ليتَ الاختلاف لا يفسد للود قضية!

بقلم: رشيد الخيّون

ينسب لأحد رواد النَّهضة المصرية لطفي أحمد السَّيد (ت 1963)، الحِكمة السَّائرة على ألسن الخطباء وفي محاضر البلغاء «الاختلاف في الرَّأي لا يفسد للود قضية». واشتهرت أكثر من الأولى حِكمة أبرز رواد النَّهضة الفرنسية فرانسوا ﭬولتير (ت 1778): «قد اختلف معك في الرَّأي لكني مستعد للموت في سبيل الدِّفاع عن حقك بالتعبير عن رأيك». والعبارتان الحكيمتان لا تحتاجان إلى توثيق من مصدر ما، فشأنهما شأن المباحات من الاستشهادات، يستشهد بهما مثلما يستشهد العشاق، من الأولين والمتأخرين، ببيت أو بيتين من شعر قيس وكثيَّر وجميل وذي الرِّمة، فأي عاشق لا يُسمع مَنْ يعشق قول الأخير:
وعينـــــــان قــــال الله كــــونا فكانــــــتا
فعولان بالألباب ما تفعل الخمرُ
قد لا تأخذك الظنون في ما قاله السَّيد وﭬولتير فلا يبدو هناك ما يخالف مقولتيهما، فلقولهما صلة بثقافتهما وبزمنيهما أيضاً. لكن تأخذك الظُّنون والهواجس بعيداً عندما تقرأ أو تسمع لشاعر جاهلي ما هو أكثر ليبرالية من هذين العلمين. قال قيس بن الخَطِيم (ت 620 ميلادية أي قبل الهجرة النَّبوية بسنتين)، وهو لم يسلم حتى يُقال أخذ ذلك من الإسلام:
نَحـنُ بِما عِندنا وأَنتَ بِما
عِندكَ رَاضٍ والرأَي مُختلفُ
قرأت ذلك في كتاب «ابتهاج الصُّدور» للُّغوي شهاب الدِّين بن أحمد الغنَّمي (ت 1044 هـ)، ومعلوم أن ابن الخَطِيم سخر كلَّ حياته لأخذ الثأر، فكيف لمَنْ سخر كلَّ حياته وجعل أغلب شعره لأجل اجتثاث قاتلي جده وأبيه أن يكون ليبرالياً إلى حد الاعتراف باختلاف الرأي! فما بين الاجتثاث والليبرالية بون شاسع، وليس من اختلاف بين مفردة الثأر والاجتثاث فهما بالأخير تفيدان معنى الانتقام على حد سواء، وتغرسان ممارسة تداول العنف عبر الأجيال.
لكن، بعد التمحيص بمصطلح الجاهلية نفسه، وقراءة في حياة ذلك الزَّمن، تأخذ تلك الظُّنون بالانحسار، فيبدو ذلك العصر ليس كلَّه همجية، فالجزيرة العربية، التي على رمالها نشأ صاحب البيت ابن الخَطِيم، تعايشت فيها اليهودية والمسيحية والمجوسية والحنفية، قبل ظهور الإسلام، ومَنْ يقرأ في المبتسرات التي أشارت إلى حياة الرَّاهب ورقة بن نوفل (توفى قبل الهجرة النَّبوية بسنتين)، أو دار النَّدوة، أو المجتمع المكي واليثربي فسينظر بما قصدنا إليه.
من جانبه يفاجئنا ابن بحر الجاحظ (ت 255 هـ) بنماذج ممَنْ لم يفسد الاختلاف العقائدي والمذهبي الود الشَّخصي بينهم، وهو اختلاف شديد ليست فيه مرونة، لكن مع ذلك ظل الود قائماً رغم الاختلاف وشدته. قال الجاحظ: «ولم يرَ النَّاس أعجبَ حالاً من الكُميت والطِّرماح، وكان الكُميت عدنانياً عصبياً، وكان الطِّرماح قحطانياً عَصبياً، وكان الكميت شيعياً من الغالية، وكان الطِّرماح خارجياً من الصُّفرية، وكان الكُميت يتعصب لأهل الكوفة، وكان الطِّرماح يتعصب لأهل الشَّام، وبينهما مع ذلك مِنْ الخاصَّة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قط» (البيان والتَّبيين).
كذلك ما كان بين عبد الله الإباضي (خارجي) وهشام بن الحكم (شيعي). قال الجاحظ في صداقتهما: «فإنهما صارا إلى المشاركة بعد الخِلطة والمصاحبة» (نفسه). وأتى الجاحظ بنماذج أُخر من المتضادين في الفكر والموقف السياسي والمُعمرين بينهم من مخالطة.
عبرنا في هذه الكلمة القصيرة من الجاهلية إلى الإسلام فعصر نهضتنا المأزومة؛ فلم نجد أرقى من الجمع بين اختلاف الرَّأي والود، فبوجود الأخير تُحل العقد، وتتقارب الأنفس. لكن، لحجم ما يعيشه العِراق، ولحجم خراب العقول والضمائر نقول: ليت الاختلاف لا يفسد للود قضية! لكن ما نطلبه يحتاج إلى أكباد الأباعر وأخلاق الدَّلافين!
رشيد الخيّون