العراق بين خيارين

بقلم: راغب الركابي

كنا في حديثنا الذي قدمناه في مقالتنا السابقة عن الرجل الرشيد، نوهنا من غير ان نقصد وعلى سبيل التذكير، بحتمية التغيير في العمل السياسي للعراق وبحتمية حدوث الإنقلاب في الواقع السياسي فيه، ولقد كنا في ذلك نستقرء حال وواقع العراق وشعبه الذي تردت أحواله وبات في الحضيض من العيش والحياة، وهو لهذا يطلب التغيير ويلح عليه، خاصةً وإن جماعة الفرهود والسلطان سكرى في غيهم يعبثون بمصير الشعب والدولة، وهم لذلك لا يريدون الإمتثال للعقل وللمنطق والعمل على حل المعضل السياسي الضارب أطنابه في العراق.
نعم هناك ثمة من يقول: إن ساسة العراق الحاليين ليسوا أكفاء ولا هم وطنيون يُعتمد عليهم أو يُعتد بهم، وهم لهذا ليسوا سوى قطاع طرق وسُراق في وضح النهار، وهذا بالضبط ما دعا وزير الخارجية صديقنا المحترم زيباري ليقول: إن العراق تنقصه القيادة العاقلة، وينقص من يتحدث بإسمه الحكمة والشعور بالمسؤولية.. وإلاّ فما بال العراق وخلافاً لكل الدول والشعوب وبعد مضي النصف عام على إنتخابات شكك فيها المشتغلين فيها والرابحين منها لم يستطع ان يُقدم من يراه مناسباً ولائقاً لرئاسة الحكم والجمهورية، فالكل كما هو معلوم لم يتراجع عن طلب المقام الأول دون سواه مغنماً، وكلاً في ذلك يحد أسنانه لعقاب غريمه أن أمسك بها، بل وقد صرح البعض بذلك مؤجلاً العقاب لما بعد التربع على كرسي الخلافة والسلطان، ولهذا حين يتفاوض المتفاوضون أول ما يطلبه الواحد على الأخر الضمان بالأمن والسلامة له ولعياله ولمن في حاشيته من المقربين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الكم الوافر من الفساد وما أرتكبت الأيادي من فضائع وفضائح.
واليوم لا يبدو ما يشعر بالتفاؤل على الحل طالما إن كل فريق يُحمل الفريق الآخر احقاده ومراميه، وطالما إن العصا الغليظة لم توجه بعد لهم على نحو جدي، فهاهم يماطلون في كل شيء وعلى كل شيء، والشعب المسكين هذا المغلوب على أمره والذي أرهقه الجوع والخوف والذل والإنكسار، هذا الشعب صبره لن يطول كثيرا في ظل كل المعطيات والمحفزات التي تدعوه على الثورة على سارقي أحلامه وسارقي قوت عياله، كما وإن العالم الحر من وراء ذلك رقيب وشهيد، والعالم الحر بات يعلم إن سكوته على الظلم سكوت مذموم، ولهذا قد وأقول قد : يمد يد العون لطالبي السلامة والنقلة من عالم الفوضى والهرج إلى عالم الإنتظام والبناء، وثمة مغريات ودواعي تطلب ذلك وتؤيده، وثمة من يرغب في كسر قاعدة الجمود التي تلف المشهد السياسي الحالي، وقد حدث في التاريخ مثل هذا من صور وذكريات نرجوا ان لا تكون قد غابت عن البال، ونريد من ذلك التذكير كي لا يطمع الجاهل في غيه ويرتكب المزيد من الحماقات وتضييع الفرص، فخيارات العمل السياسي تتقلص كثيراً وتنكمش في ظل الواقع المتآكل الهش، أقول: إنهما خياران لا خيارين، وليتذكر الجميع إن الثرثرة في الكلام عن الديمقراطية قد ولى أوآنها، والخياران هما:
الإنقلاب العسكري: الممكن والمتصور في ظل ما عليه العراق من فساد وضعف وهشاشة وإنهيار في كل مناحي الدولة وبناءاتها، والإنقلاب طموح البعض من العسكريين، وهو طموح مشروع طالما إن الديمقراطية لم تعط ثمارها عبر هذه السنين، وما هو ناتج عنها بالفعل فشل وفوضى ودمار للشعب وللدولة، والذي يؤكد هذا إن جيلاً من العسكريين ناقم اليوم على هذه التجربة الركيكة من حياة العراق، وهم يرون ما يصير إليه الحال عند جيرانهم من المشرق والمغرب الذين تعلو هامتهم وتزداد قوتهم، والعراق هذا المسكين غدا مستنقع للفساد وللفوضى ولتآمر البعض على البعض فصار مخترق الجانب غير مهاب، ولا يغرب عن البال إن هاجس الإنقلاب لدى العسكريين قديم ليس جديدا، لكنه كان قراراً مؤجلا بسبب تواجد القوات الدولية التي كانت تُمانع في هذا الإتجاه خوفاً على سمعتها وما جاءت من أجله، لكنها اليوم تبدو قابلة نوعاً ما في ذلك، أو إنها لا تمانع وستغض الطرف عما يمكن فعله أو يكون، كما إن الشعب هو الأخر ميال لهذا النوع من الحلول، بعدما ضاق ذرعاً بعيشه وحياته وأمنه وسلامته، وبعدما جرب دعاة الديمقراطية وكيف يعيشون وكيف يتنعمون؟ وهو في ضنك من العيش كبير.
إذن ففي هذا الجانب هناك ما يدعوا لتحقيقه على الأرض وفي الواقع، ولا مانع في ذلك بل هناك مقتضي وهناك مصلحة.
والخيار الثاني هو تقسيم العراق إلى ثلاث ولايات أو أقاليم منفصلة عن بعضها البعض، أو متصلة ولكن لكل منها حكمه الذاتي، فيكون الجنوب وما حوله للشيعة، ويكون الشمال وما حوله للكرد، والصحراء الغربية والبادية وما حولها للسُنة، ومشروع التقسيم هذا قديم ليس بجديد، وهو الذي نادى به ودعا إليه السيد جو بايدن من قبل ان يكون نائباً للرئيس، وهذا المشروع مطروح بين الأوساط السياسية المهتمة بالشأن العراقي، وهو مشروع ممكن التحقيق في ظل الواقع السياسي والإجتماعي العراقي، وفي ظل فوضى الحكم والنظام في العراق، وعدم التسليم من البعض للبعض، وفقدان الشعور بالوطن من الجميع وغياب المسؤولية الوطنية والوحدة الوطنية، إذن هناك ثمة مايدفع بهذا الإتجاه ويعززه ويُنميه لدى الدوائر ذات العلاقة، وهذا الحل لا نتمناه ولا نرغب به، لأنه يعني ان نقرأ على العراق في شكله القطري الحالي السلام، ولكن ما البديل؟ لو كان الحال كما هو الآن، صحيح إن أخر الدواء الكي، لكنه كيٌ يؤدي إلى النهاية الكارثية للحلم والأمل ! راغب الركابي