره. واليوم يعيد الاتراك بقيادة حزب العدالة والتنمية قراءة الدور الداخلي والخارجي المفترض لتركيا في الألفية الثالثة التي تزدحم بالأعاصير السياسية والعسكرية المدمرة.
اين العرب اليوم من عمليات المراجعة المفترضة لكل تلك التراجعات التي قدموها او اجبروا على تقديمها، وهل بالأحرى نحن العرب قادرون على اعادة مراجعة شاملة لمجمل الوضع الذي نحن فيه؟ طبعا العملية مطلوبة وملحة بل تعتبر شرطا ضروريا ولازما للتغيير الحقيقي المفترض البدء به. ثمة مئات بل آلاف المشاريع والرؤى والبرامج التي طرحت من غير بيئة تغييرية، لكن العبرة في تحقيق المراجعة والتغيير. مئات الأحزاب والحركات وهيئات المجتمع المدني ظهرت في مجمل البلدان العربية، بعضها تمكن من الوصول الى السلطة وسرعان ما تراجع عن التزاماته وشعارته، وبعضها الآخر استمر في السلطة لعقود عدة متواصلة،رغم ذهاب الناس الذين اوصلوهم الى السلطة.اليوم يحكمنا زعماء وقادة اوصلناهم بأنفسنا وتملص غالبيتهم من التزاماتهم؛ وغدا يأتي اولادهم ويحكمون اولادنا، وبعدهم احفادهم وأحفادنا، سلسلة من التراجعات المدمرة التي لها اول وليس لها آخر.
حُكمنا من العثمانيين خمسة قرون وألقينا وزرا كبيرا على تلك الحقبة لتبرير تخلفنا عن ركب التطور والتطوير، واليوم ربما ثمة فرصة لمراجعة التجربة التركية علَّ وعسى نتعلم شيئا منها، فهل سيظل العرب قابعون في مسلسلات التراجع؟ ام سيقدمون على مراجعة موضوعية ولو لمرة واحدة واستثنائية؟

د. خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية www.drkhalilhussein.blogspot.com