الحراك الجنوبي التائه

بقلم: غازي المفلحي

لم يكن الحراك اليمني الجنوبي وليد صدفة أو مجرد زوبعة في فنجان أثارتها قلة من المنتفعين الذين فقدوا امتيازاتهم ويبحثون عن طريق لاستعادتها كما يحلو للبعض أن يتفلسف. بل كان رد فعل شعبي وعفوي على المظالم والتجاوزات التي مست حياة الكثير من الجنوبيين في مرحلة ما بعد حرب صيف 94.
ولكي نقرب إلى الأذهان حجم الظلم التي تعرض له الجنوبيون اثر حرب 94 لا بد من الإشارة إلى أن في جنوب ما قبل الوحدة - أي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية - كانت الملكية العامة لموارد المجتمع هي أساس النظام الاقتصادي الذي تم تطبيقه خلال الفترة من تحقيق الاستقلال وحتى قيام الوحدة عام 90، وفي ظل هذا النظام تم مصادرة الملكيات الخاصة والمؤسسات والشركات الفردية والعائلية، واحتكرت الدولة النشاط التجاري والصناعي والخدمي فحرم ذلك أفراد وعائلات الجنوبيين من تكوين أي ثروات أو مدخرات أو ممتلكات، وأصبح اعتمادهم كليا على ما توفره لهم الوظيفة العامة من دخل شهري زهيد رغم غنى الأرض بالخيرات وبالثروات.
وقد أدى تطبيق هذا النظام إلى خلق مستويين متناقضين من الغنى والفقر في المجتمع الجنوبي، ملكية عامة متضخمة تسيطر عليها الدولة وتشمل جميع ما على الأرض من مصادر إنتاج وأنشطة وخدمات وما تحت الأرض من مصادر ثروة ما استغل منها وما لم يستغل، وأفراد مجتمع فقراء يعتمدون فقط على رواتبهم الشهرية التي توفرها لهم الوظيفة العامة.
هكذا هو الحال الذي وجده الشماليون المنتصرون في الجنوب عشية انتهاء حرب صيف 94، وقد تمت معالجة هذا الأمر بدمج دولة الجنوب السابقة بكل ما تملكه من ثروة ومصادر إنتاج بدولة الوحدة. وتُرك أفراد المجتمع يعالجون فقرهم وعوزهم وفق قوانين السوق مجردين من أي قدرة على تكوين الثروة أو المنافسة.
ومع ذلك فقد كان المحظوظون من الجنوبيين فقط هم الذين احتفظوا بوظائفهم بعد انتهاء الحرب، وفيما بعد فقد ابتلع التضخم جزءاً كبيرا من دخل وظائفهم ولم يترك لهم سوى ما يسدون به رمقهم، أما الأقل حظا فقد تم تجميدهم أو تسريحهم من وظائفهم بمبررات وحجج مختلفة، ولم تكن عملية التجميد أو التسريح من نوع الضرر الذي يمكن إصلاحه أو التعويض عنه خصوصا مع تجاوز البطالة في المجتمع اليمني نسبة 25% بل كانت بمثابة قطع الأعناق كما يقال لأنها قطعت مورد رزقهم الوحيد وتر كتهم وعائلاتهم وحيدين في مواجهة المصير المجهول.
ومع ذلك فليس ذلك أسوأ ما في نكبة الجنوبيين، فالأسوأ والأنكى كان تعميم نموذج الدولة التي كانت قائمة في شمال اليمن ليشمل المناطق الجنوبية والشرقية.
ولم يكن نموذج الدولة في المحافظات الشمالية قبل الوحدة إلا واحدا من أكثر نماذج الحكم تخلفا في القرن العشرين.. حيث فيه تتضاءل قوة القانون أمام جبروت القوة، وتتغلب مفاهيم القبيلة والانتماء القبلي على مفهوم الدولة والانتماء الاجتماعي، وتنتشر المظالم الاجتماعية حتى من القائمين على سلطة القضاء والعدل، وتتفشى المحسوبية على حساب الكفاءة، وتسود ثقافة الثأر خارج سلطة القانون، ويستشري الفساد والرشوة ونهب المال العام.
بكلمة مختصرة، ثمة غياب شبه كامل لمفهوم سيادة القانون، وهذا الغياب هو الذي أدى في فترة ما بعد انتهاء الحرب إلى خلق حالة من التنافس المحموم بين أصحاب النفوذ السياسي والقبلي للاستيلاء سواء بالمنح أو بوضع اليد على ما أمكن لأيديهم الوصول إليه من ممتلكات أو أصول الدولة الجنوبية السابقة.
لهذا فقد كان طبيعيا وحتميا أن يولد ما سمي فيما بعد بالحراك الجنوبي صرخة رفض واحتجاج في وجه هذه المظالم والتجاوزات ومطالبة بالعدل والمساواة، ودعوه إلى استعادة ثروات لم تهبط من السماء بل صنعتها بالعمل والكفاح والحرمان أيادي أجيال متعاقبة من الجنوبيين.
ولأنها كانت مطالب عادلة فقد التف حولها جميع أبناء الجنوب بكل فئاتهم وشرائحهم الاجتماعية بالإضافة إلى شريحة واسعة في المحافظات الشمالية التي لم يكن الكثير منها بأحسن حالا من المحافظات الجنوبية وعبر الجميع عن دعمهم ومساندتهم لهذا الحراك بطرق ووسائل مختلفة بما فيها المشاركة في التظاهرات والاحتجاجات الشعبية والعمل على توسيع نطاقها لتشمل جل أو كل المحافظات اليمنية.
ولقد كان ممكنا بل ومرجحا أن تؤتي هذه التحركات الشعبية أُكلها وأن تصبح مقدمة ليس لاستعادة حقوق الجنوبيين فقط بل ولتحقيق العدالة وسيادة القانون ورفع الظلم عن جميع المستضعفين والمضطهدين بامتداد اليمن كلها، لولا أن تسللت إليها الجرثومة الخبيثة. جرثومة الدعوة للانفصال هذه الجرثومة التي تسربت إلى الحراك لم تضع حدا لتأييد قطاعات واسعة في المحافظات الشمالية للحراك الجنوبي فحسب، بل مزقت وشتت الصف الجنوبي نفسه، فالموقف السلبي من الوحدة لم يكن أبداً في أي يوم محل إجماع بين الجنوبيين، أما في المحافظات الشمالية فان الإجماع يكاد يكون كاملا مع الوحدة.
لذلك فإن إقحام الدعوة إلى الانفصال على المطالب الشعبية العادلة أفقد هذه المطالب بريقها وألقها، وخلق اصطفافا جديدا أساسه إما أن تكون مع الوحدة أو مع الانفصال، ومع هذا الاصطفاف فقد بدا الحراك بدعوته إلى الانفصال معزولا وضعيفا في مواجهة أغلبية كاسحة من الشعب اليمني ترى في الوحدة قدرا ومصيرا لا يمكن المساومة عليه، واستغلت السلطة هذا الخطأ التاريخي الذي أوقع الحراك نفسه فيه فجردته من كل المطالب العادلة وألبسته فقط رداء الانفصال، ثم جعلته هدفا لسهام دعايتها ليسهل عليها بذلك محاصرته وخنقه.
ولربما تعددت الأسباب التي تقف وراء جر الحراك الجنوبي خارج السياق الذي كان من الواجب أن يستمر فيه ليحقق النتائج المرجوة منه، لكن من المؤكد أن خطأ الحسابات كان واحدا من ابرز هذه الأسباب، وقد استند هذا الخطأ إلى الاعتقاد أن القوى الإقليمية وربما العظمى سوف تؤيد الدعوة إلى الانفصال، لكن ذلك التصور كان بعيدا كل البعد عن الواقع. فالقوى الإقليمية والعالمية تدرك انه في حال تحقق انفصال الجنوب فليس هناك من ضمان لعدم تفكك الجنوب إلى كيانات متعددة، بل وليس هناك من ضمان أن لا يقع أحد هذه الكيانات في قبضة المجموعات المتطرفة ليكون موطئ قدم لنشر الاضطراب والفوضى وعدم الاستقرار في هذه المنطقة الحساسة من العالم.
ولا نستطيع أن نستبعد نهائيا احتمال أن يكون تأثير التحاق قيادات جنوبية سابقة بالحراك ومعرفتها أنها لا تستطيع في ظل دولة الوحدة أن تحقق طموحاتها وأهدافها الشخصية أو استعادة مواقعها القيادية التي فقدتها، لكنها يمكن أن تستعيدها إذا تحقق الانفصال، نقول ربما كان تأثير هذه القيادات سببا آخر للدفع بمسيرة الحراك نحو تبني الدعوة إلى الانفصال.
لكن أيا كانت الأسباب التي حرفت الحراك عن مساره الصحيح، فإن عودة الحراك إلى السياق الذي بدأ به.. أي الدعوة إلى استعادة الحقوق والمساواة والعدل وسيادة القانون في إطار دولة الوحدة هو السبيل الوحيد لضمان أن يحقق هذا الحراك الغايات النبيلة التي وجد من اجل تحقيقها، وسوف يعيد اللحمة إلى صفوف الجنوبيين حيث لا خلاف على استعادة الحقوق ورفع الظلم، كما انه سيعيد الزخم إلى المحافظات الشمالية لكي تسير على نفس المنوال ليس لدعم الجنوبيين في مطالبهم العادلة فحسب، بل أيضا للمطالبة برفع الظلم الذي ترزح تحته قطاعات واسعة في هذه المحافظات، وبهذا يكون الحراك قد تحول من مجرد حركة شعبية تسعى لتحقيق مطالب محلية إلى حركة تغيير اجتماعي ذات بعد تاريخي ووطني سوف تترك أثرها وإسهامها في تحقيق المساواة والعدل للمجتمع كله، ولضمان مستقبل أكثر إشراقا لأجياله القادمة. غازي المفلحي